سيام ريب- كمبوديا- يربط مراقبون التوتر الحالي بين كمبوديا و تايلند بالأوضاع الداخلية لكلتا الدولتين وبالتطورات الدولية والإقليمية.
وتعيش تايلند مرحلة عدم استقرار سياسي أدى إلى الإطاحة برئيسة الوزراء باتونغتارن شيناواترا في بداية يوليو/تموز الماضي، بعد تسريب اتصالها برئيس مجلس الشيوخ الكمبودي (رئيس الوزراء السابق) بهدف وقف التصعيد، ثم حل البرلمان في ذروة الحرب والدعوة إلى انتخابات جديدة في 8 فبراير/شباط المقبل.
وفي كمبوديا يحكم رئيس الوزراء هون مانيت، وهو ضابط سابق في الجيش وابن رئيس الوزراء السابق هون سين الذي سلمه السلطة بعد انتخابات عام 2023.
وتظهر حاجة كلا الطرفين لكسب الولاء الشعبي وكبح انتقادات المعارضة، فالجيش التايلندي -الذي يعتقد إلى حد بعيد أنه يقف وراء التصعيد مع كمبوديا- لعب على وتر القومية والتهديد الخارجي لترتيب أوراق تغيير النظام السياسي وتعديل الدستور، بينما يحتاج هون مانيت رئيس حكومة كمبوديا إلى لفت الأنظار عن وراثته الحكم عن والده.
هناك ثلاثة أبعاد واقعية لانفجار النزاع، هي:
ورغم أن جذور المعابد المتنازع عليها هندوسية قبل أن تتحوّل إلى البوذية فإن النزاع حولها يمثل صراعا على الهوية الثقافية والدينية بين البلدين، لا سيما أن كليهما يتبنى مدرسة بوذية مختلفة عن الآخر، يضاف إليها أنها مصدر رئيسي للدخل السياحي.
كشف التصعيد العسكري بين البلدين -العضوين في منظمة جنوب شرق آسيا (آسيان) التي تأسست في بانكوك عام 1967- عن عجز المنظمة الكامل عن تطبيق ميثاقها القائم على التعايش السلمي وحسن الجوار وحل المشاكل بالطرق السلمية، وذلك أن آسيان تفتقد إلى آلية لحل النزاعات، ويحول ميثاقها دون التدخل لحل المشاكل البينية أو التدخل في الشؤون الداخلية.
وتكمن الأبعاد الدولية للنزاع بالدرجة الأولى في التنافس الصيني الأميركي في المنطقة.
وتحوز الصين -على مدى أكثر من 15 عاما- صفة الشريك التجاري الأكبر لجميع دول جنوب شرق آسيا (آسيان)، وينظر إلى كمبوديا على أنها امتداد طبيعي للصين جغرافياً واقتصاديا وسياسيا.
في حين تقوم العقيدة العسكرية التايلندية على التحالف "غير المعلن" مع الولايات المتحدة، ويتضح ذلك من خلال اعتمادها على التسليح الغربي خاصة الأميركي.
وتتفوق تايلند على كمبوديا بثلاثة أضعاف من حيث القوة العسكرية والبشرية والاقتصادية، ولا تمتلك كمبوديا قوة جوية تذكر، ولذلك بدت أجواؤها مستباحة في الحرب التي استمرت زهاء 20 يوما، حيث لم تتمكن من التصدي لأي من هجمات الطيران التايلندي.
ودفع التوتر الحدودي الأخير حكومة كمبوديا إلى مراجعة علاقتها بالولايات المتحدة، وبادرت بالاتصال بالولايات المتحدة من أجل وقف التصعيد.
كان وزيرا الدفاع الكمبودي والتايلندي قد وقعا اتفاقا لفك الاشتباك بتاريخ 27 ديسمبر/كانون أول الماضي، وهو ثالث اتفاق من نوعه يوقع بين البلدين خلال أشهر، وما لبث أن نقض اتفاق السلام الذي رعته ماليزيا والولايات المتحدة في 26 أكتوبر/تشرين أول الماضي في كوالالمبور.
ونص اتفاق وقف إطلاق النار -الذي وُقّع على الحدود- على إبقاء القوات في أماكنها، مما يعني عدم انسحابها من المناطق التي سيطرت عليها في الحرب التي اندلعت في السابع من الشهر ذاته، وكان البلدان قد تبادلا الاتهامات بتجاوز الحدود واحتلال قوات كل منهما لمناطق في البلد الآخر.
ورصدت لاحقا تعزيزات للجيش التايلندي في مناطق سيطر عليها أثناء الحرب، وهو ما اعتبرته كمبوديا احتلالا لأراضيها وقالت إنها لا تعترف بأي تغيير للحدود بالقوة، وهو ما يعزز احتمال العودة للتصعيد العسكري في أي وقت من أي طرف.
أما قضية الألغام التي فجرت الصراع الأخير فما زالت حية ومثارة من قبل بانكوك، ولم يتبنّ الطرفان آلية لحل المشكلة المرتبطة أساسا بترسيم الحدود ووضع العلامات على الأرض.
ويربط مراقبون استمرار التوتر باستمرار أسبابه الداخلية وأبعاده الدولية والإقليمية، فالانتخابات التايلندية مصدر إثارة للمشاعر القومية والدينية، ولذلك يتوقع أن يستمر التوتر الإعلامي على الأقل إلى أن تحسم الانتخابات مصير الأزمة الداخلية المستدامة في تايلند.
وإذا تجدد التصعيد العسكري بين البلدين فإنه ينذر بتهديد وحدة منظمة آسيان واستقرارها، خاصة أن قيادتها انتقلت إلى الفلبين الحليف الأميركي الذي يواجه مشكلة حدودية مع الصين في بحر جنوب الصين.
يذكر أن الحدود بين البلدين -التي يصل طولها 817 كم- بقيت غير مستقرة في الماضي إلى أن دخل الاستعمار الفرنسي كمبوديا عام 1863 بطلب من مملكة كمبوديا للحماية من الهجمات التايلندية والفيتنامية.
وتوصلت الإدارة الفرنسية لكمبوديا ومملكة تايلند إلى اتفاقيتين لترسيم الحدود عام 1904 و1907، وبعد استقلال كمبوديا عام 1953 وقعت مذكرة تفاهم مع تايلند اعتمد الطرفان بموجبها الحدود المنصوص عليها في الاتفاقيات السابقة.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة