آخر الأخبار

علي خامنئي.. مرشد إيران الذي صالَح بين عبد الناصر وسيد قطب

شارك

مقدمة التقرير:

في مساء العاشر من رمضان، 28 فبراير/شباط 2026، بالتوقيت المحلي لطهران، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن آية الله علي خامنئي، المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية في إيران، قُتل في الضربات الافتتاحية للحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران في صباح ذلك اليوم نفسه، واضعا إيران والمنطقة بأسرها أمام لحظة مفصلية لها تداعيات هائلة.

وفي الساعة الخامسة من فجر الأحد، الأول من مارس/ آذار، بث التليفزيون الإيراني نعي خامنئي الذي استُهدف في الهجوم الأوسع على إيران منذ انتصار ثورتها قبل نحو نصف قرن. إذن مات المرشد الأعلى، وحتى قبل تأكيد وفاته فقد فتح الخبر دفاتر علي خامنئي دفعة واحدة، في أزقة مشهد الفقيرة، وشوارع طهران الواسعة حيث وصل إلى هرم السلطة، ومن البكاء المكتوم في حارات ضاحية بيروت الجنوبية، إلى الاحتفالات الصاخبة في ميدان الساعة بحمص وميادين حلب ودمشق.

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 مومباي – حيفا.. كيف يغير تحالف مودي ونتنياهو الشرق الأوسط؟
* list 2 of 2 كيف صنعت إيران أسلحتها التي ترهب أمريكا رغم العقوبات؟ end of list

هذا المقال هو محاولة قراءة لحياة وخيارات المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية في إيران، وكيف تكونت شخصيته، عبر صحبة روح الله الخميني، أو النجاة من محاولة اغتيال قديمة كادت تنجح، أو من نشأته على مواقف جمال عبد الناصر وانبهاره بأفكار سيد قطب، لتضعه في موقع “قائد محور المقاومة” بكل ما له وما عليه.

مصدر الصورة صورةٌ ملتقطة بالأقمار الصناعية تظهر دخانًا أسودَ يتصاعد وأضرارًا جسيمة في مجمّع المرشد الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي، عقب ضربات الولايات المتحدة وإسرائيل في 28 فبراير/شباط 2026 (رويترز)

نص التقرير:

طهران، يوليو/تموز 2025 – في حسينيةٍ تتشح بالسواد بمناسبة عاشوراء، يجلس مئات الحاضرين في صمت متوتر، تتخلله تلاوات تستحضر مأساة كربلاء واستشهاد الحسين بن علي عليهما السلام. فجأة، انفرج الستار ليكشف عن شيخٍ نحيلٍ مهيب، يرتدي عمامة سوداء وعباءةً مماثلة، وتبرز على كتفه كوفيةٌ تشبه الكوفية الفلسطينية الشهيرة لكن بخصوصية إيرانية. يده اليمنى المصابة منذ محاولة اغتيال قبل عقود مخفية تحت العباءة، بينما يرفع اليسرى محييًا الحضور. تعالت الهتافات: "لبيك يا خامنئي"، و"جاهزون يا قائدنا الحر" بينما أشار لهم القائد بالجلوس.

إعلان

كان هذا الظهور الأول للمرشد الإيراني الأعلى علي خامنئي بعد غيابٍ قصيرٍ أعقب العدوان الإسرائيلي على إيران في يونيو/حزيران 2025، والذي أطلق بعض المعلقين عليه رمزيًا وصف "الغيبة الصغرى". فوفق الفقه الشيعي تشير الغيبة الصغرى إلى مرحلة مؤقتة يظل فيها الإمام حاضرًا عبر وكلائه قبل الغيبة الكبرى. منذ توليه المنصب عام 1989 خلفًا لروح الله الخميني، أصبح علي خامنئي محور الحياة السياسية الإيرانية، حيث كان يمارس سلطته عبر مبدأ ولاية الفقيه الذي يمنحه صلاحياتٍ واسعة تشمل القيادة العليا للقوات المسلحة وتوجيه السياسة الخارجية والإشراف على المؤسسات الدستورية العليا – ليكون صاحب الكلمة الفصل في القضايا المصيرية على مدى أكثر من ثلاثة عقود.

تتباين الآراء حول دوره وإرثه. مؤيّدو خامنئي يرونه رمز الثبات وحامي المشروع الثوري الممتد من فلسطين إلى لبنان واليمن، جامعًا بين المرجعية الدينية والحكمة السياسية. في المقابل، يرى منتقدوه أنه ركّز السلطة في يده وعمّق الاستقطاب السياسي الداخلي والإقليمي، محوّلًا الجمهورية الإسلامية إلى دولة شديدة المركزية تحت سيطرة قبضة أمنية شديدة الإحكام.

ومن الطبيعي أن يثور هذا الجدل حول شخص بكل هذه السعة في السياسة، وبكل تلك الظلال في الدين وبكل هذا التاريخ من الحضور. ورغم كل الخلافات حول شخصه، يظل هناك شبه اتفاق على أن المرشد كان صاحب القرار النهائي، وكانت تخضع له مؤسسات الدولة وشبكات النفوذ الدينية والاجتماعية. وهكذا، يتجاوز النقاش حول شخصه ليصبح عن طبيعة النظام الإيراني ومستقبله، وما إذا كانت إيران ستواصل نموذج السلطة الذي رسخه، أم ستشهد تحولات سياسية عميقة بعده.

مصدر الصورة المرشد الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي يتحدث خلال اجتماع في طهران، إيران، 24 أغسطس/آب 2025 (رويترز)

فلا يمكن فهم إيران المعاصرة دون ذكر خامنئي. فلم يكن مجرد قائدٍ سياسي أو رجل دينٍ تقليدي، بل رمزٌ تجمعت حوله كل خيوط القصة الإيرانية: الثورة، والحرب، والسلطة، والمعارضة، والصواريخ، والبرنامج النووي، والعقوبات، والمذهب والهوية الدينية. تثير شخصيته الإعجاب والغضب في الوقت ذاته. رحلته من أزقة مدينة مشهد المتدينة إلى أعلى سلطةٍ في الجمهورية الإسلامية ليست مجرد سيرةٍ ذاتية، بل نافذةٌ على تاريخ إيران الحديث بكل تحوّلاته، وصراعاته، وأحلامه، وأزماته.

أساطير الثورة الإسلامية

لكل ثورةٍ أساطيرها، ولكل ثائرٍ أسطورته الخاصة. تبدأ أسطورة علي خامنئي من مدينة مشهد المقدسة شمال شرقي إيران. وُلد علي الحسيني خامنئي في أبريل/نيسان 1939 لعائلةٍ متواضعة من علماء الدين، وترعرع في ظلال مرقد الإمام الرضا. في أجواء هذه المدينة المُشبَعة بالتديّن وبروح المقاومة الشيعية للهيمنة الأجنبية، تشبّع الفتى بالعلوم الشرعية إلى جانب نزوعٍ ثوري مبكر.

"لم يكن خامنئي مجرد قائدٍ سياسي أو رجل دينٍ تقليدي، بل رمزٌ تجمعت حوله كل خيوط القصة الإيرانية: الثورة، والحرب، والسلطة، والمعارضة، والصواريخ، والبرنامج النووي، والعقوبات، والمذهب والهوية الدينية".

عندما كان خامنئي في الثانية عشرة من عمره، شهد الإيرانيون حدثًا مفصليًا تمثّل في انتخاب الدكتور محمد مصدّق رئيسًا للوزراء عام 1951. سعى مصدّق إلى استقلال إيران الوطني عبر خطواتٍ جريئة، أبرزها تأميم شركة النفط الأنغلو-إيرانية الذي أنهى الهيمنة البريطانية شبه الكاملة على نفط البلاد. رأى خامنئي الطفل وجيله كيف أطلق قرارُ مصدّق شرارة صراع إراداتٍ داخل إيران وعلى المستوى الدولي. ردّت بريطانيا برفع قضيةٍ ضد طهران أمام محكمة العدل الدولية – التي رفضت النظر فيها عام 1952 – وبدأت حملةً لخنق الاقتصاد الإيراني. داخليًا، حاول مصدّق كبح تدخلات الشاه وتعزيز سلطة مجلس النواب المنتخب وتمويل برامج للرعاية الاجتماعية استفادت منها الشرائح الفقيرة التي ينتمي إليها خامنئي.

إعلان

حظي مصدّق بدعم غالبية الإيرانيين آنذاك: من القوميين في المدن إلى التجار في الأسواق (البازارات) وقطاعات واسعة من علماء الشيعة والعمال. في المقابل، عارضته النخب المرتبطة بالغرب مدعومةً بأجهزة الاستخبارات البريطانية والأمريكية التي أرادت إعادة إيران إلى فلك نفوذها. بلغ صراع الإرادات ذروته في أغسطس/آب 1953 حين دبّرت وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية والمخابرات البريطانية انقلابًا عسكريًا بمساعدة عناصر في الجيش الإيراني وبعض أعوان الشاه. فشلت المحاولة بدايةً حتى إن الشاه محمد رضا بهلوي هرب خارج البلاد، لكن وحداتٍ عسكرية موالية للانقلاب التحمت مع جماعات من البلطجية لاستعادة السيطرة على طهران والإطاحة بمصدّق.

قبل أن يتم الخامسة عشرة من عمره، رأى خامنئي الفتى رئيسَ وزراء إيران الوطني محمد مصدّق يُحاكَم بتهمة الخيانة ويسجن ثلاث سنوات ويوضع قيد الإقامة الجبرية حتى وفاته. وفي الوقت نفسه تقريبًا، كانت مصر تقدّم نموذجًا ثوريًا آخر ضد القوى الغربية بقيادة الرئيس جمال عبد الناصر. حاول ناصر وقادةٌ آخرون من العالم النامي تشكيل جبهةٍ عالمية عُرفت بحركة عدم الانحياز. وبينما كان مصدّق قيد السجن، لمع نجم ناصر وملأ قلوب شعوب الجنوب – والإيرانيين منهم – بالأمل في استعادة الاستقلال الوطني. في 21 يوليو/تموز 1956 (الموافق 13 ذي الحجة 1375هـ، ثالث أيام عيد الأضحى وقبيل عيد الغدير) وقف عبد الناصر في الإسكندرية ليعلن تأميم قناة السويس، وليعيد بذلك للفتى خامنئي القدرة على الحلم مجددًا.

مصدر الصورة علي خامنئي شابًا وطالبًا في الحوزة العلمية (الموقع الرسمي لخامنئي)

من رأي الفيلسوف المصري حسن حنفي أن بين الثورة الوطنية التي قادها مصدق في أوائل الخمسينيات والثورة الإسلامية التي قادها الخميني في أوائل الستينيات والثورة المصرية علاقة جمعها عدو مشترك هو الاستعمار والصهيونية. فلم يترك الاستعمارُ مصرَ ناصر تواصل مشروعها دون قتال. فبعد أقل من ثلاثة أشهر اندلعت حرب السويس (العدوان الثلاثي)، لتتحول إلى حلقةٍ ملهمة في سلسلة النضال ضد الاستعمار عبر العالم. ربما رأى خامنئي في صمود المصريين وتمسّكهم بسيادتهم على القناة نموذجًا يُنعش روحه الثورية ويجسّد معاني الاستقلال والعزّة والمقاومة. وربما كان ذلك أحد أوائل الدروس التي تعلّمها عن حقيقة الاستعمار: القوى الإمبريالية التي دبّرت سرًا الإطاحة بمصدّق عام 1953، خاضت حربًا علنية عام 1956 لاستعادة قناة السويس.

فالمصالح الاستراتيجية الغربية التي تتعلق بالنفط أو قناة السويس، كانت الدافع الحقيقي للتدخل في إيران ومصر، ويستوي في ذلك الأمر أن يكون النظام قوميا عسكريا أم ديمقراطيا منتخبا. فعند التعارض مع المصالح الغربية، فلتذهب الديمقراطية إلى الجحيم أو إلى السجن. أما الدرس القاطع، المتمثل في نجاح عبد الناصر فيما فشل فيه مصدّق؛ فلم تكن الديمقراطية هي الحصن الذي حمى ناصر من الإطاحة به، بل قوة الدولة وسيطرتها على مقدراتها مدعومةً بالتأييد الشعبي الواسع. صعب أن تغفل إيران عن هذا الدرس المرير الذي سطره الغرب بيده في المنطقة.

لم يكن خامنئي الوحيد من أبناء جيله الذي أُعجب بجمال عبد الناصر. فقد لاقت رؤية ناصر القومية ومناهضته للاستعمار صدىً عميقًا بين طلبة الحوزات العلمية المسيسين في إيران. لم تكن مصر تختلف كثيرًا عن إيران في ذلك الحين: كلتاهما أمةٌ عريقة ذات أغلبية إسلامية تحاول كسر أغلال التبعية والهيمنة الأجنبية. وكما قدّمت مصر نموذجًا مبكرًا للقومية المناهضة للاستعمار، قدّمت أيضًا لخامنئي نموذجًا إسلاميًا ثوريًا أكثر جذرية سرعان ما اكتشفه في كتابات سيّد قطب.

"المستقبل لهذا الدين"

خلال دراسته الحوزوية في ستينيات القرن الماضي، برز علي خامنئي كمثقّفٍ شغوفٍ بالأدب العربي والإسلامي. وعندما اختار أن يترجم من العربية إلى الفارسية، انتقى أعمالًا تحمل دلالات عميقة على توجهاته الفكرية الناشئة. في تلك الفترة اكتشف كتب المفكر المصري سيد قطب، ليصبح بطلًا ثانيًا في مخيلة خامنئي الشاب، لكنه للمفارقة أُعدِم على يد بطله الأول، عبد الناصر. أشعلت رؤية قطب حول "الجيل القرآني الفريد" ونقاء الدعوة والمجتمع المسلم شرارةً في عقل خامنئي الشاب، وحفّزته على خوض نضالٍ لا هوادة فيه ضد ما وصفه قطب بـ"الجاهلية" المعاصرة.

"أصاب سيد قطب: تأثير هذا الشيء - النظام الذي تأسس على ركائز الإسلام - أكبر من آلاف الكتب".

بواسطة المرشد الإيراني علي خامنئي

وإذا كان تأثير جمال عبد الناصر كامِنًا في وعي خامنئي السياسي، فإن أفكار سيد قطب حضرت بشكلٍ ظاهر ومباشر لدى الشاب الخامنئي وهو الذي أدخله إلى قاموس الثقافة الإيرانية عبر الترجمة والتدريس في حلقات سرّية أو شبه علنية. الحقيقة من المهم بيان أن الفكرة الأبرز التي داعبت خيال هؤلاء الشباب هي العدالة الاجتماعية ونقد الحضارة الغربية، وتأسيس النظام الإسلامي يقول المرشد الأعلى في أحد خطاباته "أصاب سيد قطب: تأثير هذا الشيء – النظام الذي تأسس على ركائز الإسلام – أكبر من آلاف الكتب". وهذا التأثير لا يعني أن كل أفكار قطب حاضرة بالضرورة، حيث يشير الموقع الرسمي لخامنئي إلى قيامه قبل الثورة بترجمة كتابين من كتب سيد قطب هما: "المستقبل لهذا الدين" و"الإسلام ومشكلات الحضارة" – وكلاهما من مؤلفات قطب في ستينيات القرن العشرين. لم تكن تجربة الترجمة مجرد جهدٍ لغوي، بل شكلت لونًا من التتلمذ عن بُعد. ومن يراجع خطاب المرشد يجد صدى لتلك الأفكار، واضحة في مفرداته عن "الاستكبار العالمي" و"مجتمع المقاومة" و"الغزو الثقافي".

مصدر الصورة غلاف كتاب "المستقبل لهذا الدين" لسيّد قطب، بالترجمة الفارسية لآية الله علي خامنئي (الناشر الإيراني)

لم يزل خامنئي يقتبس من سيد قطب في خطبه وحواراته حتى أواخر أيامه. فعلى سبيل المثال، في مارس/آذار 2024، في أوج حرب الإبادة التي شنّتها إسرائيل على قطاع غزة، ألقى خامنئي خطابًا عن صمود الفلسطينيين ومعاني التضحية، واقتبس مقاطع من كتاب قطب "التصوير الفني في القرآن". ودأب مرارًا على الإشادة بأفكار قطب وكتاباته، معتبرًا إياها مصادر إلهام فكري.

إعلان

على الصعيد الحركي، شكّلت ترجمة كتب قطب جسورًا عبرت عليها أفكار "صاحب الظلال" (في إشارة إلى تفسيره الشهير في ظلال القرآن) إلى الإيرانيين. كان خامنئي أحد أبرز هذه الجسور، ناقلًا تلك المفاهيم إلى جيلٍ من الشباب الباحث عن صيغةٍ تمزج القومية المناهضة للاستعمار بالحكم الإسلامي الثوري.

وبحلول أواخر الستينيات، بلغ تحالف شاه إيران مع الغرب أوجه، ووصل توحّش جهاز السافاك (الشرطة السرية) إلى ذروته. حينها بدأ التحول الأبرز في شخصية خامنئي الهادئ تجاه الثورة الفاعلة. في عام 1966 – وهو العام نفسه الذي أُعدِم فيه سيد قطب – أسّس خامنئي مع زملاء من طلبة الحوزة دار نشر سرّية. نشر هؤلاء الشباب كتبًا ثورية صوّرت الإسلام كعقيدة تحرّرية، وتولّوا عبرها ترجمة كتابات قطب وآخرين.

خاطر خامنئي بحريّته مرارًا في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي بسبب قناعته بأن الإسلام قادرٌ على تأجيج حراكٍ ضد الطغيان، سواء كان طغيان الشاه في الداخل أو حلفائه الأجانب في الخارج. وقد أشارت وسائل الإعلام الإيرانية لاحقًا إلى أن كتابات قطب أُدرِجت ضمن مناهج تدريب الحرس الثوري تحت إشراف خامنئي نفسه – مما يدل على استعداده لتجاوز الحواجز المذهبية واستلهام تيارات الفكر الإسلامي السني الثوري في تغذية مشروع ثورته الشيعية.

"استطاع خامنئي أن يدمج مُثل السيادة القومية ومناهضة الاستعمار (التي جسّدها ناصر) مع مُثل المجتمع الإسلامي الثوري ودولته ذات الاستقلالية المطلقة (كما وضحها قطب)".

صحيحٌ أن مسار الثورة الإسلامية الإيرانية اختلف عقائديًا وسياسيًا عن فكر جماعة الإخوان المسلمين التي انتمى إليها سيد قطب، إلا أن قوالب قطب التحليلية وأدواته المفاهيمية وجدت طريقها إلى فكر الثورة الإيرانية وخطاب خامنئي على وجه الخصوص. مزج خامنئي ما احتاجه من عبد الناصر وما أخذه من سيد قطب. وليس غريبًا ذلك، فقد اتفق قطب وناصر لفترة طويلة قبل أن يقع بينهما الخلاف الكبير الذي أنهى حياة قطب. وهكذا استطاع خامنئي أن يدمج مُثل السيادة القومية ومناهضة الاستعمار (التي جسّدها ناصر) مع مُثل المجتمع الإسلامي الثوري ودولته ذات الاستقلالية المطلقة (كما وضحها قطب). هذا الخليط الفكري هو ما سيوجّه مسار خامنئي السياسي والديني في العقود اللاحقة.

على خط الإمام

بحلول التاسعة عشرة من عمره، كان علي خامنئي قد قطع شوطًا مهمًا في الدراسة الدينية التقليدية. أنهى عددًا من دروس اللغة والمنطق والفقه والأصول في حوزات مشهد، ثم ارتحل أواخر الخمسينيات إلى "العتبات المقدسة" في العراق لطلب العلم. في النجف وكربلاء درس على أيدي كبار المراجع واكتسب تمكّنًا كبيرًا باللغة العربية حتى غدت له لغةً ثانيةً قريبة من لغته الأم. وبناءً على رغبة والده، عاد إلى إيران ليلتحق بحوزة قم العلمية مستكملاً دراساته العليا في الفقه والأصول على يد أساتذة كبار مثل آية الله العظمى حسين البروجردي، والعلامة السيد محمد حسين الطباطبائي. لكن الأهم كان تتلمذه على يد الإمام روح الله الخميني، الشخصية التي ستترك أعمق الأثر في مسيرته وفي تاريخ إيران الحديث.

في أواخر الخمسينيات، كانت مدينة قم تعجّ بالنقاشات الفقهية والفلسفية في ظل مرجعية آية الله العظمى حسين البروجردي، الذي كان المرجع الشيعي الأعلى منذ أوائل القرن العشرين. ورغم نزوع البروجردي إلى المحافظة الدينية والاعتدال السياسي، كان له أثرٌ بالغ على المؤسسة الدينية الشيعية حيث وحّد مناهج الدراسة في الحوزات المختلفة، وبنى شبكةً تربط علماء قم بعلماء النجف ومجتمعات الشيعة من العراق إلى الهند. حتى إنه يوصف بأنه آخر مرجعٍ حظي بشبه إجماع عالمي لدى الشيعة قبل أن تتعدد المرجعيات بعدها.

اعتمد البروجردي نهجًا حذرًا في الشأن السياسي، مقدّمًا نموذجًا براغماتيًا في التعامل مع نظام الشاه. كما أولى اهتمامًا كبيرًا بالتقريب بين المذاهب الإسلامية، فدعم "دار التقريب بين المذاهب" في القاهرة ورحّب باعتراف الأزهر بالمذهب الجعفري مدرسةً فقهيةً معتبرة. لكن وفاة البروجردي عام 1961 فتحت الباب لصعود العلماء الناشطين سياسيًا، وعلى رأسهم الإمام الخميني الذي سرعان ما تبنّى خطابًا ثوريًا صريحًا ضد نظام الشاه.

في عام 1962 أعلن الخميني معارضته لمشروع الشاه التحديثي المعروف بـ"الثورة البيضاء"، وهي حزمة إصلاحات عُرضت في استفتاء يناير/كانون الثاني 1963. شملت الثورة البيضاء إصلاحاتٍ زراعية وتأميم الغابات وخصخصة بعض المؤسسات الحكومية ومنح النساء حق التصويت والترشح، إلى جانب تعديلاتٍ في قوانين الأحوال الشخصية. لكن هذه الإصلاحات ترافقت مع مزيدٍ من القمع: توسّع نفوذ جهاز السافاك، وازدادت سيطرة الدولة على الأوقاف التي كانت تغذّي موارد الحوزات، وتقلّص الهامش السياسي، فيما دفعت سياسات التحديث الزراعي كثيرًا من الفلاحين إلى هجرة القرى نحو المدن، فازدادت الفوارق وأشاع ذلك استياءً واسعًا.

إعلان

في خضم هذه الأجواء، وقبيل عاشوراء 1383هـ (أواخر مايو/أيار 1963)، أوفد الإمام الخميني تلميذه الشاب علي خامنئي إلى محافظة خراسان شمال شرقي إيران، حاملًا رسالته إلى كبار علماء مشهد هناك، بهدف حشدهم لتحويل المناسبة الدينية الكبرى إلى مظاهرةٍ ثورية ضد الشاه. أدّى خامنئي مهمته بفاعلية، وساهم في تعبئة الأجواء التي سبقت انتفاضة 5 يونيو/حزيران 1963. وفي 2 يونيو/حزيران اعتُقل لأول مرة، وكان في الرابعة والعشرين من عمره.

مصدر الصورة صورة للإمام الخميني وخلفه علي خامنئي وسط حشد من طلبة الحوزة والعلماء (الموقع الرسمي لخامنئي)

في اليوم التالي، 3 يونيو/حزيران (الموافق ليوم عاشوراء)، ألقى الخميني في قم خطبةً نارية هاجم فيها الشاه وثورته البيضاء، وندّد بالتدخل الأميركي في إيران وبالاحتلال الإسرائيلي لفلسطين. وفي فجر 5 يونيو/حزيران داهمت قوات النظام بيت الخميني واعتقلته ونقلته إلى طهران، فانفجرت مظاهرات واسعة في قم والعاصمة، وامتدت لاحقًا إلى مدن مثل شيراز ومشهد. هاجم المتظاهرون مراكز الشرطة في طهران وأُعلنت الأحكام العرفية، فيما فتح الحرس الإمبراطوري النار على الحشود التي هتفت "الخميني أو الموت". أسفرت المواجهات عن مئات القتلى والجرحى واعتقال المئات، بينهم عدد من العلماء ورجال الدين. فُرضت الإقامة الجبرية على الخميني بعد قمع الانتفاضة، قبل أن يعتقل وينفى إلى تركيا ثم العراق عام 1964. وهكذا صارت انتفاضة يونيو 1963 إحدى المحطات المبكرة التي مهّدت لاحقًا لاندلاع الثورة الإسلامية عام 1979.

خلال تلك الأحداث توثّقت صلة خامنئي بالخميني وارتفع شأنه تدريجيًا بوصفه أحد أبرز تلاميذه وأكثرهم نشاطًا. أصبح صوته صدىً آخر لصوت الإمام، ينقل رسائله ويخطب على منواله. ومن اللحظات التي كان خامنئي لا ينفك يستعيدها باعتزاز لقاؤه بالشخصية الثورية نوّاب صفوي (زعيم جماعة فدائيو الإسلام) في أواخر الخمسينيات. كان صفوي خطيبًا كاريزميًا ذو لهجة حادة، وقد غرس في قلب الشاب خامنئي قناعةً جديدة مفادها أن الإسلام ليس عبادات فردية فحسب، بل هو منهج حياة وموقف سياسي ومقاومة ضد الطغيان. شكل ذلك اللقاء "صدمة كهربائية" كما وصفها خامنئي، إذ غيّر مجرى تفكيره ومساره الفكري إلى الأبد.

مع مطلع الستينيات بدأت ملامح الناشط السياسي تتبلور في شخصية خامنئي. فإلى جانب دروسه الفقهية في قم، ارتقى المنابر خطيبًا يهاجم سياسات الشاه ويدعو الناس للتمسك بالقيم الإسلامية، رافضًا ما اعتبره مشاريع استعمارية كالثورة البيضاء. سرعان ما جذبت إليه تلك الخطب أنظار السافاك الذي لم يكن يتسامح مع أي صوتٍ معارض. وهكذا توالت الاعتقالات على خامنئي في شبابه، وتعرّض أثناءها لصنوف التعذيب النفسي والجسدي. لكنه اعتبر السجن مدرسةً أخرى تعلّم فيها الصبر والتحمّل، حتى قال لاحقًا: "السجن كان جامعةً أخرى، تعلّمت فيها ما لم أتعلمه في الحوزات". خرج من كل فترة اعتقال أكثر صلابةً وإصرارًا على المواجهة التي بات يعتبرها قدره المحتوم.

لم يكتفِ نظام الشاه بسجن خامنئي، بل نفاه إلى مناطق نائية مثل مدينة إيرانشهر بجنوب شرقي البلاد، بعيدًا عن مراكز التأثير. غير أن خامنئي حتى في منفاه واصل التدريس والوعظ، واستقطب حوله أعدادًا من الشباب. تحوّل المنفى بالنسبة له إلى فرصة لتوسيع دائرة التأثير بدل أن يكون عزلةً وعقوبة. والمفارقة أن غالبية سكان تلك المناطق كانوا من أهل السُنّة، ما فتح أمامه بابًا لبناء علاقات وطيدة مع بعض علمائهم، وهي صلات استمرت لاحقًا لسنوات طويلة.

بمرور الوقت أصبح خامنئي جزءًا من شبكةٍ واسعة من العلماء المناضلين الذين عملوا في الخفاء لتهيئة الأرضية لثورة كبرى. استخدموا المنابر في المساجد، والكتيّبات السرية، واللقاءات المغلقة كأدوات لإبقاء شعلة المقاومة متقدة. في يناير/كانون الثاني 1974 (ذو الحجة 1393هـ)، ألقى خامنئي خطبًا في عدة محافظات، ما أدى إلى اعتقاله مجددًا وحبسه شهرين في زنزانة انفرادية، وهي تجربة تحدث عنها مرارًا فيما بعد. تكرر اعتقاله مرة أخرى عام 1975، وخضع لظروف احتجاز قاسية. وتشير وثائق السافاك لعام 1971 إلى أن خامنئي كان أحد وكلاء الخميني المكلّفين بجمع "سهم الإمام" من أموال الخُمس، لتمويل شبكات الإمام التنظيمية؛ إذ خُصصت تلك الأموال لدعم الحوزات العلمية، وطباعة المنشورات السرية، ورعاية أسر المعتقلين والشهداء المناهضين لنظام الشاه.

خلال السبعينيات حاول خامنئي السفر إلى العراق لزيارة العتبات المقدسة والالتقاء بأستاذه الخميني في النجف، لكن سلطات الشاه منعته من مغادرة البلاد. وعلى الرغم من كل القيود – من حظر الخطابة إلى الاعتقالات والنفي المتكرر (آخرها نفيه ثانيةً إلى إيرانشهر عام 1977) – واصل نشاطه السياسي والدعوي دون كلل. ومع تصاعد الاحتجاجات الشعبية التي مهّدت للثورة الإسلامية، شوهد خامنئي في ديسمبر/كانون الأول 1978 يخطب أمام الآلاف في مشهد داعيًا للالتفاف حول قيادة الإمام الخميني.

في يناير/كانون الثاني 1979، أعلن الخميني من منفاه في باريس تشكيل مجلس قيادة الثورة الإسلامية ليتولى إدارة البلاد فور سقوط الشاه. وعندما عاد الإمام ظافرًا إلى طهران في 1 فبراير/شباط 1979، كان علي خامنئي في استقباله بمطار مهرآباد بين مئات الآلاف. سرعان ما عيّنه الخميني عضوًا في مجلس قيادة الثورة، ليتحول خلال أشهر قليلة من عالم دينٍ معارض طاردته أجهزة الشاه إلى أحد ركائز النظام الجديد.

آية الله روح الله الخميني يلوّح لحشد من أنصاره المجتمعين في مقبرة بهشت زهراء في طهران خلال زيارته في يوم عودته من فرنسا بعد 15 عامًا في المنفى (الفرنسية)

وهكذا تبلورت شخصية علي خامنئي: من فتى فقير نشأ في بيت متواضع بمشهد، إلى عالم دين شاب، فإلى مناضل سياسي ذاق السجون والمنافي. لم يخطر بباله آنذاك أن القدر يهيئه لدور أعظم بكثير من مجرد ناشط معارض، لكنه كان قد وضع الأسس لشخصيةٍ تجمع بين العلم الشرعي والخبرة الثورية والصبر على الشدائد.

من مناضل إلى رئيس

جعلت تلك التجارب المريرة من علي خامنئي أحد أقرب التلاميذ لقائد الثورة روح الله الخميني وأكثرهم إخلاصًا له. ومع انتصار الثورة الإسلامية عام 1979، لم يكن خامنئي مجرد تابعٍ في الصفوف الخلفية، بل برز كأحد وجوهها الأساسية. شوهد خطيبًا يلهب الحشود بحماسته، ومنظمًا يعمل بصمت خلف الكواليس. لقد منحه انتصار الثورة المنصة الواسعة التي طالما انتظرها؛ فبعد سنوات السجن والمنفى استطاع أخيرًا أن يصدح بصوته بلا خوف، وأن يشهد بعينيه سقوط نظام الشاه الذي قاومه.

وبقيام الجمهورية الإسلامية، بدأت مرحلة جديدة هي مرحلة بناء الدولة. وسرعان ما تقلّد خامنئي مواقع بارزة في النظام الوليد، من بينها عضوية مجلس قيادة الثورة الذي تولى إدارة شؤون البلاد خلال الأيام الأولى المضطربة عقب سقوط الشاه. كذلك تولى خامنئي إمامة صلاة الجمعة في طهران ابتداءً من عام 1980، وهو منصب ديني وسياسي رفيع كانت خطبه تُنقل عبر الإذاعة والتلفزيون أسبوعيًا إلى عموم الإيرانيين. وخلال نفس الفترة، شارك في صياغة الدستور الجديد للجمهورية الإسلامية عام 1979، حيث لعب دورًا في تضمين مبدأ ولاية الفقيه الذي يمزج بين المرجعية الدينية وبنية الدولة الحديثة.

في تلك المرحلة رسّخ خامنئي مكانته كصوتٍ وطني جامع وليس مجرد رجل دين محلي. وكانت من محطات صعوده الحاسمة بناءُ علاقته المبكرة بالحرس الثوري الإيراني. فقد كان من أوائل الداعمين لإنشاء الحرس، ورأى في تلك القوة الثورية الوليدة درعًا يحمي النظام الجديد من أعدائه في الداخل والخارج. شكّل هذا التحالف المبكر مع الحرس الثوري ركيزةً أساسية لمسيرته اللاحقة، إذ سيصبح الحرس عمود خيمته في السلطة.

ما كاد النظام الإسلامي يستقر نسبيًا حتى اندلعت الحرب العراقية–الإيرانية في سبتمبر/أيلول 1980، حين اجتاحت قوات صدام حسين أجزاءً واسعة من الأراضي الإيرانية. كانت حربًا ضروسًا استمرت ثماني سنوات، وشكّلت اختبارًا قاسيًا للجمهورية الإسلامية الفتية ولقادة الثورة الجدد أمثال علي خامنئي. لم يكن خامنئي بعيدًا عن ساحات القتال؛ فقد زار جبهات الحرب مراتٍ عديدة، والتقى المقاتلين، وسعى إلى رفع معنوياتهم بخطبه. صوره آنذاك بالعمامة السوداء والزيّ البسيط وهو بين الجنود المتطوعين (البسيج) ومقاتلي الحرس الثوري تحولت إلى دعايةٍ تظهر تلاحم القيادة مع الشعب. إلى جانب ذلك شارك فعليًا في صناعة القرار الحربي: نسّق مع قيادات الجيش والحرس، وشارك في المجلس الأعلى للدفاع، وساهم في تعبئة الجماهير خلف مجهود الحرب الطويل.

في يونيو/حزيران 1981، تعرّض خامنئي لمحاولة اغتيال كادت تودي بحياته حين انفجرت قنبلة في جهاز تسجيل وُضع أمامه أثناء إلقائه خطابًا في مسجد أبي ذر جنوب طهران. يتذكر من شهدوا الحادث وميضًا مفاجئًا اعقبه دخانٌ وسقوط خامنئي مضرّجًا بدمائه التي أغرقت عنقه وصدره، وقد تمزقت ذراعه اليمنى. نجح الأطباء في إنقاذ حياته بأعجوبة. وبعد أقل من 24 ساعة على ذلك الهجوم، نفّذت منظمة مجاهدي خلق (المعارضة) تفجيرًا ضخمًا استهدف مقرّ قيادة الحزب الجمهوري الإسلامي في طهران خلال اجتماعٍ لقياداته، ما أسفر عن مقتل 73 مسؤولًا بينهم آية الله محمد بهشتي الذي كان يُعد الرجل الثاني في الثورة بعد الخميني. ولعل محاولة الاغتيال الفاشلة الأولى هي التي أنقذت حياة خامنئي والذي لربما كان قد قضى في انفجار اليوم التالي.

"خرج خامنئي من المستشفى ناجيًا بين ضحايا كثر، ليُنظر إليه كبطل قومي كُتب له عمرٌ جديد من أجل الثورة".

كانت تلك الأيام نقطة تحوّلٍ مفصلية في مسيرة الثورة ومسيرة خامنئي معًا. خرج خامنئي من المستشفى ناجيًا بين ضحايا كثر، ليُنظر إليه كبطل قومي "كُتب له عمرٌ جديد من أجل الثورة". سُرعان ما انتشرت صوره بيدٍ معلّقة بضماد وهو يتوعد بمواصلة الطريق رغم الجراح. وعندما عاد إلى ممارسة عمله بدا أكثر صرامةً وتشددًا، وكأنما أقنعته نجاته بأن قدرًا إلهيًا قد أوكل إليه مهمة إتمام الدور التاريخي للثورة. وكما يحدث كثيرًا للقادة الذين ينجون من الاغتيال، مال مزاجه السياسي لاحقًا إلى مزيد من الحزم وربما التشدد في مواجهة الخصوم.

حجة الإسلام علي خامنئي، رئيس إيران وقتها، يظهر مرتديًا الزيّ العسكري في أكتوبر/تشرين الأول 1981. (أسوشيتد برس)

استمرت الحرب مع العراق لتصبح أطول حرب تقليدية في القرن العشرين، وتحولت إلى "جامعة" حقيقية تعلّم فيها قادة إيران الجدد – وعلى رأسهم خامنئي – دروس البقاء والقيادة تحت الضغط. رأى خامنئي كيف توحّد الشعب الإيراني رغم الفقر والمعاناة في وجه عدو خارجي، وكيف يمكن توظيف العقيدة الدينية والشعارات الثورية كطاقة تعبئة جبّارة. ستبقى تلك الدروس حاضرةً بقوة في ذهنه خلال مسيرته السياسية اللاحقة.

في أغسطس/آب 1981، اغتال مسلحون رئيس الجمهورية محمد علي رجائي ورئيس وزرائه محمد جواد باهنر بعد أشهر قليلة من انتخابهما، ففُتح باب الترشح لرئاسة الجمهورية. لم يكن خامنئي حينها المرشح الأوفر حظًا، لكنه حظي بدعمٍ قوي من قيادات الحرس الثوري والتيار المحافظ المقرّب من الخميني. جرت الانتخابات في أكتوبر/تشرين الأول 1981 وفاز خامنئي ليصبح ثالث رئيس للجمهورية الإسلامية وأول رجل دين يتولى هذا المنصب.

جاءت رئاسته في ظرف استثنائي مليء بالعواصف والتحديات، فقد كانت الحرب مع العراق في ذروتها، تستنزف الموارد وتنهك الاقتصاد. كذلك احتدمت صراعات داخلية بين أجنحة الثورة المختلفة، وعانت إيران من عزلة خارجية شبه تامة بعد أزمة احتجاز الرهائن في السفارة الأميركية بطهران عام 1979 وما تلاها من عقوبات، وتصاعد التوتر مع الغرب.

في هذا الجو المضطرب، كان على خامنئي أن يثبت أنه أكثر من مجرد خطيبٍ ثوري حماسي. كانت صلاحياته كرئيس محدودة بوجود المرشد الأعلى الخميني فوقه، ومع ذلك فقد راكم خبرةً سياسية وإدارية جعلته عنصرًا لا غنى عنه في منظومة الحكم. حرص على التنسيق الدائم مع الإمام الخميني في القضايا الكبرى وتجنب أي صدام معه، وفي الوقت نفسه عمل على إدارة شؤون الدولة اليومية في ظل ظروف الحرب الصعبة.

علي خامنئي أثناء رئاسته لإيران يحضر حفلًا لتخرج دفعة من ضباط الجيش (وكالات)

اتخذ خامنئي خلال رئاسته مواقف وإجراءات رسمت ملامح أسلوبه القيادي، فلم يستطع إنهاء أزمات الاقتصاد المتفاقمة بسبب الحرب والعقوبات، لكنه سعى لضبط توزيع السلع الأساسية ومنع انهيار منظومة التموين، مما خفف نسبيًا من وطأة الشحّ على المواطنين. وعسكريًا كان قد تبنّى مع الخميني شعار "الحرب حتى النصر" رافضًا أي تسوية مبكرة مع العراق، ووافق على توسيع نطاق العمليات العسكرية سعيًا لقلب موازين الحرب، رغم الكلفة البشرية والاقتصادية الهائلة.

في عام 1985 أُعيد انتخاب خامنئي لولاية رئاسية ثانية (1985–1989)، في مؤشر على ثقة النخبة الثورية به وترسيخ موقعه كأحد أعمدة النظام. وبانتهاء الحرب مع العراق عام 1988، كان علي خامنئي قد انتقل من صفوف المعارضين السجناء في عهد الشاه إلى قمة هرم السلطة التنفيذية في زمن الحرب. أكسبته سنوات الرئاسة في ظرف الحرب خبرةً قيادية استثنائية وجعلته شخصيةً يصعب تجاوزها داخل النظام.

لكن القدر كان يخبئ له دورًا أعظم: ففي 3 يونيو/حزيران 1989 رحل الإمام روح الله الخميني، مؤسس الجمهورية الإسلامية ووليها الفقيه الأول. ومع رحيله واجهت إيران أخطر منعطف منذ الثورة، ووجد خامنئي نفسه أمام "لحظة غير متوقعة" ستضعه على قمة السلطة في إيران.

خلافة الإمام وصناعة المرشد

مثّل رحيل الإمام الخميني زلزالًا سياسيًا هزّ الجمهورية الإسلامية. فهذا النظام الفتيّ بُني على شخصيته الكاريزمية، وغيابه خلّف فراغًا هائلًا وطرح سؤالًا مصيريًا: من سيخلفه مرشدًا للثورة؟ حتى أيام قليلة قبل وفاة الخميني، لم يكن اسم علي خامنئي مطروحًا بقوة لخلافته؛ إذ كانت الأنظار تتجه نحو شخصية أخرى هي آية الله حسين علي منتظري الذي اختير رسميًا في منصب قائم مقام المرشد وكان يعني نائبًا وخليفة له منذ 1985. لكن سلسلة أحداث درامية بنهاية الثمانينيات غيّرت المسار بشكل حاسم وأوصلت خامنئي إلى سدة القيادة.

أولى تلك الأحداث كانت استمرار الحرب مع العراق طوال الثمانينيات. خلال الحرب، تصدّر خامنئي المشهد كرئيسٍ للجمهورية وقائدٍ عام للقوات المسلحة بحكم منصبه (إذ أناط الخميني بالرئيس مهمة القيادة العسكرية). ارتدى البزّة العسكرية وزار الجبهات مرارًا، وظهر في صور تلك الفترة إلى جانب مقاتلي الحرس والبسيج، خطيبًا بينهم وذراعه اليمنى معلّقة بوشاح بسبب إصابتها. تراكمت في وعي الإيرانيين صورة خامنئي كقائدٍ ثوري محاربٍ نجا من الموت في سبيل الثورة، وهي ملامح بطولةٍ صنعت هالةً حوله ستخدمه لاحقًا.

الحدث الثاني كان محاولة اغتياله الفاشلة في يونيو 1981 والتي حوّلته في نظر الكثيرين إلى "شهيد حي". إصابته التي لازمته كدليل على تضحياته وغدر الأعداء أكسبته تعاطفًا شعبيًا واسعًا وعزّزت مكانته بين رجال الثورة. وكما أشرنا، خرج خامنئي من تلك المحنة أشد بأسًا وتصميمًا على اجتثاث أعداء الثورة في الداخل والخارج، وهي سمات قيادة ستلازمه لاحقًا.

صورة رسمية لخامنئي رئيسًا عام 1985 (ويكيميديا)

على الضفة الأخرى، كان المرشح الطبيعي لخلافة الخميني – آية الله منتظري – يبتعد رويدًا رويدًا عن دائرة الرضا. فمنتظري، الذي يُعد أحد أبرز منظّري الثورة وواضعي أسسها الفكرية (خاصة نظرية ولاية الفقيه)، بدأ يرفع صوته منتقدًا ما يراه انحرافات من النظام عن مبادئ العدالة التي نادت بها الثورة. بحلول عام 1988 بلغ الخلاف ذروته بينه وبين قيادة الثورة بسبب حملة الإعدامات الجماعية الشهيرة التي طالت آلاف السجناء السياسيين في صيف ذلك العام عقب انتهاء الحرب مع العراق.

أصدر الخميني حينها فتوى تقضي بإعدام كل سجين "يستمر في عدائه للنظام ولا يعلن توبته"، وشُكِّلت لجنة رباعية لتنفيذ الأمر ضمت نائب المدعي العام حينها إبراهيم رئيسي (الذي سيغدو رئيسًا للبلاد بعد عقود قبل أن يلقى حتفه في حادث سقوط مروحية منتصف 2024). في تسجيل صوتي سُرّب لاحقًا لاجتماع منتظري مع أعضاء اللجنة في منتصف أغسطس/آب 1988، نسمع منتظري يخاطب رئيسي ورفاقه بلهجة غاضبة: "إن أكبر جريمة في تاريخ الجمهورية الإسلامية ترتكبها أيديكم اليوم… سيُديننا التاريخ بسبب هذه المجازر". أزعجت مواقف منتظري الصريحة الإمام الخميني الذي اعتبرها خروجًا عن خط الثورة وتشجيعًا لـ"الليبراليين والمنافقين" في إشارة لمنظمة مجاهدي خلق.

في مارس/آذار 1989، كتب الخميني رسالة تاريخية حاسمة إلى منتظري يعزله فيها من منصب نائب القائد، وجاء في نصها الشهير: "لقد ثبُت لديّ أنك ستسلم البلاد إلى الليبراليين والمنافقين من بعدي… لذا أنت غير مؤهل لخلافتي". خلال ثلاثة أشهر فقط من عزل منتظري رحل الخميني نفسه إلى جوار ربّه، لتجد القيادة الإيرانية نفسها بلا وريث متفَق عليه للمرة الأولى.

انعقد مجلس خبراء القيادة في 4 يونيو/حزيران 1989 في جلسة مغلقة تاريخية للبتّ في خلافة الإمام. أظهر التسجيل المصور لذلك الاجتماع – والذي كُشف لاحقًا – الدور المحوري الذي أداه رئيس الجمهورية آنذاك أكبر هاشمي رفسنجاني في حسم الاختيار. تحدّث رفسنجاني أمام الخبراء ناقلًا عن الخميني تلميحًا في إحدى جلساته الخاصة بأن "علي خامنئي جدير بالقيادة". وبمزيج من الإقناع واستدعاء هيبة إرث الإمام، دعم رفسنجاني ومعسكره هذا الطرح بقوة، حتى توصّل المجلس إلى توافق. في نهاية المداولات، صوّتت الأغلبية لاختيار علي خامنئي مرشدًا أعلى للجمهورية الإسلامية. التقطت الكاميرات ابتسامةً خفيفة ارتسمت على وجهه وهو يستمع إلى النتيجة.

لم يخلُ الأمر من اعتراضات وانتقادات همس بها البعض في قم وطهران. فأعداء خامنئي وحلفاء منتظري رأوا في اختياره "انقلابًا ناعمًا" داخل الثورة. كما أن خامنئي لم يكن حينها قد بلغ درجة مرجع التقليد بالمعنى الفقهي، وهو شرط أساسي نص عليه دستور 1979 لتولي منصب القيادة. لكن سرعان ما جرى تعديل الدستور عبر استفتاء شعبي أُلغي فيه شرط المرجعية العليا، مُفسحًا الطريق أمام قيادته. وهكذا أصبح علي خامنئي الوليّ الفقيه الجديد والمرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية، جامعًا بين يديه صلاحيات مطلقة شملت القيادة العامة للقوات المسلحة بكافة فروعها (جيش الجمهورية والحرس الثوري وقوى الأمن الداخلي)، ورسم التوجهات الكبرى في السياسات الداخلية والخارجية للدولة. كذلك تمتع خامنئي بالإشراف الأعلى على السلطات الثلاث (التنفيذية والتشريعية والقضائية) وتوجيهها عند اللزوم، واعتُبر المرجعية الدينية والسياسية العليا التي يرجع إليها المسؤولون ومؤسسات الدولة لاتخاذ القرار في القضايا المصيرية.

"رأى كثير من كبار العلماء آنذاك أن خامنئي لم يبلغ مرتبة الاجتهاد المطلق التي تؤهله ليكون مرجع تقليدٍ يتبعه الملايين، خاصة أنه كان معروفًا كسياسي ورئيس أكثر منه فقيهًا متعمقًا".

كان انتقال القيادة سريعًا لكنه لم يكن هيّنًا. وجد خامنئي في بداياته نفسه أمام تحديات شرعية وسياسية وأمنية شتى، واضطر لإثبات أنه ليس مجرد "خليفة بالتزكية" حلّ محل الإمام الراحل، بل قائد قادر على إدارة نظامٍ يمرّ بأدق مراحله. ولعل أول هذه التحديات تمثل في مسألة المرجعية الدينية: فقد رأى كثير من كبار العلماء آنذاك أن خامنئي لم يبلغ مرتبة الاجتهاد المطلق التي تؤهله ليكون مرجع تقليدٍ يتبعه الملايين، خاصة أنه كان معروفًا كسياسي ورئيس أكثر منه فقيهًا متعمقًا. احتدم جدل واسع حول مشروعيته الفقهية، وكان من الوارد أن تتحول المسألة إلى أزمة وجودية لقيادته الفتية.

ما أنقذ خامنئي في تلك اللحظة الحرجة كان تحالفه الثلاثي مع كل من هاشمي رفسنجاني (الذي أصبح رئيسًا للجمهورية 1989–1997) ومع الحرس الثوري، إضافة إلى دعم المؤسسة الدينية التقليدية في قم التي فضّلت تجنّب الفوضى. لعب رفسنجاني دور الواجهة السياسية المقنعة داخل مجلس الخبراء وخارجه، بينما وفّر الحرس الثوري القوة الصلبة التي ضمنت استتباب الأمر وعدم خروج الخلاف للشارع. بهذا المزيج من النفوذ السياسي والشرعية الثورية والقوة العسكرية، استقرت القيادة في يد خامنئي.

صورة تجمع بين آية الله علي خامنئي وآية الله أكبر هاشمي رفسنجاني، وهما يجلسان متجاورين في أحد اللقاءات الداخلية إبان السنوات الأولى بعد انتصار الثورة الإسلامية (الموقع الرسمي لخامنئي)

واجه خامنئي الاعتراضات بخطاب مزدوج يُبرّر أحقيته في المنصب على مستوى الشرعية الدينية، وفيها أكّد أنه فقيه مجتهد، وأن هناك من كبار العلماء من شهدوا باجتهاده وأهليته علميًا حتى لو لم يكن قد بلغ مرتبة آية الله العظمى بعد. أما على مستوى الشرعية الثورية، فقد قدّم خامنئي نفسه ابنًا أصيلًا للثورة الإسلامية؛ مناضلًا قديمًا سُجن ونُفي في عهد الشاه، ومقاتلًا في جبهات الحرب، ورئيسًا منتخبًا للجمهورية أثناء أحلك الظروف. وبرأيه، هذه التجربة العملية تجعل منه الأجدر بالقيادة مقارنةً بأي فقيه معزول عن معترك السياسة والنضال.

عرف الإيرانيون علي خامنئي سابقًا كرئيس للجمهورية وقائد عام للقوات المسلحة في زمن الحرب، لكن المنصب الجديد تطلّب صورة مختلفة له كـ"خليفة الإمام". لذلك تحركت ماكينةُ الدولة الإعلامية بسرعة لرسم ملامح علاقة خاصة وحميمة بينه وبين الخميني. أُبرز دوره في كل مراحل الثورة إلى جانب الإمام، ورُويت حكايات – على لسان أحمد الخميني نجل الإمام وآخرين – عن إعجاب الخميني به وتنبّئه له بمستقبل كبير. حتى الفتاوى الدينية صدرت لاحقًا عن بعض مراجع قم العظام تمنحه لقب "آية الله العظمى" دعمًا لمرجعيته.

لكن خامنئي لم يكتفِ بتصوير نفسه كـ"التلميذ الوفي" للإمام الراحل، بل عمل على تمييز شخصيته عن بقية رجالات الثورة الإسلامية. قدّم ذاته في صورة المثقف الإسلامي الموسوعي المطلع على شتى المعارف: يستشهد بأبيات من حافظ الشيرازي وجلال الدين الرومي وعمر الخيّام، ويُسقط في خطبه تلميحات للشعر العربي، ولا يتوانى عن التعليق على الأدب الغربي. في إحدى خطبه أشاد برواية البؤساء لفيكتور هوغو، وفي أخرى رشّح الحرب والسلام لتولستوي بوصفها "ملحمة إنسانية ينبغي أن يقرأها الإيرانيون". هذه الإشارات الثقافية صنعت له صورةً مختلفة عن صورة أستاذه الخميني الزاهد المنقطع للفقه والعرفان؛ فقد أراد خامنئي الظهور كقائد يجمع بين نقد الأدب الفرنسي في جملة ومناقشة مشروع الصواريخ الباليستية في الجملة التالية.

"ظلت صورة خامنئي العامة بقيت متقشفة: سيّدٌ معمّم من سلالة النبي، يعيش في بيت القيادة المتواضع وسط طهران، بعيدًا عن مظاهر البذخ. أراد خامنئي أن يجمع كل الخصال، من فقه الخميني، وهيبة السلطة إلى حكمة الرومي".

مع بداية التسعينيات، بدأ خامنئي باستضافة لقاءات شعرية وأدبية وفنية مع الشباب والمبدعين، كما انه يواظب على إحياء أمسيات شعرية فارسية وعربية -حيث انه يجيد العربية بطلاقة- حتى الآن. حملت هذه اللقاءات رسالة رمزية بأن "القائد هو البوصلة الثقافية للأمة". وقد استطاع عبرها كسب ودّ شريحة من المثقفين الذين ربما رأوا فيه رجل دين منفتح نسبيًا على الفنون والآداب رغم أن صورته العامة بقيت متقشفة: سيّدٌ معمّم من سلالة النبي، يعيش في "بيت القيادة" المتواضع وسط طهران، بعيدًا عن مظاهر البذخ. أراد خامنئي أن يجمع كل الخصال، من فقه الخميني، وهيبة السلطة إلى حكمة الرومي؛ ليظهر في صورة "الخليفة المفكر" الذي يذكّرهم بعلي بن أبي طالب عليه السلام، الإمام العالم الشاعر والحاكم العادل.

مع ذلك، لم تكن صناعة الصورة لوحدها كافية لضمان سلطته. فالخميني استمدّ هيبته لا من مواد الدستور فقط، بل من مكانته الفريدة في قلوب الملايين من أتباعه. لذا عمل خامنئي على ضمان ولاء مفاصل الدولة الرئيسية: مجلس خبراء القيادة، ومجلس صيانة الدستور، والسلطة القضائية، والجيش النظامي، وقوات الحرس الثوري، والأجهزة الأمنية. في الأنظمة الديمقراطية التعددية تُفترض في هذه المؤسسات مهمة رقابة السلطة، لكنها في إيران تحولت في عهد خامنئي إلى أذرع تعزز سلطة المرشد وتنفّذ إرادته. ومع منتصف التسعينيات، بدأ بعض طلبة الحوزات يرفعون لافتات تصفه بـ"آية الله العظمى" إضفاءً للمشروعية الدينية عليه رغم اعتراض المرجعيات التقليدية.

بعد أن أحكم قبضته مرشدًا أعلى، شرع علي خامنئي في مشروعٍ منهجي لإعادة هيكلة النظام بما يضمن بقاء السلطة مركزةً بين يديه. لم يكتفِ باللقب الدستوري، بل نسج شبكةً معقّدة من المؤسسات والمكاتب التي تتحكم بمفاصل الدولة كافة، بحيث لا يخرج قرار استراتيجي واحد عن نطاق إشرافه المباشر. فبصفته القائد العام للقوات المسلحة، بسط سيطرته على الجيش النظامي والحرس الثوري معًا، لكنه منح الحرس امتيازًا خاصًا بوصفه "حارس الثورة". ومع الوقت لم يعد الحرس الثوري مجرد قوة عسكرية، بل تمدد إلى القطاعات الاقتصادية والإعلامية والسياسية، ليصبح الذراع الأقوى لسلطة المرشد.

يتمتع المرشد الأعلى في النظام الإيراني بصلاحيات هائلة (الجزيرة)

عبر مجلس صيانة الدستور (الهيئة الدستورية المكلفة بمراجعة القوانين والبتّ بصلاحيات الترشح للانتخابات)، عزز خامنئي تأثيره في التشريع والتحكّم بالحياة السياسية. فالمجلس أصبح وسيلة لتحديد ملامح الحياة السياسية وضبط القوانين بما يتماشى مع رؤيته. وإلى جانبه، أنشأ خامنئي شبكةً من مكاتب الممثلين له في كل مؤسسة ووزارة وجامعة ومحافظة، بل وحتى في صفوف الحرس والجيش وفي السفارات بالخارج. هكذا ضمن أن يكون صوته حاضرًا في كل مكان، وأن يمر أي قرار مفصلي عبر قنوات مرجعيته وتوجيهاته.

أولى خامنئي أيضًا أهمية خاصة للإعلام والثقافة باعتبارهما ساحتي معركة لا تقلان خطورةً عن السياسة. بسط نفوذه على الإذاعة والتلفزيون الحكوميين (صوت الجمهورية الإسلامية الرسمي)، وفرض قيودًا صارمة على الصحف والمجلات المستقلة، وفي المقابل شجّع إنتاج الأفلام والبرامج والكتب التي تعكس قيم الثورة وتعزز سرديتها. بهذه الطريقة أعاد تشكيل المجال الثقافي والإعلامي ليكون متناغمًا مع توجهات النظام السياسي، فجعل من الثقافة رافدًا من روافد السلطة.

اقتصاديًا، وُضعت موارد متنوعة تحت إشراف مكتبه مباشرةً عبر مؤسسات مثل "هيئة تنفيذ أوامر الإمام" و"مؤسسة المستضعفين" وغيرهما من البُنيَات الثورية. توفّر هذه الكيانات سيولة مالية مستقلة عن الموازنة الرسمية، وتشكل وفرة مالية تحتاجها الأنشطة المرتبطة بمكتب المرشد الأعلى.

خلال العقود الثلاثة الأولى لقيادته، واجه خامنئي تحدياتٍ سياسية داخلية من شخصيات بارزة في الثورة ممن اختلفوا معه في الرؤى. انتهى مصير عدد منهم إلى التهميش أو الإقصاء: رئيس الوزراء الأسبق مير حسين موسوي ورئيس البرلمان الأسبق مهدي كروبي – قادة الحركة الخضراء المعارضة 2009 – وُضعا قيد الإقامة الجبرية منذ 2011 وحتى مارس/آذار 2025. الشيخ منتظري، الذي كان خليفة الخميني المعزول، فُرضت عليه الإقامة الجبرية حتى 2003 بسبب تشكيكه العلني في أهلية خامنئي العلمية والسياسية؛ حتى هاشمي رفسنجاني الذي هندس صعود خامنئي انقلب عليه الزمن، فخسر موقعه كرئيس لمجلس الخبراء ورفضت أهليته للانتخابات الرئاسية عام 2013 ثم وافته المنية 2017. وفي الوقت نفسه، عزز خامنئي موقعه من خلال التعيينات المباشرة، بما في ذلك على المستويات المتوسطة في أجهزة الاستخبارات والحرس الثوري.

مع انتخاب الإصلاحي محمد خاتمي رئيسًا للجمهورية (1997–2005)، ظنّ البعض أن نفوذ المرشد الأعلى ربما ينكمش أو يتوازن تحت ضغط مطالب التغيير. غير أن خامنئي استخدم المؤسسات الخاضعة له لكبح مسار توجهات خاتمي ومنعها من اختراق الخطوط الحمراء للنظام. توسّع دور قوات التعبئة (البسيج)، وهي الجناح الشعبي للحرس، في مواجهة الاحتجاجات والأنشطة المعارضة. وعلى عكس الهالة الروحية التي أحاطت بالإمام الخميني، حرص خامنئي على صوغ صورته كإداري واستراتيجي براغماتي. ففي خطب الجمعة والبيانات العامة (التي جُمعت لاحقًا في كتب ومنشورات)، رسّخ مفاهيم مثل "مجتمع المقاومة" و"محور المقاومة"، وجعل من شخص وليّ الفقيه قطبًا روحيًا وسياسيًا لحركات التحرر الإسلامي عبر الحدود.

"خلال ولاية خامنئي الطويلة، تلاشت الحدود بين رجل الدين ورجل الدولة، وأصبحت عمائم العلماء هي ذاتها قبعات الحُكام".

لم تكن مساعي خامنئي نحو تركيز السلطة بلا مقاومة حتى من داخل الأوساط الدينية الشيعية. فمنذ البداية برزت أصوات رافضة لنهج ولاية الفقيه المطلقة – كما طبّقه الخميني ثم خامنئي – سواء داخل إيران (أبرزها منتظري) أو خارجها (مثل المرجع علي السيستاني في العراق الذي نأى بنفسه عن النموذج الإيراني). على مدى الوقت، استطاع المرشد تقليص نفوذ السلطات الدينية المستقلة: وُضعت الحوزات العلمية تحت إشراف الدولة، وأُخضع نظام جمع الخُمس والزكاة لرقابة صارمة تحدّ من استقلالية المراجع، ومُنح بعض العلماء مناصب شرفية في مجلس الخبراء أو غيره لإشراكهم في المنظومة، بينما همّش آخرون أو فُرضت عليهم إقامة شبه جبرية كما حدث مع آية الله صادق الشيرازي وأمثاله.

الرئيس الإيراني الأسبق محمد خاتمي والقيادي الإصلاحي ميرحسين موسوي (الصحافة الإيرانية)

يُعدّ هذا التحول من أبرز التغييرات في علاقة المؤسسة الدينية بالسلطة السياسية في التاريخ الشيعي الحديث. فطوال قرون، حافظت الحوزات ومرجعياتها على استقلالية نسبية عن الدول المتعاقبة – بل كانت أحيانًا في موقع الندية أو المعارضة للحكام. أما في عهد الجمهورية الإسلامية، لاسيما خلال ولاية خامنئي الطويلة، فقد تلاشت الحدود بين رجل الدين ورجل الدولة، وأصبحت عمائم العلماء هي ذاتها قبعات الحُكام. وهكذا تحوّلت السلطوية من خطر خارجي يهدد المؤسسة الدينية إلى نتاج داخلي لها يفرض رؤيته على المجتمع، مما أضعف بطبيعة الحال مكانة المرجعيات التقليدية التي التزمت الصمت أو جرى إسكاتها.

الحضور الإقليمي ومحور المقاومة

منذ وقت مبكر، سعى علي خامنئي إلى توسيع نطاق عقيدة الجمهورية الإسلامية الأمنية خارج الحدود الإيرانية. كان منطقه واضحًا وبسيطًا: "لحماية الثورة في الداخل، علينا أن نخوض معاركها في الخارج". ومن هنا وُلد مفهوم "محور المقاومة" كأداة استراتيجية وعقيدة عسكرية اعتمدتها إيران لتأمين نفسها عبر خطوط دفاع متقدمة في الإقليم. أخذ فيلق القدس التابع للحرس الثوري زمام هذا الدور، فأصبح يد إيران الطولى في بناء شبكة حلفاء إقليميين وتوجيههم. ففي لبنان، دعم خامنئي تأسيس حزب الله مطلع الثمانينيات، ثم مساندته سياسيًا وعسكريًا حتى صار حزب الله قوةً تحسم قرار الحرب والسلم في لبنان وتوازِن النفوذ الإسرائيلي هناك.

وفي فلسطين ورثت إيران علاقة الدعم لفصائل المقاومة الفلسطينية (حماس والجهاد الإسلامي خصوصًا) منذ التسعينيات، بالتمويل والتسليح والتدريب، لتصبح طهران ظهرًا استراتيجيًا للمقاومة في غزة رغم التباينات المعروفة. وفي العراق، بعد سقوط نظام صدام عام 2003، استغل خامنئي الفراغ فمدّ جسورًا مع الأحزاب الشيعية والفصائل المسلّحة الناشئة، ليصنع منها أوراق نفوذ بيده في أي معادلة حكم مقبلة بالعراق.

وحين اندلعت الثورة السورية عام 2011 ضد نظام بشار الأسد، قرر خامنئي الوقوف مع حليفه القديم مهما كلف الأمر، معتبرًا سقوط دمشق كسرًا لمحور المقاومة. حينها أرسل مستشاريه العسكريين (وعلى رأسهم الجنرال قاسم سليماني) ووحدات من الحرس الثوري، وحشد ميليشيات حليفة من لبنان والعراق وأفغانستان لمنع سقوط النظام السوري. ومع اندلاع الحرب في اليمن عام 2015، انحاز خامنئي إلى جانب حركة أنصار الله (الحوثيين) ورأى في ذلك فرصة لمشاغلة منافسيه الإقليميين وفتح جبهة ضغط جديدة.

كان منطق الإيرانيين إبعاد المعركة عن حدود البلاد عبر شبكة من الحلفاء الأقرب لإسرائيل (الجزيرة)

بهذه التحركات، ربط خامنئي أمن نظامه بمشروع "محور المقاومة" الذي وضع إيران في مواجهة مباشرة – وإن بالوكالة – مع إسرائيل والولايات المتحدة. تحولت السياسة الخارجية الإيرانية بذلك إلى استراتيجية تتجاوز الحدود الوطنية التقليدية.

قدّمت سردية الجمهورية الإسلامية الرسمية هذه التوسعات بوصفها جبهة مقاومة إسلامية ضد الاستكبار والاستعمار. وبالنسبة لجمهور محور المقاومة، فإن مقاتلة إسرائيل ودعم حركات التحرر الفلسطينية واللبنانية والعراقية واليمنية هو امتداد طبيعي لنهج الثورة الخمينية. لكن بمنظار واقعي، مثّلت تلك الجبهات أيضًا حزامًا أمنيًا دام حتى 2025 يجنّب إيران خوض المعركة على أرضها. وقد عبّر خامنئي عن ذلك بصراحة في إحدى جلساته بعد الغزو الأميركي للعراق 2003 قائلًا: "إذا لم نقاتل العدو في بغداد، فعلينا أن نقاتله في كرمانشاه" – في إشارة إلى نقل ساحة الصراع بعيدًا عن الحدود الإيرانية. لذلك حرصت الجمهورية الإسلامية منذ قيامها تبنّت استراتيجية توسيع رقعة المواجهة إلى ما وراء حدودها، عبر التحالف مع جيوش وحركات شعبية تتبنّى خطابًا إسلاميًا ثوريًا.

امتزج الخطاب القومي مع الديني الثوري ليصنع صيغة تعبئة دائمة: كل أرضٍ كربلاء، وكل يومٍ عاشوراء. تحت هذه الراية توحّدت جبهات المقاومة من بغداد إلى بيروت وصنعاء، وأضحت طهران تُقدَّم كعاصمةٍ لثورات المستضعفين، ومرشدها الأعلى كحارسٍ يقظٍ لكرامة الأمة وراعي مستقبلها.

لذا لم يكن مستغربًا أن تسعى إيران خامنئي لتطوير صناعات عسكرية محلية (كالصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة) وأن تصرّ على برنامج نووي يمنحها عنصر ردع ضد أي تهديد خارجي. فقد ربط خامنئي منذ البداية بين الاقتدار العسكري واستقلالية القرار السياسي، معتبرًا أن الأمة المقتدرة عسكريًا هي وحدها القادرة على فرض احترام إرادتها على الساحة الدولية.

ورغم هذه المقاربة الصلبة للسياسة الخارجية، بقي خامنئي خطيبًا بارعًا يجيد استثمار المنابر الدينية والسياسية لبث رسائله. سخّر خطبتي الجمعة والعيد ومناسبات ذكرى الثورة وغيرها لإيصال رسائل مزدوجة للجماهير العريضة والنخب معًا. يمزج أسلوبه بين لغة الدين الثورية ولغة السياسة الواقعية، ويعيد صياغة الأزمات – الداخلية منها والخارجية – كجزء من معركة مستمرة ضد "الفتنة" في الداخل و"الاستكبار" في الخارج.

ملصقات كبيرة تحمل صور الأمين العام الراحل لحزب الله في لبنان السيد حسن نصر الله، وبشار الأسد، والمرشد الأعلى آية الله علي خامنئي، في قرية العين في سهل البقاع اللبناني. (رويترز)

فعندما اندلعت احتجاجات طلابية أو شعبية في الداخل، واجهها بالقوة وسماها "فتنة" بتحريض خارجي. وعندما شددت واشنطن الخناق الاقتصادي عبر العقوبات، ردّ بخطاب "المقاومة الاقتصادية" و"الاعتماد على الذات". وبرغم ميله الطبيعي نحو المحافظين، أجاد خامنئي أحيانًا لعبة التوازن الداخلي: إذ سمح بهوامش إصلاحية محدودة عندما وجد في ذلك خدمةً لاستقرار النظام – كما في عهد خاتمي – لكنه ما لبث أن تدخّل لكبح الإصلاحيين حين تجاوزوا خطوطه الحمراء المرسومة بدقة.

الإصلاح والفتنة

مع انتخاب الإصلاحي محمد خاتمي رئيسًا للجمهورية عام 1997، دخلت إيران منعطفًا جديدًا تميز بتصاعد الآمال بإصلاح سياسي وانفتاح اجتماعي. رفع خاتمي شعارات "المجتمع المدني" و"حوار الحضارات"، ما أثار حماسة الشباب والمثقفين، وبدا للحظة أن الجمهورية الإسلامية على وشك التصالح مع قدر من الحرية الداخلية والانفراج الخارجي. غير أن هذه الموجة الإصلاحية شكلت تهديدًا مباشرًا لخامنئي. فكل توسع في هامش الإعلام أو النشاط السياسي المستقل يعني تقليصًا لتحكم المرشد في مفاصل الدولة التي أعاد هيكلتها بعناية.

في السنوات الأولى لحكم خاتمي، سُمح نسبيًا بهوامش حرية غير معهودة: صدرت صحف جديدة وارتفع سقف النقد في الجامعات والمنتديات، وتراجعت قبضة الشرطة الدينية عن الشارع قليلًا. لكن ذلك لم يدم طويلًا؛ فما إن شعرت دائرة المرشد بأن الخطوط الحمراء تقترب حتى تحركت، فأُغلقت عشرات الصحف الإصلاحية بأوامر قضائية من المحاكم التي يسيطر عليها التيار المحافظ. كذلك تعرّض رموز الإصلاح لمضايقات واعتقالات في حملة عُرفت بـ"سلسلة الاغتيالات" طالت مثقفين وناشطين. وقمعت مظاهرات طلاب جامعة طهران في يوليو/تموز 1999 التي اندلعت احتجاجًا على إغلاق صحيفة إصلاحية، وسقط فيها عدد من القتلى والجَرْحى واعتُقل المئات.

"قدّم خامنئي نفسه بوصفه "حامي الثورة" الرافض لأي إصلاح يُشتَمّ منه تهديد لجوهر النظام الإسلامي".

قدّم خامنئي نفسه آنذاك كـ"حامي الثورة" الرافض لأي إصلاح يُشتَمّ منه تهديد لجوهر النظام الإسلامي. وصف احتجاجات الطلاب 1999 بأنها "فتنة" أثارها أعداء الخارج لإضعاف إيران من الداخل. وبعد أن أعادت قوات الأمن والنظام السيطرة على الشارع، حرص خامنئي على توجيه رسائل مزدوجة: فبينما توعد مثيري الشغب وحذر من مغبة تحدي النظام، أرسل في الوقت ذاته وفود تهدئة للقاء ممثلي الطلاب وامتصاص غضبهم – في تكتيك يجمع بين العصا والجزرة لإخماد الاضطرابات دون تقديم تنازلات جوهرية.

مثّلت تلك الأحداث مؤشرًا مبكرًا على تغير المزاج الشعبي، خصوصًا لدى جيل ما بعد الثورة الذي لم يعايش حقبة الشاه ولا حرب الثماني سنوات. بدأ يظهر جيل أقل تأثرًا بالخطاب الديني وأقل اكتراثًا بهيبة العمامة. أدرك خامنئي أن التحديات لن تقتصر مستقبلًا على "الأعداء الخارجيين" بل ربما تنبعث أيضًا من عمق المجتمع الإيراني نفسه.

في يونيو/حزيران 2009، واجه خامنئي أكبر تحدٍ داخلي منذ توليه القيادة، فيما عُرف لاحقًا بـ"الحركة الخضراء". فبعد إعلان فوز الرئيس المحافظ محمود أحمدي نجاد بولاية ثانية وسط اتهامات واسعة بالتزوير، نزل ملايين المحتجين إلى شوارع طهران وعشرات المدن يهتفون: "أين صوتي؟". رفع أنصار المرشحَين الخاسرين، خاصة مير حسين موسوي، اللون الأخضر شعارًا للاحتجاج، وتوسعت المطالب من إعادة فرز الأصوات إلى الهتاف ضد المرشد نفسه والتشكيك بشرعية النظام برمّته. كان منظر الحشود الهادرة غير مسبوق في عهد خامنئي: مواكب بشرية تغص بها الشوارع لأسابيع، تهتف ضد المرشد علنًا.

رجل الدين الإصلاحي مهدي كروبي (في الوسط) وزعيم المعارضة مير حسين موسوي (يسارًا) جنازة آية الله العظمى حسين علي منتظري في منزل منتظري في مدينة قم في ديسمبر/كانون الأول 2009 (رويترز)

اختار خامنئي مواجهة التحدي دون هوادة. فألقى في 19 يونيو/حزيران 2009 خطابًا بجامعة طهران، أعلن فيه دعمه لحكومة أحمدي نجاد وحذر من استمرار الاحتجاجات، مشيرًا إلى أن المسؤولية عن العنف ستقع على المشاركين. تلى ذلك حملة أمنية واسعة شملت سقوط قتلى وجرحى واعتقالات واسعة، ووضع كبار قادة المعارضة تحت الإقامة الجبرية. وقد أظهرت الحركة الخضراء قدرة الشارع على ممارسة الضغط على النظام، كما أبرزت استعداد القيادة لاستخدام الأدوات المتاحة للحفاظ على سلطتها.

منذ التسعينيات، انقسمت النخبة الحاكمة في إيران إلى تيارين: الإصلاحيين الداعين لانفتاح سياسي واجتماعي نسبي، والمحافظين المدافعين عن صلابة النهج الثوري دينيًا وسياسيًا. حاول خامنئي الظهور بمظهر الحكم بين التيارين لكن الأمر لم يكن سهلًا أبدًا. فعندما تعلّق الأمر بجوهر سلطة ولاية الفقيه أو أمن النظام، كان دائمًا ما يميل بشكل ما إلى جانب المحافظين. سمح أحيانًا بمشاركة إصلاحية مدروسة في الحكم (كما في عهدي خاتمي وحسن روحاني) لامتصاص بعض الغضب الشعبي أو لتحقيق مكاسب خارجية، لكنه لم يتردد في الانقلاب على تلك التجارب متى شعر بأنها تمس ثوابت حكمه. وهكذا بقي الإصلاحيون "شركاء درجة ثانية" ضمن اللعبة السياسية، يتم احتواؤهم حينًا واستبعادهم أو حتى اعتقالهم أحيانًا إذا تجاوزوا السقف المرسوم لهم.

في المقابل، تعاظم نفوذ الحرس الثوري في عهد خامنئي بشكل غير مسبوق، ليتحوّل تدريجيًا من قوة عسكرية بحتة إلى قوة كبيرة تمتلك أذرعًا سياسية واقتصادية وإعلامية. شجع المرشد هذا الصعود لأنه وفّر له ذراعًا ضاربة وفية، لكنه أيضًا اضطر لموازنة نفوذ الحرس مع بقاء الواجهة المدنية – كرئاسة الجمهورية والبرلمان – حتى لا تتحول الجمهورية الإسلامية إلى حكم عسكري صِرف يحرج النظام داخليًا وخارجيًا. كانت موازنة دقيقة حرص فيها المرشد على إبقاء القرار الاستراتيجي في يد المؤسسات المرتبطة به مباشرة (مكتب المرشد ومجلس الأمن القومي مثلًا) لضبط أي طموحات غير منضبطة.

كثير من حركات المعارضة تم تأطيرها ضمن مفهوم "الفتنة" الذي يستدعي ذاكرة الحرب والتدخل الأجنبي. وبالتالي تسوغ الإجراءات التي تتخذ بحجة حماية الأمن القومي والقيم الدينية من أعداء الداخل والخارج المتربصين. وفي خطاباته، حاول خامنئي لعب دور الأب الحاني الذي يتفهم مشاكل أبنائه لكنه لا يسمح لـ"المغرضين" باستغلالها، ليخلط بذلك بين الشدة واللين تبعًا لظروف اللحظة.

ورغم نجاحه عبر العقود في إخماد موجات المعارضة الشعبية ومنعها من تحقيق غاياتها، لم تختفِ جذوة الاعتراض كليًا من المجتمع الإيراني. فسرعان ما كانت تتقد شرارة احتجاج جديدة مع كل أزمة بنيوية. ومع مرور الزمن، عزّزت هذه التجارب موقعه كرأس للنظام، لكنها أيضًا زادت من حذره وشكوكه تجاه الحركات والمحاولات الإصلاحية.

الحرب مع "الشيطان الأكبر"

منذ الأيام الأولى لتسلمه القيادة، جعل علي خامنئي العداء للولايات المتحدة حجر الزاوية في عقيدته السياسية. بالنسبة له، لم تكن أميركا مجرد خصم عادي في السياسة الدولية، بل هي "الشيطان الأكبر" ورمز الهيمنة العالمية التي يتوجب مقاومتها. آمن خامنئي بأن واشنطن تتبنى مشروعًا مستمرًا لإخضاع إيران وتدمير ثورتها، ولذا تبنّى خطابًا صارمًا ثابتًا: "لا ثقة في أميركا"، "لا تفاوض مع أميركا إلا تكتيكيًا وفي أضيق الحدود". حتى حين انخرطت حكومات في جولات تفاوضية مع الأميركيين ضمن مجموعة 5+1 بشأن البرنامج النووي، ظل المرشد يذكّر بمقولته الشهيرة: "لا يمكن الركون لوعود الأميركيين". شكّل هذا النهج عامل استقطاب داخلي؛ فقد وحّد شريحة واسعة حول راية التحدي للغطرسة الأجنبية، لكنه أيضًا زاد عزلة إيران الدولية وكلفة صراعها المستمر مع واشنطن.

في يوليو/تموز 2015، وبعد مفاوضات ماراثونية شاقة، وُقّع الاتفاق النووي بين إيران والقوى الكبرى بقيادة الولايات المتحدة (خطة العمل الشاملة المشتركة). ورغم أن رئيس الجمهورية آنذاك حسن روحاني ووزير خارجيته محمد جواد ظريف قادا المحادثات ووقّعا الاتفاق، فإن خامنئي كان الحاكم الفعلي لمسار المفاوضات ومخرجاتها. أعطى الضوء الأخضر لإبرام الاتفاق كخطوة اضطرارية لتخفيف عبء العقوبات عن اقتصادٍ منهك، لكنه اشترط سلسلة "خطوط حمراء" التزم بها فريق التفاوض. لم يغيّر خامنئي نبرته حيال الولايات المتحدة قيد أنملة بعد الاتفاق؛ إذ صرّح: "إذا التزموا احترمنا التزامهم، لكننا لا نثق بهم". وبالفعل، حين انسحب الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب من الاتفاق بشكل أحادي في 2018 وأعاد فرض العقوبات، قال خامنئي لمناصريه: "ألم أقل لكم؟ الأميركيون لا عهد لهم ولا أمان".

شهدت علاقة العداء بين إيران وإسرائيل أيضًا فصولًا غير مسبوقة في السنوات الأخيرة من عهد خامنئي.. وتعزز الأمر في اندلاع مواجهة علنية مباشرة سُمّيت إعلاميًا "حرب الاثني عشر يومًا" في يونيو/حزيران 2025. خلال تلك الحرب الخاطفة التي دامت أقل من أسبوعين، شنّت إسرائيل ضربات جوية مكثفة على أهداف استراتيجية داخل إيران لأول مرة منذ الحرب العراقية – شملت مواقع نووية وقواعد عسكرية ومراكز أبحاث – ونجحت في اغتيال عدد من كبار العلماء النوويين والقادة العسكريين. ردّت إيران بإطلاق وابل من الصواريخ الباليستية المتطورة والطائرات المسيّرة باتجاه قواعد إسرائيلية وأهداف حساسة، وكشفت عن قدرات غير معلنة سابقًا في الحرب الإلكترونية والبحرية.

فرق الطوارئ في موقع سقوط صاروخ إيراني في حي رامات أفيف في تل أبيب في يونيو/حزيران 2025 (غيتي إيميجز)

أظهرت تلك الحرب المحدودة ملامح الوجه القيادي لعلي خامنئي في الأزمات: صلابة في الموقف، وإصرار على مبدأ "الدفاع المبكر عن الثورة". فمنذ تسلمه السلطة وهو يردد ضرورة "قتال العدو قبل أن يصل أبواب دارك". أكد خامنئي مرارًا أن المواجهة الخارجية – مهما كانت كلفتها – تهدف إلى حماية العمق الإيراني، وأن أي تهديد خارجي لسيادة البلاد يجب أن يُقابل بردٍّ حازم وفوري. ووجد في أزمة 2025 فرصة ليعزّز الخطاب الوطني والديني في آن: خاطب الشعب الإيراني أن ما جرى جزءٌ لا يتجزأ من معركة الحفاظ على الاستقلال والسيادة، وربط بين صمود إيران في وجه إسرائيل وأميركا وبين مكانتها كعمود خيمة لمحور المقاومة في المنطقة. وشدّد على أن طهران ستبقى قوة إقليمية مؤثرة وحامية لقضايا الأمة الإسلامية حتى في أحلك الظروف.

"لم يتعامل خامنئي مع البرنامح النووي على أنه مجرد مشروع علمي أو اقتصادي، بل اعتبره رمزًا للكرامة الوطنية وعنوانًا لحق إيران في تقرير مصيرها دون إملاءات خارجية".

وسط هذا التصعيد، برز البرنامج النووي الإيراني كأحد أهم أوراق القوة التي يتمسك بها خامنئي وتتمحور حولها استراتيجياته. لم يتعامل معه يومًا كمجرد مشروع علمي أو اقتصادي، بل اعتبره رمزًا للكرامة الوطنية وعنوانًا لحق إيران في تقرير مصيرها دون إملاءات خارجية. منذ كان رئيسًا في الثمانينيات ثم مرشدًا، حرص خامنئي على تطوير البنية التحتية النووية من منطلق سيادي – مؤكّدًا أن امتلاك المعرفة النووية السلمية حق أصيل لإيران لن تتخلى عنه تحت الضغط. ربط بين التقدم النووي واحتياجات الأمن القومي، خاصة مع تهديدات إسرائيل وأميركا المتكررة، ولطالما كرر في خطاباته: "امتلاك الطاقة النووية وتكنولوجيا الصواريخ حق لن نتنازل عنه… إنه حقنا في الدفاع عن أنفسنا".

بإيعاز منه توسع البرنامج ليشمل منشآت تخصيب لليورانيوم واخرى أبحاثًا مدنية (كمحطات الطاقة وتطبيقات طبية)، مع التركيز على بناء قدرات ردع استراتيجية كدورة الوقود النووي الكاملة وتخصيب اليورانيوم محليًا وتطوير صواريخ بعيدة المدى قادرة على حمل رؤوس تقليدية (وفي حسابات خصومه ربما رؤوسًا نووية مستقبلاً).

وفي سردية خامنئي الداخلية، ارتبط البرنامج النووي بفكرة "الأمن الذاتي" للدولة، أي أن تمتلك إيران بيدها أسباب قوتها كي لا تستجدي ضمانات أمنها من أحد. عزّز هذا الخطاب الدعم الشعبي للمشروع رغم ما جرّه من مصاعب، إذ تمكّن المرشد عبر شبكات المساجد والحوزات ووسائل الإعلام الرسمية من تصوير العلماء النوويين كشهداء أبطال، ومن تحويل منشآت كـنطنز وفوردو إلى ما يشبه مقامات وطنية مقدسة.

لكن هذا الإصرار على المضي في المشروع النووي لم يأتِ بلا ثمن باهظ. فمع عودة العقوبات الأميركية المشددة عام 2018 بعد انهيار الاتفاق النووي، انكمش الاقتصاد الإيراني بشكل غير مسبوق: انهارت العملة المحلية تدريجيًا، وارتفع التضخم لمستويات فلكية، وتراجع إنتاج النفط لأدنى مستوياته، وتفاقمت البطالة خاصة بين الشباب المتعلم. وجد النظام الإيراني نفسه مجبرًا على انتهاج سياسة تحمل مزدوج: الصمود أمام الضغوط الخارجية حفاظًا على مكاسب المشروع النووي والصاروخي، ومحاولة احتواء الغضب الداخلي عبر إجراءات إسعافية (كزيادة الدعم النقدي وتهدئة شرطة الأخلاق وتبديل الحكومات). وفي الحالتين، كان خامنئي هو من يدير الدفّة من خلف الستار.

ألينـا دوهان، المقرّرة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بتأثير العقوبات الأحادية، تلقي كلمة خلال مؤتمر صحفي في طهران في مايو/أيار 2022 (وكالة الأنباء الأوروبية)

مع مرور السنوات، ازدادت المخاوف الغربية والإقليمية من البرنامج النووي الإيراني، وتصاعدت معها حدة المواجهة. بلغت تلك المخاوف ذروتها أواخر 2024 ومطلع 2025 عندما أعلنت طهران تشغيل أجهزة طرد متطورة في منشأة فوردو النووية تحت الأرض، رافضةً رقابة مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية. اعتبرت إسرائيل والولايات المتحدة هذا التطور "تهديدًا استراتيجيًا" مباشرًا يستوجب الرد. وهكذا انتقلت المواجهة من حلبة السياسة والاقتصاد الخانقة إلى مستوى الضربات العسكرية المتبادلة – كما شهدناه في حرب 2025 القصيرة.

من جانبه، واجه خامنئي هذا التحدي النووي بموقف ثابت وواضح: "أي هجوم على منشآتنا النووية هو عدوان على سيادتنا الوطنية… وسيُقابل برد عسكري فوري ومدمر". وحرص عبر خطاباته الموجَّهة للداخل الإيراني على تصوير الصراع النووي كجزء من ملحمة "الدفاع المقدس" التي بدأت مع صدام وتتواصل مع أميركا وإسرائيل. جعل هذا النهج إيران في حالة اشتباك مستمر مع القوى الكبرى، وحوّل البرنامج النووي إلى سلاح ذو حدين: أحد وجوهه تعزيز الردع العسكري وحماية السيادة ورفع مكانة إيران كدولة عصية على الإخضاع، ووجهه الآخر زيادة مستوى العداء الدولي وعزل إيران اقتصاديًا وسياسيًا.

داخليًا، لم يكن البرنامج النووي مجرد ملف تقني، بل أصبح محورًا لإعادة تشكيل الاقتصاد والسياسة والدبلوماسية الإيرانية في عهد خامنئي. فقد ربط المرشد بين تطوير الصناعة النووية وتوسيع القدرات العلمية والتكنولوجية وبين استراتيجية "بناء إيران قوية ومستقلة" – إيران قادرة على مواجهة الضغوط والعقوبات والتهديدات دون أن تنحني، إيران حاضرة إقليميًا ودوليًا لا يمكن تجاهلها. وبقدر ما نجح جزئيًا في تحقيق هذا التصور (من حيث صمود النظام وتعاظم نفوذه الإقليمي مقارنة بعقود مضت)، فإنه خلّف أيضًا مجتمعًا أنهكته الأعباء الاقتصادية وجيلًا مختلفًا عن ذلك الذي عرفه بعد الثورة.

الإنسان الزعيم والسؤال المفتوح

عرف عن خامنئي شغفه المبكر بالأدب والشعر الفارسي والعربي. كان الرجل في الكثير من خطبه ومداخلاته يستشهد ببيتٍ من حافظ أو سعدي أو جلال الدين الرومي. أحيانًا كان يكتب بنفسه أبياتًا شعرية ويسمح بنشرها ممهورةً بتوقيعه. هذا الجانب الثقافي يضفي مسحة إنسانية على صورة رجل السياسة الصارم. وبسبب خلفيته الحوزوية العريقة، امتلك خامنئي إلمامًا عميقًا بالتراث الإسلامي – الشيعي والسني على حد سواء – وطالما استحضر شخصياته ورموزه التاريخية في سياق تشبيهاته السياسية باستمرار.

وبعد توليه السلطة واصل تشجيع عادة القراءة والكتابة؛ فقد كان يعقد كل عام لقاءات مع لفيف من الأدباء والشعراء الإيرانيين والعرب، يستمع لقصائدهم ويناقشهم ويحضّهم على إحياء "الفن الإسلامي الملتزم". هذا الاهتمام جعله أقرب إلى صورة "الأديب الراعي" وإن كان منتقدوه اعتبروه محاولة لتلميع صورته ليس إلا.

"كانت حياة خامنئي العائلية شديدة التحفظ والخصوصية؛ نادرًا ما ظهر أبناؤه أو أحفاده علنًا، ونادرًا ما التُقطت صورهم".

تزوّج خامنئي في ستينيات القرن العشرين ابنة عالم دين من مشهد، ورزق بعدة أولاد. عُرفت حياته العائلية بأنها شديدة التحفظ والخصوصية؛ نادرًا ما ظهر أبناؤه أو أحفاده علنًا، ونادرًا ما التُقطت صورهم. لكن قبيل إعلان نبأ مقتله، أعلنت طهران استشهاد ابنته وصهره وحفيدته وزوجة ابنه. يظهر خامنئي بمظهر الأب والجد الحاني حين يلتقيهم في المناسبات الدينية، لكنه حرص على إبقائهم في الظل بعيدًا عن الأضواء الإعلامية، ربما اتقاءً لتكرار ما حلّ بأسرة الشاه قبله حيث أثار بروز أفرادها وغناهم نقمة الإيرانيين. ما عدا ولده مجتبى، الذي يتردد اسمه ضمن المرشحين لخلافة المرشد. ولم يعلق والده حينها على هذه الأنباء، إلا أن مقربين منه يقولون إن المرشد كان يرفض أن يخلفه ابنه. يتناقل الإيرانيون أن خامنئي كان يعيش فعلاً بأسلوب بسيط مقارنة ببعض المسؤولين الآخرين: لا يملك قصورًا فارهة، ولم يُعرف عن أبنائه حياة البذخ، وهو ما يبرزه الإعلام الرسمي كدليل على زهد "سليل بيت النبوة" في مباهج الدنيا.

آية الله خامنئي يؤدي الصلاة عند ضريح الإمام الراحل آية الله روح الله الخميني، إحياءً للذكرى السابعة والأربعين لعودته من المنفى خلال الثورة الإسلامية عام 1979، وذلك في ضاحية قريبة من طهران، إيران، السبت 31 يناير/كانون الثاني 2026. (AP)

توفي خامنئي بعد أن أصبح أطول حكام إيران تعميرًا في السلطة في العصر الحديث. فقد تجاوزت سنوات حكمه سنوات حكم الشاه محمد رضا بهلوي (1941–1979) وسنوات قيادة الإمام الخميني ذاتها (1979–1989). وهذا الامتداد الزمني جعل حقبة خامنئي مرادفةً لجيلٍ كامل من الإيرانيين ولدوا وترعرعوا ولم يعرفوا قائدًا غيره. وبالتالي فإن إرثه – سلبيًا كان أم إيجابيًا – سيظل مطبوعًا في ذاكرة المجتمع لعقود مقبلة.

ومهما يكن من أمر هذا السجال حول الرجل، فإن السؤال الأكبر الذي يلوح في أفق إيران اليوم هو: من سيخلف علي خامنئي؟ لقد بُني النظام على مبدأ "ولاية الفقيه"، لكن لا أحد من الشخصيات الحالية يمتلك الكاريزما التاريخية ولا الشبكات المعقدة التي نسجها خامنئي خلال عقود. سيواجه مجلس خبراء القيادة الآن اختبارًا شبيهًا بذلك الذي واجهه عام 1989، وربما أصعب في ظل غياب شخصية جامعة. هل سيقع الاختيار على مرشد جديد ضعيف نسبيًا لتوزيع بعض الصلاحيات على مؤسسات أخرى (كمجلس الشورى والحكومة)؟ أم سيُختار جناحٌ عسكري–أمني لفرض أحد المقرّبين من خامنئي (من داخل الحرس الثوري ربما) لضمان استمرار النهج ذاته؟ أم ستستغل بعض القوى فرصة الفراغ لإدخال تعديلات جذرية على هيكل النظام برمته؟

وفي لحظةٍ يصفها ترامب ونتنياهو بأنّها "أكبر فرصة للشعب الإيراني كي يستعيد بلاده"، تبدو صورة إرث علي خامنئي أكثر تعقيدًا بكثير من ثنائية الطاغية أو الإمام المظلوم. فالرجل الذي رسّخ نموذج ولاية الفقيه، وشيّد حوله دولةً متشبّثة باستقلال قرارها السياسي رغم العقوبات والمقاطعة الدولية، هو نفسه الذي قاد مسارًا عارضه كثير من الإيرانيين، وترك وراءه جروحًا مفتوحة في المنطقة والإقليم.

اليوم، يرثي أنصار خامنئي قائدًا يرونه حمى الجمهورية من مصير الشاه، وحوّل إيران إلى قطب إقليمي يحسب له العدو ألف حساب، ووضع فلسطين في قلب عقيدتها الاستراتيجية، فيما يحتفي خصومه وأعداؤه في الداخل والخارج بسقوط من يرون أنه أدخل بلاده في دوامة عقوبات وحروب بالوكالة لا تنتهي.

لكن مع ثبوت خبر مقتله، فعلى الناعين والمبتهجين بغياب المرشد الأعلى لإيران أن يدركوا أن القادم لن يكون مجرّد صفحة جديدة في تاريخ النظام الإيراني، بل امتحانًا قاسيًا لكل سرديات المنطقة، سواء تلك التي حاولت إيران ترسيخها، أو جاهدت لمقاومتها. هل ينجح محور المقاومة في تحويل دم القائد إلى وقود لمعادلة ردع أشدّ، أم تستثمر واشنطن وتل أبيب وحلفاؤهما الفراغ لفرض وقائع سياسية وعسكرية تؤكد هيمنة إسرائيل بلا منازع، وتفكك هذا المحور قطعة قطعة من طهران إلى البحر الأحمر؟

قد يكون الحكم الأصدق على خامنئي، في نهاية المطاف، هو ما ستقوله الأجيال المقبلة التي ستعيش نتائج قراراته وخياراته، بين من سيقرأه كقائدٍ رفع راية المقاومة في وجه نظام عالمي جائر، ومن سيكتبه كوليّ فقيه ترَك خلفه بلدًا معزولًا يتأرجح بين الثورة والدولة.

لقراءة المقال كاملا إضغط هنا للذهاب إلى الموقع الرسمي
الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا