أنقرة- تعيش منطقة الشرق الأوسط على وقع تصاعد قرع طبول الحرب بين الولايات المتحدة و إيران، مع حشد واشنطن لقواتها وتهديدات متزايدة بتوجيه ضربة عسكرية لطهران، في حين تلوّح إيران برد قاس يستهدف مصالح أمريكية وإقليمية إذا تعرضت لهجوم.
في هذا المناخ المشحون، تتحرك تركيا بجوارها الجغرافي لإيران وعضويتها في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، في محاولة للتهدئة وعرض الوساطة بين الطرفين.
وتجري أنقرة اتصالات دبلوماسية مكثفة، كان أحدثها زيارة مرتقبة لوزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي غدا الجمعة إلى تركيا، تزامنت مع إعلان أنقرة استعدادها للتوسط بين طهران وواشنطن.
ويطرح تحرك تركيا تساؤلات حول قدرة أنقرة على إنجاح دورها كوسيط، ودوافعها الحقيقية وراء هذا التدخل، ومدى قبول واشنطن وطهران به.
لقاء سابق بين وزيري الخارجية التركي هاكان فيدان والإيراني عباس عراقجي (رويترز)
وفق مصادر دبلوماسية تركية، يعتزم وزير الخارجية هاكان فيدان التأكيد لنظيره الإيراني رفض بلاده القاطع لأي تدخل عسكري ضد طهران، محذرا من تداعيات كارثية لمثل هذا الخيار على المستويين الإقليمي والدولي. كما سيعيد فيدان طرح رؤية أنقرة القائمة على الحوار وخفض التصعيد، بما يشمل استئناف المسار التفاوضي حول الملف النووي الإيراني.
وفي تصريحات لوسائل الإعلام، دعا هاكان فيدان الإدارة الأمريكية إلى التخلي عن الخيار العسكري وتغليب منطق التفاوض، محذرا من أن إشعال حرب جديدة في المنطقة سيكون خطأ جسيما.
وأشار فيدان إلى أن طهران أبدت استعدادا للعودة إلى طاولة الحوار بشأن ملفها النووي، شريطة أن تبدي واشنطن مرونة في شروطها. واقترح الوزير التركي نهجا تدريجيا للتعامل مع الخلافات، يبدأ بملف النووي كمدخل لتفاهم أوسع، ما يعكس سعي أنقرة لإيجاد أرضية مشتركة تسمح بكبح التصعيد قبل أن يتحول إلى مواجهة مفتوحة.
في السياق، يرى جهاد إسلام يلماز المنسق العام لمركز الدراسات الأمنية، أن اختزال دوافع تركيا للانخراط في مساع للوساطة بين إيران والولايات المتحدة في إطار "الهواجس الأمنية" وحدها يظل قاصرا. فالبعد الأمني رغم مركزيته، لا يحيط بكامل الصورة، إذ إن تصاعد التوتر بين طهران وواشنطن يخلف تداعيات متشابكة على تركيا، تمتد من أمن الطاقة ومسارات التجارة إلى أمن الحدود ومخاطر عدم الاستقرار الإقليمي.
ويؤكد يلماز للجزيرة نت، أن تحرك أنقرة لا يندرج ضمن رد فعل دفاعي يسعى فقط إلى تجنب الخسائر، بل يعكس تقليدا راسخا في مقاربة الجغرافيا بوصفها مجالا لصناعة النفوذ الدبلوماسي وتوسيع هامش الحركة، لا مجرد مصدر للأزمات. هذا النهج، الذي عرف فترات صعود وتراجع منذ الحرب الباردة، يرتبط بإرادة تركية ثابتة في عدم الاصطفاف المباشر، مع البقاء فاعلا داخل مسار الأحداث.
وبحسب يلماز، فإن قدرة تركيا على التواصل مع طرفين معقدين كإيران والولايات المتحدة، تكرسها نقطة تماس لا غنى عنها في معادلات الإقليم. ويضيف أن لهذا المسعى بعدا إستراتيجيا أوسع في ظل سعي أنقرة خلال السنوات الأخيرة لتكريس حضور يتجاوز الإطار الإقليمي إلى موقع مؤثر في النظام الدولي.
كما يشير يلماز إلى أن هذه المقاربة تساعد أنقرة على موازنة توتراتها الدورية مع الغرب، إذ تتيح لها الحفاظ على موقع القناة الدبلوماسية التي "لا يمكن الاستغناء عنها" بالنسبة لواشنطن، بما يعزز استقلاليتها الإستراتيجية. وفي المقابل، تسعى تركيا في علاقتها مع إيران إلى تجنب صورة الخصم الضاغط أو الشريك البعيد، مفضلة دور الجار المتوازن القادر على التواصل والتدخل عند الحاجة.
من جانبه، يؤكد المحلل السياسي علي أسمر أن الدور التركي في الوساطة بين واشنطن وطهران يظل ممكنا، لكنه محفوف بالتحديات ولا يحمل ضمانات بالنجاح. فأنقرة تحتفظ بميزة نادرة تتمثل في قدرتها على التواصل مع الطرفين دون قطيعة، مستفيدة من علاقة شخصية قوية تربط الرئيس رجب طيب أردوغان بنظيره الأمريكي دونالد ترمب، ومن علاقات براغماتية مع طهران تقوم على المصالح الاقتصادية وإدارة الخلافات الإقليمية.
بيد أن أسمر يرى في حديث للجزيرة نت، أن غياب الثقة العميقة بين الولايات المتحدة وإيران يضع سقفا منخفضا لطموحات أي وسيط، خاصة في ظل وجود حكومة إسرائيلية متطرفة تُعارض بشدة أي انفتاح على طهران.
ويشير إلى أن أدوات أنقرة في التأثير تنبع من موقعها الجغرافي، وتشابكها الاقتصادي مع إيران، ودورها في ملفات إقليمية حساسة كالأزمة السورية والطاقة، لكنّ هذه الأدوات تمنحها قدرة على تيسير الحوار وتخفيف التوتر، لا على فرض تسويات أو حلول نهائية.
ويخلص أسمر إلى أن نجاح الوساطة التركية مشروط برغبة حقيقية لدى واشنطن وطهران في التفاهم، وفي غياب هذه الرغبة، لن يتجاوز الدور التركي حدود التنسيق والتهدئة، ليبقى دورا داعما لا محوريا في مسار الحل.
ويرى المحلل السياسي طه عودة أوغلو أن التحركات التركية الأخيرة، بما في ذلك الاتصال الهاتفي بين وزير الخارجية هاكان فيدان ونظيره الإيراني عباس عراقجي، والزيارة المرتقبة للأخير إلى أنقرة، تأتي في إطار مسعى تركي واضح لإحياء دور الوساطة بين طهران وواشنطن. ويذكر أن تركيا سبق أن لعبت أدوارا ناجحة في وساطات إقليمية، بما في ذلك في الملف النووي الإيراني، إلا أن الظروف اليوم أكثر تعقيدا على المستويين الإقليمي والدولي.
وأوضح أوغلو للجزيرة نت، أن هناك قبولا مبدئيا من الطرفين الإيراني والأمريكي لانخراط تركيا في هذا الدور، وإن كان هذا القبول مشوبا بالحذر، خصوصا من الجانب الأمريكي الذي لا يريد أن تأتي الوساطة على حساب مصالحه الإستراتيجية في المنطقة.
أما طهران، فهي -حسب أوغلو- تنظر إلى أنقرة كطرف غير منخرط كليا في المنظومة الغربية، ولا تطبق العقوبات الأمريكية على إيران، ما يجعلها وسيطا مقبولا نسبيا. ومع ذلك، تبقى لدى الإيرانيين تساؤلات مشروعة حول مدى قدرة تركيا على التأثير في القرار الأمريكي النهائي، خاصة في ظل قوة الموقف الأمريكي وهيمنته على مسار الأزمة.
واعتبر أوغلو أن التحرك التركي الحالي يندرج في إطار جهود للتهدئة وتفادي التصعيد أكثر من كونه محاولة لصياغة تسوية شاملة بين طهران وواشنطن. فأنقرة -كما يقول- تسعى لاحتواء التوتر ومنع انزلاق المنطقة إلى مواجهة واسعة، مدفوعة بمخاوف جدية من تداعيات محتملة لأي عمل عسكري قد يؤدي إلى إسقاط النظام الإيراني، وما قد يحمله ذلك من فوضى أمنية وإنسانية على حدودها.
المصدر:
الجزيرة