بالرغم من العلاقة المركّبة التي تجمعه برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وما شابها من مدٍّ وجزرٍ على مستوى النفوذ وتقاطعات المصالح، أثبت دونالد ترامب، بعد إكماله عامه الأول في ولايته الثانية، مرةً جديدة لليمين الإسرائيلي المتطرف أنه الصديق "الأوفى" لإسرائيل، لا سيما في ضوء أدائه السياسي والعسكري في غزة.
غير أن هذا الدعم، وعلى خلاف أسلافه، لم يكن منطلقًا من علاقة وجدانية أو ارتباط عاطفي بتل أبيب، فكيف تعامل الزعيم الجمهوري خلال هذا العام مع ملف غزة؟
يرى الخبيران آرون ديفيد ميلر ودانيال كورتزر أن ترامب "فريد" في تعاطيه مع غزة والشأن الإسرائيلي عمومًا، لافتَين إلى أن الرئيس الأميركي غير متأثر بعاطفة خاصة تجاه إسرائيل كدولة. فهو، وفق توصيفهما، ليس بيل كلينتون الذي كتب في مذكراته أنه أحب إسحاق رابين "كما لم يحب أي رجل آخر"، ولا جو بايدن، الصهيوني المسيحي كما كان يصفه نفسه.
وعلى العكس من ذلك، يعتبر الخبيران أن دعم ترامب لإسرائيل وسياساته في غزة كان "دعمًا وظيفيًا وتكتيكيًا"، هدفه تحقيق مكاسب سياسية أوسع، من بينها استقطاب الإنجيليين، واستخدام موقفه المؤيد لإسرائيل لتصوير الديمقراطيين بوصفهم خصومًا للدولة اليهودية.
خلال ولايته الأولى، ارتبط اسم ترامب بما عُرف بـ"صفقة القرن"، وهي سلسلة غير مسبوقة من السياسات الداعمة لإسرائيل، شملت الاعتراف بالقدس عاصمة لها ونقل السفارة الأميركية إليها، وإغلاق مكتب "منظمة التحرير الفلسطينية" في واشنطن، وإغلاق القنصلية الأميركية في القدس، والاعتراف بالسيادة الإسرائيلية على هضبة الجولان السورية، إضافة إلى التأكيد أن المستوطنات لا تتعارض مع القانون الدولي. لذلك، عاش اليمين الإسرائيلي المتطرف حالة نشوة غير مسبوقة مع فوز مرشحهم المفضل على الديمقراطية كامالا هاريس.
ومع عودته إلى البيت الأبيض، بدا أن ترامب دخل الشرق الأوسط مجددًا، وهو الذي كان عرّاب اتفاقيات التطبيع، بمزيج لافت من خطاب "السلام المفروض بالقوة"، ونظرة تجارية أسقطها على السياسة الخارجية.
وفي هذا السياق، لم يكتفِ باستثمار ملف غزة لتعزيز دعم إسرائيل ومكانة نتنياهو، بل جعله نقطة انطلاق لمحاولات إعادة صياغة قواعد القانون الدولي.
بداية، تعامل ترامب بصورة "صادمة" مع الكارثة الإنسانية في غزة، في ظل تفشي المجاعة، مقترحًا إعادة توطين نحو مليوني فلسطيني في مصر والأردن، بما يتيح للولايات المتحدة إرسال قوات إلى القطاع، والسيطرة عليه، وبناء ما وصفه بـ" ريفيرا الشرق الأوسط "، أي منتجع سياحي ضخم يحوّل غزة ذات الواجهة البحرية إلى وجهة عالمية.
وقد أثار هذا الطرح، الذي أقلق القاهرة وعمّان، غضب شريحة واسعة من الأميركيين العرب والمسلمين الذين دعموه انتخابيًا، لكنه كشف في الوقت ذاته أن سياسة ترامب الخارجية، حتى في أكثر ملفات الشرق الأوسط حساسية، لا تنفصل عن خلفيته كمطوّر عقاري، وهو ما توقّع مراقبون أن ينعكس على قراراته اللاحقة.
إلى جانب ذلك، رفضت إدارته اعتبار عمليات الإسقاط الجوي للمساعدات "خيارًا جديًا"، وأدخلت إلى القطاع منظمة "غزة الإنسانية" التي انتقدتها الأمم المتحدة وشككت بمصداقيتها، فعيّن على رأسها قسيسًا إنجيليًا معروفًا بدعمه لإسرائيل. كما سمّى مايك هاكابي، الذي وصف نفسه يومًا بأنه "يؤدي مهمة إلهية" في إسرائيل، سفيرًا له.
ورغم ضغوطه المتزامنة على نتنياهو وحماس، وإن بدرجات متفاوتة، لإنهاء الحرب، تماشيًا مع وعوده الانتخابية، وظّف ترامب هامش المناورة الذي منحه لإسرائيل في غزة وخارجها لتحقيق مكاسب إقليمية أوسع.
ورأى مراقبون أن مقترحاته "المتطرفة"، مثل السيطرة على غزة وتهجير سكانها، شكّلت أداة ضغط على الدول الخليجية، ولا سيما السعودية، لدفعها نحو إعادة إعمار القطاع وتطبيع العلاقات مع إسرائيل.
وفي أول جولة خارجية له إلى الشرق الأوسط ، نجح ترامب، وسط غموض يلف مستقبل غزة، في الحصول على تعهدات باستثمارات بمليارات الدولارات من السعودية وقطر والإمارات.
وفي هذا السياق، شبّه البروفيسور غريغوري غاوس أسلوب ترامب بتهديد نتنياهو عام 2020 بضم أجزاء من الضفة الغربية، وهو تهديد انتهى حينها بتطبيع الإمارات علاقاتها مع إسرائيل مقابل تجميد خطة الضم.
وبعد إحلاله "السلام"، وبالتوازي مع ضغطه للانتقال إلى المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في غزة، وسّع ترامب صلاحيات " مجلس السلام "، الذي أُنشئ في الأصل للإشراف على إعادة إعمار القطاع، ليطرحه إطارًا لحل النزاعات المسلحة عالميًا.
وقد أثار هذا الطرح مخاوف دول غربية من تقويض دور الأمم المتحدة، التي انتقدها ترامب مرارًا. ووصف مسؤولون ومراقبون المجلس، الذي اقترح أن يترأسه مدى الحياة، بأنه نسخة من "أمم متحدة خاصة بترامب"، تتجاهل أسس ميثاق المنظمة الدولية.
ومضى سيد البيت الأبيض أبعد من ذلك، إذ منح العضوية في المجلس "قيمة سوقية"، فارضًا على الدول الستين التي دعاها للمشاركة دفع مليار دولار مقابل العضوية الدائمة.
واعتبر بعض المراقبين أن المجلس قد يشكّل بديلًا فعليًا عن مجلس الأمن، في وقت لا تعكس فيه تركيبته الحالية، المنبثقة عن الحرب العالمية الثانية، توازنات العالم الراهنة. غير أنهم حذّروا في المقابل من أن "بيع مقاعد دائمة في نادٍ حصري" يبعث بإشارات مقلقة بشأن مستقبل الدبلوماسية الدولية.
وضمن هذا التوازن الدقيق بين دعم إسرائيل ومتطلبات شعار "ميركا أولًا"، رسّخ دونالد ترامب حضوره في ملف غزة خلال عام فرض فيه نسخته الخاصة من "السلام بالقوة". فقد أُعيد جميع الرهائن الإسرائيليين الأحياء، وانخرطت الولايات المتحدة إلى جانب إسرائيل في حرب قصيرة ضد إيران استمرت 12 يومًا، فيما لجأ ترامب إلى فرض عقوبات على المحكمة الجنائية الدولية للضغط باتجاه إسقاط مذكرات التوقيف بحق بنيامين نتنياهو.
ومع ذلك، يرى مراقبون أن ترامب، رغم علاقته الوثيقة برئيس الوزراء الإسرائيلي، أظهر قدرة غير مسبوقة على الضغط على إسرائيل، بل وتجاوز أو تجاهل بعض مصالحها الحيوية، من دون أن يدفع ثمنًا سياسيًا يُذكر.
ويشير آرون ديفيد ميلر ودانيال كورتزر إلى أن ما يميّز ترامب عن أسلافه هو استعداده لاتخاذ قرارات إقليمية كبرى بمعزل عن إسرائيل أو رغم اعتراضها، من فتح قنوات حوار مع حماس، إلى التفاوض المباشر مع إيران، وإبرام تفاهمات مع الحوثيين، ورفع العقوبات عن سوريا، وصولًا إلى تهميش إسرائيل في أول جولة له إلى الشرق الأوسط في ولايته الثانية، وإجبار نتنياهو على تقديم اعتذار علني عقب قصف قطر، وتهديده بالانسحاب من المسار السياسي إذا لم تُعتمد مبادرة غزة ذات النقاط العشرين.
وبعد عام على بدء ولايته الثانية، تُوصف العلاقة بين ترامب ونتنياهو بأنها "تفاهم مؤقت" تحكمه المصالح لا العواطف، ويتيح لكل طرف تحقيق أهدافه من دون اندفاع مفرط.
غير أن الخلاصة الأوضح، وفق الباحثين، أن إسرائيل ونتنياهو، وغزة من خلفهما، ليسوا في نظر ترامب أكثر من أوراق على رقعة شطرنج شخصية مطلية بالذهب، رقعة لا يتردد في التضحية بأي قطعة عليها إذا اقتضت مصلحته ذلك، ما يجعل الجميع أمام واقع سياسي شديد البراغماتية.. ومفتوح على كل الاحتمالات.
المصدر:
يورو نيوز
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة