آخر الأخبار

“عقيدة ترامب”.. عام من المفاجآت! | الحرة

شارك

في غضون أشهر قليلة، رسم الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، خريطة، مربكة إلى حد ما، لدور الولايات المتحدة في العالم.

لوّح بضم غرينلاند “بالقوة إذا اقتضى الأمر”، ودفع باتجاه اتفاق سياسي لوقف الحرب في غزة، وانخرط في وساطة لإنهاء الحرب في أوكرانيا.

ولم يتردد في توجيه ضربات إلى إيران في يونيو الماضي، أو في اعتقال الرئيس الفنزويلي أوائل يناير، وإخضاعه للمحاكمة.

في الظاهر، تبدو هذه الخطوات انعكاسا لسياسات مختلفة، لهذا يبدو تعامل الولايات المتحدة مع القضايا الدولية حاليا أقرب إلى اللغز، في نظر حلفائها، وخصومها على حد سواء.

فبعد مرور عام على بدء ولايته الثانية، لا يزال الجدل قائما بشأن تحديد ما يسمى بـ”عقيدة ترامب”، التي تصفها وثيقة الأمن القومي بأنها “إضافة ترامبية” إلى عقيدة الرئيس جيمس مونرو (توفي عام 1831)، التي تضع نصف الكرة الغربي في مقدمة الأولويات الأميركية.

في حين يرى مراقبون أنها سياسة صفقات قائمة على مبدأ الربح والخسارة، ويعتبرها آخرون إعادة صياغة هجومية لشعار “أميركا أولا”، أو محاولة لإعادة ترسيم مناطق النفوذ ضمن نهج انعزالي.

ويصل الاختلاف في توصيفات سياسة ترامب الخارجية حد التناقض أحيانا. ويعود ذلك في جزء كبير، إلى الإصرار ربما على فرض منطق “عقيدة” ثابتة على سياسة تتشكل إلى حد كبير داخل دائرة ضيقة، تلعب فيها شخصية الرئيس دورا حاسما، ويصعب في كثير من الأحيان فهم آلياتها، وفقا لخبراء تحدثوا مع “الحرة”.

يقول وليد فارس، الذي عمل مستشارا سياسيا في دوائر جمهورية قريبة من ترامب، أن تقييم هذه المرحلة يحتاج إلى “مقاييس جديدة لم تكن معهودة في الإدارات الأميركية السابقة”.

ولا يجري الحديث هنا، وفقا لفارس، عن إطار نظري فحسب. “قرارات ترامب وتعامله مع أوروبا في قضية غرينلاند التي يريد ضمها إلى الولايات المتحدة، مثلا، وتدخله وسيطا ‘حياديا’ بين روسيا وأوكرانيا لإنهاء الحرب، تؤكد أن المصلحة القومية لا تسير بالضرورة جبنا إلى جنب مع مصالح الحلفاء”.

ويشير عقيل عباس، الباحث في المجلس الأطلسي، إلى أثر شخصية ترامب الذي يصعب التكهن بردود فعله، على سياساته. يقول عباس إن ترامب يتعامل، خصوصا في قضايا الشرق الأوسط، بسياسة تقوم على “اللاتوقع”. لا مسارات طويلة يمكن التنبؤ بها، ولا ثوابت يمكن البناء عليها بثقة.

هذا الطابع المتقلب، الذي يشير إليه عباس” لا يقتصر على التصريحات، وإنما على طريقة صناعة القراركذلك. في ملف إيران هدد ترامب خلال الأيام القليلة الماضية في أكثر من مناسبة، بتوجيه ضربة عسكرية لإيران إذا أقدمت طهران على قتل المحتجين على سوء الأوضاع الاقتصادية. وبدت التهديدات أكثر جدية في بدايتها. وتلقفتها وسائل الإعلام على أنها تمهيد لتدخل عسكري وشيك. ثم خفتت النبرة تدريجيا، وارتفعت بعد ذلك، ثم دخلت في مرحلة رمادية.

حتى الآن ليس هناك جواب حاسم في واشنطن أو في غيرها من العواصم على السؤال: هل ما زال خيار ضرب إيران قائما؟

الطابع المفاجئ في مواقف ترامب، يقول عباس، يمنحه قدرة على فرض رؤاه، كما حصل عندما حوّل وقف إطلاق النار في غزة إلى اتفاق سياسي. وبذلك “تجاوز ترامب قوالب تفاوضية ظلت تحكم المقاربة الأميركية للصراع بين الفلسطينيين والإسرائيليين على مدى عقود، وتمكن من فرض خطته ذات العشرين بندا على طرفي النزاع، وخصوصا على إسرائيل”.

وكسر أيضا القواعد غير المكتوبة داخل واشنطن. لم يعد هناك طرف قادر على احتكار التأثير عليه. لا حلفاء تقليديون، ولا جماعات ضغط معروفة، ولا قنوات ثابتة. ترامب “يتجاوز القوالب والأدوات التقليدية التي قيّدت الرؤساء الأميركيين السابقين، وغالباً ما يفاجئ حلفاءه بخطوات مغايرة لما توقعوه”.

دعم الهجات الإسرائيلية على إيران في حرب الاثني عشر يوما في يونيو، يجادل عباس، وأنهى الحرب في لحظة واحدة.

لكن آرون ديفيد ميلر، الباحث المخضرم في مؤسسة كارنيغي، لا يبدو أنه يميل إلى توصيف تقلبات ترامب بـ”القصدية”. ويرى أن ترامب “يجد نفسه اليوم في موقع يحاول فيه التوفيق بين ردّ فعله المتسرّع على الاحتجاجات” ووعوده بتقديم المساعدة للمحتجين في إيران.

لكنه يتفق على أن ترامب وحده من بين أسلافه تعامل مع إسرائيل بطريقة غير مسبوقة”. لم يكتف بالدعم السياسي، بل دفع رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نيتنياهو إلى قبول خطة سلام أميركية. خطوة من هذا النوع، يقول ميلر، لم تحدث من قبل.

وكان يزال انتقال ترامب من الحديث عن “ريفييرا غزة” إلى تشكيل حكومة تكنوقراط فلسطينية لإدارة القطاع، قد أربك حتى أقرب المراقبين لسياسته في الشرق الأوسط.

لكن بالنسبة لروبرت هاميلتون، العقيد المتقاعد ورئيس شركة Delphi Global، فإن المشكلة لم تعد محصورة في تقلب المواقف، وإنما في المسار الذي يتشكل حولها.

هاميلتون يرى أن ما يميز سياسة ترامب الخارجية عن إدارات سابقة هو “رفض صريح للمؤسسات الدولية”، وتعامل مع القوة لا بوصفها أداة من بين أدوات السياسة، وإنما “العملة الوحيدة التي يُنظر إليها باعتبارها ذات قيمة”.

وتعرف وثيقة الأمن القومي القوة العسكرية والاقتصادية على أنها أدوات مركزية لحماية المصالح الأميركية، وتربط الأمن القومي مباشرة بالقدرة على الردع والضغط وفرض الوقائع. وتعيد صياغة فكرة العلاقات الدولية ذاتها، إذ لا تنظر للتحالفات باعتبارها التزامات طويلة الأمد، وإنما ترتيبات قابلة لإعادة التفاوض وفق ما تحققه من مكاسب مباشرة.

“أي علاقة، حتى مع دولة صديقة، يجب أعادة صياغتها بناء على صفقة تستفيد منها الولايات المتحدة. ومن دون ذلك، لا وجود لتحالف مضمون،” يقول وليد فارس.

ولا يستثني ترامب حتى الخصوم عندما يتعلق الأمر بالصفقات. ويضيف فارس أن “الرئيس لا يرى مشكلة في عقد صفقات حتى مع دولة خصم مثل إيران، إذا قدّمت إليه ما يطلبه”. لكن هذا الانفتاح لا يترافق عادة مع صبر طويل. عند تعثر الصفقة، تنتقل الإدارة سريعا إلى أدوات الضغط.

ويحذر هاميلتون، من ناحيته، أن “افتتان” ترامب ومن معه بقدرات الجيش الأميركي، من دون قيود قد يؤدي إلى “كارثة استراتيجية” إذا استمر التعامل مع القوة بوصفها أداة بلا حدود.

وبحسب دانا سرول، الباحثة في معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، فإن جديد السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترامب يتجلى أيضا في طريقة إنتاجها: القرارات لم تعد تمر عبر القنوات التقليدية، بل يتم اتخاذها داخل دائرة ضيقة، يقف الرئيس في مركزها.

لم يسبق لرئيس أميركي، تضيف، أن أدخل بهذا القدر من الوضوح العلاقات الشخصية والمصالح التجارية في قلب السياسة الخارجية. في عهد ترامب، تتداخلت السياسة والاقتصاد مع ما هو شخصي، ويتم التعامل مع ملفات كبرى عبر مبعوثين هم رجال أعمال. “إنه عصر جديد في ممارسة السياسة الخارجية الأميركية الحديثة”.

الحرة المصدر: الحرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا