لم تعد السياسة الأمريكية، على ما يبدو، محكومة بالضرورة بمفهوم إسقاط السلطة القائمة في البلد المعادي، وفق تعريفها، بالقوة العسكرية المباشرة، أو انهيار بنى الدولة بفعل الضغط المتواصل. فالتجارب القريبة تبيِّن أنها تحولت، أو تتحول تدريجيًّا نحو سياسة إدارة الأنظمة لا تبديلها، وإعادة تركيبها لا إسقاطها، وذلك بتعديل سلوكها السياسي بدل تفكيكها. فالتفكيك مكلف وغير مجد في الغالب الأعم.
يعكس هذا السلوك الجديد تحولًا من ممارسة السياسة مغلَّفة بشعارات ومفاهيم ليبرالية، مثل دعم التحولات الديمقراطية والإدماج في اقتصاد السوق إلى كشف خبايا المصالح كما هي، وتقديم الاستقرار والقدرة على إدارة الأزمات والتكيف مع المخاطر على مشاريع إعادة هندسة السلط وفقًا لمعيارية توظف شعارات ليبرالية دون إمكانات تحقيقها على أرض الواقع.
تُظهر التجربة التاريخية اعتماد الولايات المتحدة الأمريكية سياسة غير عسكرية في البداية، تنتهي بالحل العسكري، وذلك باستخدام أدوات الضغط والدعاية المركزة مثل وصم العدو بـ"محور الشر"، وتوظيف وسائل إعلامية كالإذاعات الموجهة، مع تصميم برامج مقاطعة وحصار مكثفة لخلخلة الأنظمة وتفكيك بناها السلطوية والاجتماعية وإسقاطها من الداخل.
لكن التجربة المعيشة، وتلك القريبة تاريخيًّا، تظهر أن العقوبات الاقتصادية، على قسوتها وشدتها، لا تؤدي إلى إسقاط الأنظمة وإنما تنهك المجتمعات وتعزز قبضة الأنظمة وتعطيها شرعية جديدة باستغلال خطاب العقوبات والحصار والتدخل الأجنبي الجائر. من أبرز الأمثلة على فشل هذه السياسة تجارب العراق وكوبا وكوريا الشمالية.
العراق: فشل ما يزيد على عقد من الزمن من الحصار المشدد في إسقاط نظام صدام حسين، رغم الآثار القوية على الدولة والمجتمع؛ ما اضطر أمريكا وحلفاءها في النهاية لإسقاطه بالقوة والتدخل المباشر.
فقد استمر الحصار على العراق 13 عامًا، بين عامي 1990 و2003، تاريخ الغزو العسكري لإسقاط النظام بالقوة. وقد أدى الحصار إلى تراجع الناتج المحلي بأرقام خيالية وارتفع التضخم فانهارت العملة وانكمش الاقتصاد وتراجعت الخدمات، وأدى ذلك إلى نقص حاد في الغذاء والدواء ولكنه لم يسقط النظام.
بلغة الأرقام، تعطلت 83% من المدارس وتدنَّت نسبة التسجيل فيها إلى 53% لجميع الأعمار ما بين (6-20 عامًا) فقط. وانهارت البنية التحتية، ففي قطاع المياه مثلًا تعطلت معالجة المياه التي تخدم 90% من السكان، وازدادت بذلك، حسب تقارير اليونيسيف، نسبة وفيات الأطفال وتفشي الأمراض.
وتبعثرت الكفاءات العراقية في الخارج، وظهرت طبقات اجتماعية تعتمد على اقتصاد الحرب والحصار، وتحطمت المنظومة القيمية بفعل تلك الآثار
كوبا: فشل الحصار الأمريكي الممتد منذ ستينات القرن الماضي في الإطاحة بالنظام الشيوعي هناك، بل ساعدت تلك السياسة في ترسيخ النظام بمنحه شرعية مواجهة "نظام إمبريالي متسلط"، فكان خطاب السيادة الوطنية والصمود بكل محامله خيرَ سردية سوَّقت النظام وثبَّتته حتى الآن.
