آخر الأخبار

تسعة رؤساء في عقد.. بيرو في دوامة فوضى سياسية

شارك

"تغيير متواصل يخلق حالة من عدم الاستقرار"، هكذا وصف مواطن بيروفي الوضع السياسي في بلاده، التي لا تزال تبحث عن "قائد حقيقي". فخلال عقد واحد، تداول على كرسي الرئاسة في بيرو 9 رؤساء، مما أثار قلقا وامتعاضا شعبيا واسعا.

وبعد فراغ في السلطة استمر لأكثر من 24 ساعة، هو الأول من نوعه في تاريخ بيرو، انتخب الكونغرس البيروفي، في وقت متأخر من مساء أمس الأربعاء، النائب خوسيه ماريا بالكازار رئيسا مؤقتا جديدا للبلاد، ليحل محل الرئيس المؤقت السابق خوسيه خيري المُقال قبل يوم واحد بسبب مزاعم بالفساد بعد 4 أشهر فقط من توليه منصبه.

وأدى بالكازار، وهو قاضٍ متقاعد يتمتع بنحو 30 عاما من الخبرة في الجهاز القضائي، اليمين الدستورية بعد وقت قصير من التصويت.

مصدر الصورة جانب من جلسة البرلمان أمس (الفرنسية)

إلا أن فترة رئاسة بالكازار لن تكون طويلة، ففي غضون 53 يوما فقط، وتحديدا في 12 أبريل/نيسان المقبل، سيتوجه البيروفيون إلى صناديق الاقتراع لاختيار رئيس جديد. وإذا لم يحصل أي مرشح على أكثر من 50% من الأصوات، فستُجرى جولة إعادة في يونيو/حزيران.

وعادة ما يُنصّب الرؤساء المنتخبون في يوم الاستقلال أواخر يوليو/تموز، وهو ما سيشكّل نهاية فترة بالكازار فعليا.

وتُعدّ فترة ولاية بالكازار القصيرة أحدث مؤشر على الاضطرابات التي تشهدها الحكومة في بيرو، فبين الرؤساء الثمانية السابقين، أُقيل 4 عبر المساءلة البرلمانية، واستقال اثنان قبل نهاية ولايتيهما. وكان آخر رئيس أكمل ولايته كاملة هو أولانتا أومالا، الذي انتهت رئاسته في يوليو/تموز 2016.

ولفهم هذا المشهد السياسي المتغير، ومختلف أطرافه الفاعلة، يبدو من المجدي تفكيك أسبابه وسياقاته، عبر المحاور التالية:

مصدر الصورة مظاهرة ضد الرئيس المؤقت المُقال خوسيه خيري أمام مبنى الكونغرس البيروفي في ليما قبل يومين (الأوروبية)

اضطراب سياسي مزمن

اتسم العقد الماضي في بيرو بعدم استقرار سياسي مزمن ناجم إلى حد كبير عن حقيقة أن القادة المخلوعين أو المستقيلين لم يتمتعوا بأغلبية تشريعية، مما جعلهم عرضة لضغوط المشرعين الذين فسروا بشكل واسع مادة دستورية لإقالة الرؤساء بسبب "عدم الأهلية الأخلاقية".

إعلان

ولا يخفي المواطنون في بيرو خشيتهم من حالة عدم الاستقرار هذه، وتقول باولا خيمينيز، وهي بائعة في الـ22 من العمر تعيش في العاصمة ليما، إن هذه الأزمة "ثانوية" مقارنة بانعدام الأمن في البلد، متهمة البرلمان بالتركيز على النزاعات الداخلية بدل الاهتمام بشؤون المواطنين.

ويقول المراقبون إن الابتزاز والقتل المأجور أصبحا سمة من سمات الحياة اليومية في جميع أنحاء البلاد، حيث تحتجز عصابات مثل "لوس بولبوس" وعصابة "ترين دي أراغوا" الفنزويلية، التي تعمل في جميع أنحاء أمريكا اللاتينية، أشخاصا من جميع فئات المجتمع للحصول على فدية.

مصدر الصورة الرئيس المؤقت المُقال خيري (وسط) يُلوّح بيده بينما يغادر قصر الحكومة في ليما برفقة أعضاء حكومته (الفرنسية)

سبب إقالة خوسيه خيري

وفي أكتوبر/تشرين الأول 2025، كان خوسيه خيري (39 عاما) يشغل منصب رئيس الكونغرس، وكان التالي في خط الخلافة ليحل محل دينا بولوارتي، التي لم يكن لديها نواب للرئيس.

ويطال خيري، وهو ثالث رئيس يُعزل تباعا، تحقيقان: الأول بشبهة التدخل في توظيف 9 نساء في حكومته، والثاني بشبهة ارتكاب جرائم على صلة باستغلال النفوذ بما يضر بالدولة.

ويبدو أن إقالته جاءت على خلفية الكشف عن اجتماعات غير مُعلنة جمعته برجال أعمال صينيين، من بينهم متعاقد مع الدولة.

ونفى الرئيس المؤقت السابق هذه التهم، وقال إنه كان ينسّق فقط لمهرجان بيروفي صيني، ودافع عن نفسه قائلا: "لم أرتكب أي جرم، لدي كل الشرعية الأخلاقية اللازمة لتولي الرئاسة".

وأظهرت مقاطع مصورة دخوله مطعما يملكه رجل الأعمال الصيني تشيهوا يانغ ليلا، دون تسجيل اللقاء رسميا، كما ظهر في متجر تابع للرجل ذاته.

وكان يانغ قد حصل سابقا على امتياز حكومي لإنشاء محطة كهرومائية، وسط تساؤلات بشأن شفافية المشروع. كما قيل إن رجل أعمال صينيا آخر كان حاضرا، وهو قيد الإقامة الجبرية بتهم أنشطة غير قانونية.

وأُطلق على الفضيحة اسم "تشيفاغيت"، نسبة إلى مطبخ "تشيفا" الصيني البيروفي.

ويُشار إلى أن المرشح الأوفر حظا في استطلاعات الرأي عن حزب "رينوفاسيون بوبولار"، رافاييل ألياغا، كان قد دعا إلى استقالة خوسيه خيري، متهما إياه بأنه "المشغل لعشرات المجموعات الصينية" في القصر الرئاسي.

مصدر الصورة بالكازار نجح في حشد ما يكفي من الأصوات (رويترز)

قاضٍ متقاعد على رأس السلطة

ينتمي بالكازار إلى حزب "بيرو ليبري" (بيرو الحرة) اليساري. وُلد في إقليم كاخاماركا شمال البلاد قرب الحدود مع الإكوادور، ودرس القانون قبل أن يصبح أستاذا جامعيا وقاضيا.

لكن مسيرته القضائية لم تخلُ من الجدل، ففي عام 2004، وأثناء عضويته المؤقتة في المحكمة العليا، حاول إلغاء حكم نهائي، مما عرّضه لإجراءات تأديبية، وقرّر المجلس الوطني للعدالة عدم تجديد عضويته في المحكمة.

ومنذ 2021 يشغل عضوية الكونغرس، وقد انفصل لفترة وجيزة عن حزب "بيرو ليبري" لينضم إلى حزب "بيرو بيسنتيناريو".

وكغيره من الرؤساء البيروفيين في السنوات الأخيرة، لاحقته شبهات فساد، فقد أثار دفاعه عن زواج القاصرات جدلا عام 2023 خلال مناقشة قانون لحظره، كما خضع لتحقيقات بشأن اختلاس أموال من نقابة محامي لامبايكي، وارتبط اسمه بفضيحة رشوة تتعلق بالمدعية العامة السابقة باتريسيا بينافيديس.

إعلان

ومع ذلك، نجحت ترشيحاته في حشد ما يكفي من الأصوات في كونغرس منقسم.

وسيواجه خليفة بالكازار تصاعدا في جرائم القتل والابتزاز التي لا تزال تفتك بأصحاب الأعمال الصغيرة والطبقة العاملة، وتطالب قوى سياسية مختلفة بضمانات قوية لإجراء انتخابات شفافة.

مصدر الصورة متظاهرون يرفعون لافتات احتجاجا على الرئيس المؤقت المُقال خوسيه خيري أمام الكونغرس في ليما (الأوروبية)

فساد وابتزاز وعصابات متنامية

خلال الأشهر الأخيرة شهدت بيرو عدة مظاهرات احتجاجا على تنامي ابتزاز العصابات وعمليات القتل التي ترعاها الجريمة المنظمة.

وكما هو الحال مع الحكومة، يُنظر إلى الكونغرس -الذي يهيمن عليه المحافظون- بشكل سيئ للغاية، إذ يُعتبر مؤسسة فاسدة بحسب استطلاعات للرأي المحلي.

وفي انتظار الانتخابات الرئاسية والبرلمانية التي ستُجرى بعد نحو شهرين، سيكون على الرئيس المؤقت بالكازار الاستجابة لمطالب القوى السياسية المختلفة بتوفير ضمانات قوية لإجراء انتخابات شفافة.

وفي حديثه للصحفيين، قال بالكازار إنه سيضمن أن تكون الانتخابات المقبلة "غير قابلة للتشكيك"، وأن السياسات الاقتصادية الكلية ستبقى دون تغيير، إلى جانب استمرار السياسة النقدية الرشيدة "حتى يتمكن الفاعلون الاقتصاديون من العمل دون قلق".

كما أكد سعيه إلى إعادة تركيز الجهود لمكافحة الجريمة المنظمة، إلا أن هذا الأمر قد لا يكون قابلا للتطبيق خلال فترة رئاسته الوجيزة.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا