تحدث موشيه إلعاد، الخبير في شؤون الشرق الأوسط المتخصص بالقضية الإسرائيلية الفلسطينية والشأن اللبناني، حول الصراع الدبلوماسي الكامن وراء محاولة تل أبيب تقليص تدخل باريس في لبنان.
وفي مقابلة مع صحيفة "معاريف"، تطرق موشيه إلعاد إلى العلاقة المباشرة لهذا الصراع بالولايات المتحدة، والسعودية، ومنطقة شرق البحر المتوسط، مشيرا إلى صورة أوسع وأكثر تعقيدا بكثير من الخطاب العلني المحيط بالتوتر بين إسرائيل وفرنسا".
وقال إلعاد موضحا: "لم يعد سرا أن إسرائيل تعمل في الأسابيع الأخيرة على إخراج فرنسا من لجنة 'الآلية - الميكانزيم' - وهي الهيئة التي كان من المفترض أن تشرف على تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار بين إسرائيل ولبنان. ومع ذلك، فإن من يفسر هذه الخطوة على أنها مجرد خلاف نُقطي آخر بين تل أبيب وباريس حول الساحة اللبنانية، فإنه يخطئ القراءة الكلية للصورة".
وأردف: "التقديرات تشير إلى أنه وراء الخطوة الإسرائيلية تختبئ اعتبارات استراتيجية أعمق، تتعلق بصراعات نفوذ إقليمية ودولية تشارك فيها الولايات المتحدة أيضا، خاصة في ظل إدارة الرئيس دونالد ترامب. لذلك، لا يتعلق الأمر فقط بمعارضة إسرائيلية لموقف فرنسي معين، بل بمحاولة لإعادة صياغة ميزان القوى الدبلوماسي والأمني في المنطقة".
ووفقا لقوله، فإن أحد السياقات المركزية لفهم هذه الخطوة هو التقارب المتسارع بين السعودية وفرنسا في السنوات الأخيرة: "أحد السياقات الرئيسية التي يجب أخذها في الاعتبار هو التقارب المتعمق بين السعودية وفرنسا. هذا الالتقاء لا يقتصر على الجوانب الاقتصادية، رغم أن باريس شريك أمني وصناعي مهم للرياض، بل يمتد أيضا إلى قضايا سياسية حساسة في الشرق الأوسط. وهكذا، كانت فرنسا لاعبا رئيسيا، إلى جانب السعودية، في دفع مبادرات دولية للاعتراف بدولة فلسطينية، وهي مبادرات اكتسبت زخما في الأشهر الأخيرة من العام الماضي وأثارت غضبا علنيا في إسرائيل".
ورأى الخبير الشرق أوسطي أن التوتر بين الدولتين اتخذ تعبيرا علنيا حادا عندما هاجم رئيس الوزراء الإسرائيلي فرنسا ورئيسها: "ردا على ذلك، اتهم رئيس الوزراء الإسرائيلي فرنسا بـ 'منح الإرهاب مكافأة'، بل وزعم أن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يسهم في تفاقم معاداة السامية في بلاده. أثارت هذه التصريحات عاصفة دبلوماسية، ولم تقف باريس مكتوفة الأيدي؛ حيث وصفت وزارة الخارجية الفرنسية التصريحات الإسرائيلية بأنها 'مخزية' ومسيئة، خاصة في ضوء حقيقة أن ماكرون نفسه دعا إلى تشكيل تحالف دولي جديد لمحاربة الإرهاب. وأظهر تبادل الاتهامات هذا إلى أي مدى يتجاوز الصراع بين الطرفين قضية لبنان وحدها".
وأكد إلعاد أن ساحة الاحتكاك بين إسرائيل وفرنسا تمتد أيضا إلى شرق البحر المتوسط، وهي منطقة تكتسب أهمية متزايدة بسبب موارد الطاقة والتوازن الاستراتيجي فيها، حين قال: "لكن الخلاف لا يتوقف هنا. فثمة ساحة أخرى تتصادم فيها مصالح إسرائيل وفرنسا هي شرق البحر المتوسط. فرغم أن باريس وتل أبيب تشتركان في قلق متبادل من تعاظم النفوذ التركي في المنطقة، خاصة بعد سقوط النظام السوري السابق، إلا أنهما تتنافسان معا على القيادة الإقليمية وعلى صياغة قواعد اللعبة. فرنسا حاضرة في شرق المتوسط عبر شركة 'توتال' المنخرطة في مشاريع تنقيب عن الغاز، وكذلك كعضو في منتدى غاز شرق المتوسط الذي تنتمي إليه إسرائيل أيضا".
وبحسب رأيه، تنظر فرنسا بقلق إلى تعمق التعاون الأمني بين إسرائيل واليونان وقبرص: "تنظر باريس بريبة إلى التنسيق الثلاثي الوثيق بين إسرائيل واليونان وقبرص. تل أبيب تقدم نفسها بشكل متزايد كنوع من 'المظلة الأمنية' لأثينا ونيقوسيا في مواجهة التحدي التركي، وهي خطوة تُفهم في فرنسا على أنها إضعاف لمكانتها وتقليص لمساحة نفوذها في هذه المنطقة الاستراتيجية".
وفي هذا السياق، اعتبر إلعاد أنه يجب فهم الخطوة الإسرائيلية في لبنان والرغبة في تقليص التدخل الفرنسي في آليات الرقابة والأمن: "يجب فهم الجهود الإسرائيلية المتعلقة بلبنان ضمن هذا السياق الواسع. إن محاولة إخراج فرنسا من لجنة 'الآلية' تتماشى مع دفع إسرائيلي لإنهاء تفويض قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (يونيفيل)، التي تلعب فيها باريس دورا مركزيا. ويأتي ذلك تحديدا في وقت أعربت فيه عدة دول أوروبية، وعلى رأسها فرنسا، عن رغبتها في الحفاظ على وجود عسكري في جنوب لبنان حتى بعد انتهاء تفويض اليونيفيل في نهاية العام الحالي".
ووفقا لقوله، فإن هذه المبادرة الأوروبية تتطلب موافقة إسرائيل: "هذه الرغبة الأوروبية، رغم حصولها على مباركة رسمية من بيروت، تتطلب اتفاقاً على آلية بديلة وموافقة إسرائيلية. إسرائيل من جانبها تدفع نحو نموذج مختلف: تنسيق أمني مباشر مع لبنان بدعم أمريكي صريح. واشنطن، التي تشجع هذا التوجه، ترى فيه وسيلة لتقليص الاعتماد على الآليات المتعددة الأطراف التي تملك فيها الولايات المتحدة سيطرة محدودة".
وبالنسبة لموشيه إلعاد، يدخل الدور الأمريكي والفجوة بين توجهات واشنطن وباريس في الصورة: "إسرائيل تفضل إدارة مجمل هذه القضايا بتنسيق شبه حصري مع واشنطن، خاصة تحت إدارة ترامب التي تُعتبر في القدس أكثر صداقة وبراغماتية. في نظر إسرائيل، هذا تنسيق بين حلفاء، على عكس العلاقة مع فرنسا التي اتسمت في السنوات الأخيرة بالتنافس السياسي والاقتصادي والاستراتيجي".
وأشار إلى أن "الولايات المتحدة أيضاً، رغم بعض الخلافات مع إسرائيل مثلا بشأن العلاقات مع السعودية أو تركيا، لا تمانع في تقليص النفوذ الفرنسي في المنطقة"، مضيفا: "هذا لا يعني الرغبة في إقصاء فرنسا تماما، بل السعي لإخضاع أي دور فرنسي لإطار أمريكي أوسع، وعدم السماح لباريس بالعمل كقوة مستقلة".
ويعكس هذا التوتر، حسب قوله، فجوة أعمق بين رؤى قيادتي الدولتين للعالم: "هنا يبرز التناقض بين رؤيتي ترامب وماكرون في الساحة الدولية. لقد صرح ماكرون أكثر من مرة بأن فرنسا ليست تابعة للولايات المتحدة ودعم بناء جيش أوروبي مستقل. في المقابل، أعرب ترامب عن ازدرائه العلني لهذا التوجه، بل وسخر مؤخراً من ماكرون في سياق آخر، بينما انتقد الرئيس الفرنسي تخلي واشنطن عن المعايير الدولية".
وختاما، قال إلعاد ‘ن الأمر لا يتعلق بخطوة موضعية أو تكتيكية: "باختصار، محاولة إسرائيل إخراج فرنسا من لجنة 'الميكانيزم' ليست خطوة تكتيكية عابرة ولا تنبع فقط من الخلافات حول لبنان. بل هي تعبير آخر عن صراع واسع على النفوذ الإقليمي، وعلى هوية الوسطاء، وعلى بنية آليات الرقابة والأمن. وفوق كل شيء، هي محاولة لبناء نظام إقليمي جديد لا تكون فيه باريس لاعباً حاسماً، بل عنصراً ثانوياً يعمل في ظل المحور الأمريكي الإسرائيلي".
المصدر: "معاريف"
المصدر:
روسيا اليوم