بدأ الحصار الأمريكي لكوبا، في فبراير/شباط 1962، ضمن إجراءات سياسية واقتصادية تصاعدت بالتدريج، ووصلت ذروتها في سَنِّ قوانين لتغيير النظام. وقد دشَّن الرئيس جون كيندي تلك الإجراءات بحظر تجاري شامل، كما فرض حظرًا بحريًّا بُعيد أزمة الصواريخ السوفيتية في العام نفسه لمنع وصول أي أسلحة إلى كوبا.
وفي العام 1992، صدر قانون عُرف بقانون توريسيلي، يشدِّد الحظر التجاري بمنع الشركات التابعة لشركات أمريكية في دول أخرى من التعامل مع كوبا.
وجاء قانون هيلمز-بيرتون، عام 1996، ليسمح بمقاضاة شركات تستخدم ممتلكات أمريكية مؤمَّمة في الجزيرة الكوبية، ومنح الكونغرس سلطة تشديد العقوبات وقلَّل من قدرات الرئيس على تخفيفها.
وبالرغم من بعض الإجراءات التي اتخذتها إدارة باراك أوباما لتخفيف العقوبات، عام 2015، فقد ظل الحصار مطبقًا، عدا بعض الرحلات التجارية والسياحية، ليعود الرئيس الأمريكي الحالي، دونالد ترامب، في العام 2026، لفرض عقوبات اقتصادية تستهدف خنق الاقتصاد الكوبي بهدف إسقاط النظام.
كوريا الشمالية: لم تحقق الدعاية والضغط والحصار الذي مارسته الولايات المتحدة على نظام بيونغ يانغ الهدف المنشود. فإسقاط نظام نووي لا يمكن أن يحدث واقعيًّا بهذه الأساليب. على العكس من ذلك، تحول هذا الضغط إلى تحدٍّ حقيقي عبر إنتاج خطاب قائم على المظلومية وعلى ضرورة بناء القوة الرادعة، وهو ما تحقق فعلًا بامتلاك سلاح نووي لا يمكن تجاوزه في منطق القوة المعاصرة.
في حصارها لكوريا الشمالية، اتبعت الولايات المتحدة الأمريكية إستراتيجية ذات أبعاد متعددة تشمل الدبلوماسية والاقتصاد والجيش والأمن. فقد سعت لعزل هذه الدولة عن النظام المالي العالمي بحظر كافة المعاملات بما في ذلك الاستيراد والتصدير.
وقد شملت العقوبات المتعاملين مع اقتصاد بيونغ يانغ، فاستهدفت الأصول المالية للدول والشركات والأشخاص الطبيعيين، بدعوى منع تمويل برامج الأسلحة النووية. وفي المجال العسكري، تنشر أمريكا 28500 جندي على أراضي كوريا الجنوبية، خطَّ دفاع أول، وتُعزِّز ذلك بمظلة نووية.
وعلى الصعيد الدبلوماسي، تمنع واشنطن تبادل التمثيل مع بيونغ يانغ، مع فرض قيود صارمة على سفر الأمريكيين إليها. إلى جانب ذلك، تقود واشنطن تحالفًا إقليميًّا لتوحيد المواقف المعادية لكوريا الشمالية مع اليابان وكوريا الجنوبية.
في سوريا، سلكت الولايات المتحدة نفس السياسة التي تمارسها مع أنظمة "محور الشر"، فحاصرتها، بغضِّ النظر عن الاستدراك الأخلاقي أو الأبعاد القانونية. ومارست الدعاية ضد النظام سنين طويلة، واستخدمت الإعلام، ومختلف المنصات للإضرار به، وتوَّجت ذلك بنظام عقوبات صارم.
إضافة إلى ذلك، طالبت واشنطن برحيل نظام الأسد وعززت مطالب المعارضة بإسقاطه وقدمت لها دعمًا سياسيًّا ودبلوماسيًّا وعسكريًّا. ثم توَّجت منظومة العقوبات بإصدار قانون قيصر، في يونيو/حزيران 2020. يفرض هذا القانون عقوبات واسعة على نظام الأسد وحلفائه الروس والإيرانيين، خاصة في قطاعات الطاقة والبناء والطيران، كما يفرض عقوبات على الأشخاص والشركات المتعاملة مع النظام.
لكن كل ذلك لم يفلح في إسقاط النظام بل إن التحول الفعلي في الحكم والسلوك السياسي لسوريا الجديدة صنعته تفاهمات إقليمية صاغتها أدوار فاعلة، خصوصًا من جانب تركيا، أدَّت إلى إعادة ترتيب موازين القوى ومساحات النفوذ والحكم داخل الدولة.
فنزويلا: تبدو فنزويلا نموذجًا معدلًا لتغيير سلوك النظام بالإكراه بعد اختطاف الرئيس مادورو. وهذا النموذج يعطي انطباعًا بأن واشنطن باتت تتبع نهجًا شبيهًا بالانقلاب العسكري التقليدي، تنفذه هي بيدها لا بيد مؤسسات الدولة، التي يبدو أنها لم تستطع اختراقها بالطريقة التي تُنجح انقلابًا عسكريًّا تقليديًّا.
وكانت أمريكا قد شدَّدت العقوبات على فنزويلا لإسقاط النظام، منذ مارس/آذار 2015، واستهدفت قطاعات الريع النفطي والمعدني، والقطاع المالي للدولة، وفرضت عقوبات على قيادات النظام. فعاشت فنزويلا أزمة إنسانية وانهيارًا اقتصاديًّا قبل إعلان الرئيس ترامب حظرًا شاملًا على ناقلات النفط منها وإليها في حصار بحري مطبق. وسعى بعد ذلك إلى السيطرة على عوائد النفط الفنزويلي بالجملة.
إضافة إلى إسقاط نظام تشافيز بقيادة مادورو، استهدفت واشنطن من تلك العقوبات تحقيق مصالح الشركات النفطية الأمريكية وقطع إمدادات النفط عن الصين وكوبا والحد من النفوذ الروسي.
وقد تُوِّجت هذه التجربة، بعد فشل العقوبات والضغط الإعلامي والدعائي، باقتلاع رأس النظام، والتفاهم مع بقية مؤسسات الدولة، بما في ذلك نائبة الرئيس ومجمل المؤسسة الأمنية والعسكرية والحكومية. وعلى ما يبدو، يسير هذا النموذج، حتى الآن، نحو النجاح، وذلك بتعديل السلوك السياسي وتغييره وتدجينه، دون إسقاط النظام أو تفكيك الدولة.
إيران: امتدت العقوبات على إيران على خمسة عقود، منذ ميلاد الجمهورية الإسلامية عام 1979. وفي العام 1980، قطعت واشنطن علاقاتها مع طهران، ثم تتابعت سلسلة العقوبات لتشمل قطاعات النفط والتبادل التجاري والاستثماري والقطاع المالي والمجالات العسكرية والأمنية.
ورغم النسق التصاعدي للعقوبات، وحجم الضغط والدعاية الهائل، والتهديدات العسكرية الممتدة من 2018، والضربات التي وُجِّهت للبرنامج النووي في 2025، فإن النظام لم يسقط. لذلك، تتجه واشنطن إلى درجة من استخدام القوة تقف عند ما يمكن تسميته بـ"الردع المحسوب والمتبادل" لتحقيق تعديل في السلوك السياسي الإقليمي والعسكري النووي والصاروخي لا لإسقاط الحكم، بعد الفشل في كسر الدولة ذات الأجهزة الأمنية والعسكرية القوية، والقوة التعبوية والعقائدية الحصينة.
يظهر من هذا الاستعراض السريع المرتبط بوقائع حية أن نموذج الدعاية والضغوط والعقوبات الذي اتبعته السياسة الأمريكية على مدار عقود لم ينجح في إسقاط الأنظمة المعنية بل ساعد، عكس المقصد، في تحكمها وألحق الأضرار بالمجتمعات. لذلك، يُتوقع أن تشهد هذه المرحلة تبني نموذج آخر يقوم، فضلًا عن الدعاية والضغط الإعلامي، على السعي لإعادة تركيب السلطة وحرف السلوك السياسي، سواء عن طريق شبكات إقليمية كما حدث في الحالة السورية، أو بتعديل في أساس النظام بقطع رأسه كما حدث في فنزويلا، أو بالمزاوجة بين القوتين، الخشنة والناعمة، لمحاولة تعديل سلوك النظام إقليميًّا وعسكريًّا وأمنيًّا كما يحدث في إيران.
وفقًا لذلك، يمكننا القول: إن السياسة الأمريكية تتجه إلى التحكم في إدارة الأنظمة وتعديل سلوكها لا غزو الدول المباشر وتفكيكها، كما حدث من قبل في العراق وفي أفغانستان.
كأي تصرف سياسي مصلحي في السياسة الأمريكية، هناك توتر دائم بين الواقع أو الواقعية السياسية والطموح في التحكم أو التوجيه لنظام معين، وتلك هي النتيجة المرتجاة من التغيير. وهذا القلق يستحضر دائمًا أن إسقاط الأنظمة لا يعني بناء الدولة، ولا تحقيق أي من الشعارات المعلنة، بغضِّ النظر عن صدقيتها وانسجامها مع القانون الدولي، أو متطلبات المصلحة الأمريكية فعلًا.
كما أن إسقاط الأنظمة، في كثير من التجارب، تترتب عليه فوضى قد تكون تكاليفها أكبر وأعظم من بقاء النظام المعادي لأمريكا.
أكدت حالات إسقاط الأنظمة في أفغانستان والعراق وليبيا، على تباين المطالب وتعدد الأهداف وخلفياتها، أن إسقاط الأنظمة دون وجود بديل قوي ومتماسك وقادر على مواجهة التداعيات، يؤدي إلى تفكك الدولة وتهشم المجتمع، وتآكل الشرعية، دولية كانت أو إقليمية فضلًا عن المحلية. وغالبًا ما يؤدي ذلك إلى استعادة أنماط فوضوية أو سلطوية تضر بمصالح جميع الأطراف وترفع التكلفة قياسًا على بقاء الأنظمة قبلها.
ففي نهاية 2001، ودون قرار من الشرعية الدولية، أسقطت أمريكا نظام حركة طالبان بغزو عسكري. واستهدف الغزو بشكل معلن الرد على هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001 التي نفذتها القاعدة، وطالبت واشنطن كابل بتسليم زعامات التنظيم، على رأسهم أسامة بن لادن، وهو ما رفضته طالبان..
إلى جانب إسقاط النظام، أعلنت واشنطن أهدافًا أخرى لتدخلها في أفغانستان، منها القضاء على تنظيم القاعدة وتفكيك الملاذات الآمنة للإرهاب وإقامة نظام ديمقراطي. ولكن لا شيء من ذلك تحقق خلال السنوات التي أعقبت الغزو. وبعد عقدين من الاحتلال المباشر وتنصيب حكومة على المقاس الأمريكي في كابل، اضطرت واشنطن للانسحاب من أفغانستان، وسعت للتفاهم مع طالبان لتعديل مواقفها من واشنطن بدل المواجهة التي فشلت في تحقيق أهدافها.
وفي 2003، غزت أمريكا العراق، دون تفويض أممي، لإسقاط نظام صدام حسين. جاء الغزو المباشر بعد أن حاولت واشنطن، منذ 1991، تغيير النظام بأدوات الحصار والخنق الاقتصادي والعمليات الاستخبارية.
وكانت الأهداف المعلنة للغزو تتمثل في إسقاط النظام، وبناء ديمقراطية في العراق والمنطقة، مع تدمير أسلحة الدمار الشامل التي تبين أنها غير موجودة أصلًا، وكذلك إنهاء التعاون بين النظام والقاعدة، وهو ما ثبت لاحقًا عدم وجوده أصلًا.
خلال سنوات الاحتلال، وقبل إنهاء أمريكا رسميًّا وجودها في العراق، عام 2011، اندلعت حرب أهلية طائفية ماحقة، وظهر نظام محاصصة طائفي على غرار النموذج اللبناني، لم يستطع تحقيق استقرار ولا بناء نموذج حكم محلي يُستلهم إقليميًّا.
وتحول العراق إلى ساحة تصفيات نفوذ إقليمية ودولية تحت عيني المحتل. وما زالت أمريكا تدير مقدرات العراق، خاصة عوائده النفطية بدعوى حمايتها من الدعاوى الدولية، وتتحكم بذلك في مشاريع إعمار العراق وبرامجه التنموية.
وفي ليبيا، كان الدور الأمريكي في إسقاط النظام حاسمًا، وطوى ملف حكم العقيد معمر القذافي، بضربات جوية تحت غطاء حلف شمال الأطلسي، وتحت عنوان "عملية فجر أوديسا"، وبمشاركة عسكرية فرنسية فاعلة. وانتهزت واشنطن لهذا التدخل قرار مجلس الأمن رقم 1973، الذي لم يَدْعُ لإسقاط النظام وإنما طالب بحماية المدنيين.
وبعد إسقاط النظام، ومقتل القذافي، في 20 أكتوبر/تشرين الأول 2011، دخلت ليبيا حالة شبيهة بالحرب الأهلية، وانقسمت مؤسسات الدولة بين الشرق والغرب. ولاحقًا، اعترف الرئيس الأمريكي الأسبق، باراك أوباما، أن "إسقاط النظام كان أسوأ قرار اتخذه في حكمه لما ترتَّب عليه من فوضى وعدم استقرار ما زالت ليبيا تتخبط فيه إلى اليوم".
في حالات أخرى، نجح التغيير نسبيًّا أو كانت ردة الفعل المجتمعي على الاحتلال وتداعياته أقل حدة. فقد نجحت واشنطن نسبيًّا، ولو إلى حين، في غرس أنظمة تحقق المطامح الأمريكية دون تفكيك الدولة والسقوط في وهدة الفشل التام، كما في الحالات التالية:
يُلاحَظ في هاته الحالة، أن إسقاط النظام لم يسفر عن تفكيك الإقليم أو الدولة التي بقيت قابلة للتشكل، وإعادة البناء وفقًا للمصلحة الأمريكية. وقد اقترن هذا التغيير بمشروع واضح طويل الأمد حظي بشرعية داخلية وقبول دولي وازن.
تفيد التجربة الأمريكية في إسقاط الأنظمة، في حالتي النجاح والفشل، بوجوب توافر شروط صارمة لنجاح تغيير الأنظمة وفق المنظور الأمريكي، وتتلخص هذه الشروط في:
هذه الشروط مستخلصة من التجربة الأمريكية نفسها، ونضيف إليها استعداد الشعوب للقبول بالنموذج الأمريكي تحت لافتة الاحتلال. فقد كان لهذا القبول أثره في إنجاح التجربة في اليابان وألمانيا وبنما وكوسوفا، خلافًا لمواقف الشعوب في أفغانستان والعراق وليبيا، التي رفضت الاحتلال الأمريكي بقطع النظر عن اللافتة التي جاء تحتها. يضاف إلى ذلك، أن الاحتلال لم يستطع تأسيس بديل مقبول شعبيًّا؛ ما جعل تجربته تدخل في فشل كانت أفغانستان نموذجه المجسد.
تتعدد التجارب الأمريكية في إسقاط الأنظمة، ولا تتوقف عند نموذج واحد. وتختلف أشكالها ومساراتها بحسب السياق والمصلحة والقدرة الفعلية على إدارة أوضاع ما بعد التدخل. والملاحظ أن إسقاط الأنظمة بالغزو المباشر بدأ يتغير بطريقة أخرى تبدو أجدى مرحليًّا ولو في حالات محددة.
وبمحاولة استخلاص أهم العوامل الاستدراكية في السلوك الأمريكي المتعلق بإسقاط الأنظمة، نجد أن إعادة تركيب السلطة، كما يجري بشكل صريح في فنزويلا، وضمن تحالف إقليمي، كما يجري في سوريا، يراد منه تعديل السلوك السياسي والتحكم في توجيه الأنظمة، بإدخالها في منظومة تحالفات وتفاهمات تحقق المصالح الأمريكية وتتجنب الفشل، كما حدث في العراق وأفغانستان وليبيا.
من دون إدراك هذا التحول المصلحي الظرفي في العقلية الأمريكية، لن نستطيع استيعاب وفهم ما انتهت إليه السياسة الأمريكية في أفغانستان وسوريا. ولن نفهم لماذا فشلت في إيران وكوبا وكوريا الشمالية.
إنها بوضوح لحظة تدرك فيها أمريكا أن إدارة الأنظمة والتحكم في إعادة توجيهها أنجع وأقل كلفة على جميع المستويات من غزوها وإسقاطها بالطريقة التقليدية.
________________________________
النص الكامل للورقة البحثية
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة