واشنطن- تساءل كثير من الأمريكيين عما إذا كان نشر ملفات التحقيقات التي أجرتها وزارة العدل في قضية جيفري إبستين، رجل أعمال وول ستريت المنتحر، والمدان بالاتجار بالجنس، الذي جمعته علاقات مع أهم وأقوى الشخصيات الأمريكية والعالمية، ينهي القضية التي شغلت الرأي العام لسنوات طويلة.
وقبل الإفراج عن الملفات والوثائق في 30 من يناير/كانون الثاني الماضي، واجهت إدارة الرئيس دونالد ترمب ضغوطا متزايدة من الحزبين، الجمهوري و الديمقراطي، للكشف عن ملفات التحقيقات المتعلقة بإبستين، الذي انتحر عام 2019 أثناء وجوده في السجن في انتظار محاكمته.
ومع أن ترمب تعهّد بالإفراج عن الملفات خلال حملته لإعادة انتخابه، فقد وصف القضية بأنها "خدعة" منذ عودته إلى البيت الأبيض في يناير/كانون الثاني 2025، كما قلّل أو أنكر علاقته مع إبستين، وذلك قبل أن يؤكد أن نشر الملفات قد أثبت براءته من كل ما تعرّض له من شكوك واتهامات.
وأرجعت وزارة العدل تأخّرها في الإفراج عن هذه الوثائق إلى بطء عملية التنقيح اللازمة، وقالت إنها استعانت بما يزيد على 400 محام حكومي، وأكثر من 100 محلل بيانات من مكتب التحقيقات الفدرالي، للتأكد من عدم نشر أي معلومات شخصية أو إظهار أي صورة غير مناسبة.
وقالت الوزارة إن هذه العملية استغرقت وقتا طويلا بسبب كثرة المواد، والطبيعة الفريدة للعديد منها، والحاجة إلى حماية معلومات تتعلق بالضحايا.
وتضمّنت المواد المنشورة مراسلات وصورا وفيديوهات لرؤساء أمريكيين منهم ترمب، وشخصيات بارزة في وول ستريت، وشبكة من كبار أساتذة أهم الجامعات الأمريكية، وعدد من قادة دول العالم من مختلف القارات، وروّاد أعمال من وادي السيليكون، ومسؤولين ديمقراطيين، وجمهوريين، وشخصيات مؤثّرة في حركة "أميركا أولا"، وأفراد من العائلة المالكة البريطانية والنرويجية والخليجية، ورؤساء شركات قانونية، ومخرجي أفلام، ومشاهير كثر.
وفي 19 نوفمبر/تشرين الثاني 2025، وقّع ترمب مشروع "قانون شفافية ملفات إبستين" رقم 4405 الذي مرّره الكونغرس بأغلبية ساحقة، ويلزم القانون وزارة العدل الأمريكية بالإفراج عن السجلات المتعلقة بقضية إبستين خلال 30 يوما من توقيع الرئيس.
وبدأت الوزارة نشر بعض الوثائق ببطء، وأخرجت عدة آلاف منها حتى يوم 30 يناير/كانون الثاني الماضي. وفي هذا اليوم، أتاحت الوزارة أكثر من 3 ملايين صفحة، و2000 فيديو، وقرابة 180 ألف صورة على موقعها الإلكتروني.
ولم يكن للوثائق أن تنشر، ولا للقانون أن يمر ويوقعه ترمب، لولا جهود عضوي مجلس النواب، الديمقراطي رو خانا، والجمهوري توماس ماسي، حيث قدّم العضوان مشروع القرار في منتصف يوليو/تموز الماضي، وأقرّ مجلس النواب مشروع القانون في 18 نوفمبر/تشرين الثاني 2025 بأغلبية 427 صوتا مقابل 1، في حين غاب 5 أعضاء عن التصويت.
وبرّر النائب الجمهوري كلاي هيغينز، صاحب صوت الاعتراض الوحيد، رفض التشريع بقلقه من أن الإفراج الواسع قد يضر بأفراد أبرياء مذكورين في ملفات التحقيق.
كما أقرّ مجلس الشيوخ مشروع القانون في 19 نوفمبر/تشرين الثاني بالإجماع، ولم يعترض أي سيناتور، وهو حدث نادر قلّما يشهده تصويت المجلس، ووقّع ترمب على مشروع القرار ليصبح قانونا في نفس اليوم.
ويطالب قانون شفافية ملفات إبستين بنشر كل السجلات والوثائق والاتصالات والمواد التحقيقية غير المصنفة التي بحوزة وزارة العدل وتتعلق بالتحقيق والملاحقة القضائية لإبستين بما يشمل:
وسمح القانون فقط للوزارة بحجب بعض المعلومات الشخصية للضحايا والمواد التي قد تضر بالتحقيقات الفدرالية الجارية، وأكد أنه يجب على وزارة العدل تقديم تقارير إلى الكونغرس تتضمن:
وذُكر اسم الرئيس ترمب أكثر من 4837 مرة ضمن وثائق إبستين، ورغم ذلك لم تشر أي منها لتورُّطه في أعمال إجرامية، أو مخالفة للآداب.
وفي حديث للجزيرة نت، ذكر الكاتب والمحلل السياسي، العضو بالحزب الجمهوري، بيتر روف، أن "معارضي ترمب سيستمرون في الدفع بقضية إبستين لأنهم يعتقدون أنها تضعفه، تماما كما استمر الجمهوريون في الحديث عن فضيحة وايت ووتر خلال سنوات حكم الرئيس السابق بيل كلينتون. وما لم يجد أحدهم دليلا على سوء سلوك ترمب الشخصي، فإن ما يجري ما هو إلا تشتيت أكثر من أي شيء آخر".
من جانبه، دعا الرئيس ترمب الشعب الأمريكي إلى طي صفحة فضيحة إبستين والاهتمام بالقضايا اليومية التي تهمهم مثل الرعاية الصحية والاقتصاد، وأكد أنه كان ضحية مؤامرة من إبستين وآخرين.
وكرّر أنه بريء رغم محاولات استهدفت تشويهه، وقال للصحفيين في المكتب البيضاوي -أمس الثلاثاء- "أنا بريء تماما. ورغم كل تلك الوثائق التي تضم ملايين الصفحات، فلم يجدوا أي شيء ضدي مطلقا".
كما أشار الخبير روف إلى أن حالة الاستقطاب الحادة التي تعرفها الولايات المتحدة حاليا تدفع "معارضي ترمب ليصبحوا متأكدين للغاية من أنه متهم، وهم لن يُفوّتوا فرصة للإطاحة به بسبب شيء قد يكون قام به بالفعل.. بالطبع، لا أحد يعرف بعد متى قد يكون ذلك وما إذا كان موجودا، لكن الديمقراطيين يواصلون الأمل والدعاء أن يجدوه".
واعتبرت شبكة سي إن إن، أن قضية إبستين قد ألحقت بالفعل أضرارا بالرئيس ترمب طبقا لاستطلاع رأي أجرته كشف أن ثلثي الأمريكيين، بمن فيهم 42% من الجمهوريين، يعتقدون أن إدارة ترمب حاولت ولكنها لم تنجح في إخفاء ملفات إبستين.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة