غزة- انفضّ اجتماع مجلس السلام الذي عُقد في العاصمة الأمريكية واشنطن في 19 من الشهر الجاري، ولا يزال الفلسطينيون ينتظرون أن تتحول مخرجاته إلى نتائج ملموسة على الأرض التي تفتقر لأدنى مقومات الحياة.
وفي الوقت الذي استعد فيه المجتمعون لدفع 17 مليار دولار ضمن خطة إعادة إعمار قطاع غزة، والإعلان عن بدء تأهيل قوة شرطية جديدة، فإنهم لم يتطرقوا إلى الكثير من الملفات العالقة التي تنعكس مباشرة على أحوال السكان.
ويجمع محللون سياسيون على أن أعضاء مجلس السلام أولوا اهتماما كبيرا لنزع سلاح المقاومة، وتجاوزوا الحديث عن الخطوات الإسرائيلية المطلوب تقديمها بناء على خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب لوقف الحرب.
ويرى الكاتب والمحلل السياسي ثابت العمور، أن فلسطين كانت الحاضر الغائب في اجتماع مجلس السلام، إذ إن أصل الاجتماع يتعلق بفلسطين لكنْ غابت أي إشارة إليها، واقتصر حضورها على رئيس اللجنة الوطنية لإدارة القطاع.
وأوضح العمور، في حديث خاص بالجزيرة نت، أن الخطوة التالية التي ينتظرها سكان القطاع من مجلس السلام تتمثل في:
وأشار إلى أن مجلس السلام تم تشكيله بموجب قرار مجلس الأمن رقم (2803) بهدف متابعة اتفاق وقف إطلاق النار، لكنه أضفى شرعية على جرائم الاحتلال إذ لا يُعقل أن تكون إسرائيل التي ارتكبت جرائم إبادة جماعية عضوا فيه.
ولخّص العمور ما ينتظره سكان غزة من المجلس الذي يترأسه دونالد ترمب في أمرين، أولهما وقف الإبادة بالمفهوم الشامل وليس المتعلق بوقف إطلاق النار فقط، وذلك بوضع حد للتجويع والحصار ومنع السفر واحتلال أكثر من نصف غزة وحشر سكانها داخل الخيام.
والثاني الاعتراف بأن فلسطين قضية احتلال و تقرير مصير وليست محصورة بالمساعدات الإنسانية فقط، ومن حق الشعب الفلسطيني بعد كل ما تعرض له أن ينال استقلاله ودولته.
من ناحيته، يرى المحلل السياسي الفلسطيني إياد القرا، أن قرارات مجلس السلام لم تعالج الملفات الرئيسية، ولم تتطرق إلا لملفي توفير جزء من التمويل المخصص لتدشين مشروعات في غزة، وإعادة تشكيل جهاز شرطة يتبع اللجنة الوطنية لإدارة القطاع، مما يثير تساؤلات حول كيفية التعاطي مع الملف الأمني في ظل وجود آلاف العناصر الذين لا يزالون على رأس عملهم.
وشدد القرا في حديث للجزيرة نت، على أن هناك ملفات كثيرة كان يُفترض أن يعالجها مجلس السلام تتعلق بالانتهاكات الإسرائيلية المتواصلة في قطاع غزة، وكيف يتم إهانة المسافرين عبر معبر رفح.
ووفقا لتقرير رسمي يرصد الانتهاكات الإسرائيلية في قطاع غزة منذ بدء اتفاق وقف إطلاق النار في 10 أكتوبر/تشرين الأول 2025، وحتى نهاية يوم السبت الماضي، فإن الاحتلال الإسرائيلي ارتكب 1808 انتهاكات ما بين قصف ونسف وإطلاق نار وتوغل أسفرت عن استشهاد 641 فلسطينيا، وإصابة 1643 آخرين.
وفي ملف المساعدات، يشير التقرير الذي حصلت الجزيرة نت على نسخة منه إلى أن قوات الاحتلال سمحت بدخول ما متوسطه 259 شاحنة يوميا من أصل 600 متفق عليها، حيث بلغت نسبة الشاحنات الواردة خلال الفترة التي تبعت وقف إطلاق النار 43% فقط، من مجمل ما يُفترض وصوله إلى القطاع.
وفيما يتعلق بعمل معبر رفح، بلغ عدد المسافرين منذ إعادة تشغيله في الثاني من فبراير/شباط حتى يوم السبت الماضي 1371 مسافرا ذهابا وإيابا، من أصل 3700 مسافر يُفترض سفرهم أي بنسبة التزام 40.3% فقط.
ويرى الكاتب القرا أن انعقاد مجلس السلام يكشف محاولة تغييب الهوية الفلسطينية بشكل كامل، بما في ذلك عن اللجنة الوطنية التي شُكلت بناء على خطة الرئيس ترمب.
ولفت إلى أن المجلس لم يفصح في اجتماعه الأول عن موعد انسحاب الجيش الإسرائيلي من الخط الأصفر الذي كان يُفترض أن يتزامن مع دخول المرحلة الثانية حيز التنفيذ، كما لم يشر إلى مواعيد وآليات نشر القوة الدولية المتعلقة بحفظ السلام.
وقال القرا إن هذه الملفات لا تزال مفتوحة ويحتاج الفلسطينيون إجابات واضحة بشأنها وكيف سيتم معالجتها.
ونوه إلى أن هناك حالة من الإحباط من عدم اتخاذ مجلس السلام والمجلس التنفيذي التابع له خطوات عملية تخفف من الواقع المعيشي الصعب في غزة، كما لم تبدأ اللجنة الإدارية مهامها في القطاع بعد أكثر من شهر على تشكيلها، وذلك بالتزامن مع استمرار الانتهاكات الإسرائيلية وقتل الفلسطينيين بشكل يومي.
ويعتقد القرا أن الفلسطينيين أمام أيام تمثل اختبارا حقيقيا لتنفيذ ما تم الإعلان عنه خلال انعقاد مجلس السلام من نشر "قوة الاستقرار" وإعادة الإعمار، حتى وإن كان تم ربط ذلك بملف نزع السلاح والتركيز عليه مع تجاهل ما هو مطلوب لتسهيل حياة الفلسطينيين في القطاع، بناء على ما نصّت عليه خطة الرئيس ترمب لإنهاء الحرب على غزة والمكونة من 20 بندا.
من جانبه يذهب المحلل السياسي وسام عفيفة إلى أن المعطيات تشير إلى انتقال إدارة الصراع في غزة من العمل العسكري المباشر إلى نموذج "الحرب الهجينة" المستندة إلى الإعمار والشرعية الأمنية الدولية، حيث يجري توظيف التمويل وإعادة الإعمار والقوة الدولية والشرطة الانتقالية كأدوات ضغط لإعادة تشكيل الحكم والأمن، وجعل نزع السلاح شرطا أساسيا لاستئناف الحياة الطبيعية في غزة.
ويعتقد عفيفة خلال حديثه للجزيرة نت، أن تكرار المطالبة بنزع سلاح المقاومة خلال الاجتماع الأول لمجلس السلام، يكشف المعادلة الجديدة التي يريدها العالم: "إعمار وغذاء مقابل أمن، وسلاح مقابل استقرار".
ويرى أن الحديث عن قوة استقرار دولية قد يصل عددها إلى 20 ألف جندي، وشرطة انتقالية قوامها 12 ألف عنصر، يبدو هامشيا أمام أدوات إعادة تشكيل الحكم والأمن بعيدا عن إرادة الفلسطينيين.
ومع تأكيده على أن الكثير من المطالب المعيشية لسكان قطاع غزة لم يتم تلبيتها، وبقيت مرهونة بتحقيق مطالب نزع سلاح المقاومة، يطرح عفيفة 3 مسارات أمام المقاومة للتعامل مع الإصرار الإسرائيلي الأمريكي على تسليم سلاحها، وهي:
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة