آخر الأخبار

"دروس ترامب لأوروبا".. دبلوماسي بريطاني سابق يصف المواقف الأوروبية حيال غرينلاند بـ"الهستيرية"

شارك

رأى السياسي والدبلوماسي البريطاني السابق بيتر ماندلسون أن أوروبا تنزلق تدريجيا نحو فقدان نفوذها الجيوسياسي، منتقدا ما وصفه بردود فعل "هستيرية" من جانب قادتها على تحركات الرئيس الأميركي دونالد ترامب، ولا سيما في ما يتعلق بملف غرينلاند ، محذرا من أن القارة تفتقر إلى "القوة الصلبة والمال الصلب" اللازمين للحفاظ على تأثيرها في النظام الدولي.

وجاءت هذه المواقف في مقال موسّع نشره ماندلسون في مجلة ذا سبكتاتور بعنوان "Trump’s Lessons for Europe"، تناول فيه التحولات العميقة في موازين القوة العالمية، ودور أوروبا المتراجع في ما وصفه بـ"عصر ترامب".

أول تدخل سياسي منذ إقالته من واشنطن

ويعد هذا المقال أول تدخل سياسي بارز لماندلسون منذ إقالته من منصب سفير بريطانيا لدى الولايات المتحدة في أيلول/سبتمبر 2025، على خلفية صلاته برجل الأعمال الراحل جيفري إبستين، المدان بالاعتداء الجنسي على قاصرات، وفق بيان صادر عن وزارة الخارجية البريطانية آنذاك.

ويمنح هذا السياق مواقف ماندلسون ثقلا إضافيا، إذ يعود إلى السجال السياسي الدولي من موقع نقدي، متناولا موقع أوروبا في النظام العالمي المتغير، وليس في إطار الدفاع عن مسيرته الشخصية أو سجله الدبلوماسي.

غرينلاند والعجز الجيوسياسي الأوروبي

وفي تناوله لملف غرينلاند ، اعتبر ماندلسون أن الجدل الأوروبي الدائر حول "السيادة" يسيء فهم طبيعة التحركات الأميركية، مؤكدا أن ترامب لا يحتاج إلى "غزو" غرينلاند، لأن الولايات المتحدة موجودة بالفعل في المنطقة.

ورأى أن ما سيحدث هو انتقال النقاش الأوروبي من التصريحات السياسية والاستعراضية إلى معالجة جدية للتهديدات الأمنية في القطب الشمالي، ولا سيما تلك المرتبطة بالصين وروسيا، ضمن إطار تعاون أميركي–دنماركي أوسع، مع تعزيز كبير للدور والمكانة والانتشار العسكري الأميركي.

واعتبر أن الضجيج السياسي الأوروبي حول غرينلاند لا يعكس قوة تفاوضية، بل يكشف عن عجز جيوسياسي متزايد في القارة.

انتقاد غير مباشر لموقف ستارمر

ويُرجّح أن يُنظر إلى تدخل ماندلسون على أنه انتقاد غير مباشر لرئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر ، الذي حاول خلال الأسابيع الماضية السير على حبل دبلوماسي مشدود في تعاطيه مع إدارة ترامب.

ففي هذا الأسبوع، وقّع ستارمر على بيان دعا فيه الرئيس الأميركي إلى احترام السيادة الدنماركية على غرينلاند، وذلك عقب بيان صادر عن البيت الأبيض أفاد بأن الولايات المتحدة تدرس "مجموعة من الخيارات" في إطار مساعٍ للاستحواذ على الإقليم، مضيفا أن استخدام الجيش الأميركي لتحقيق ذلك كان "دائما خيارا مطروحا".

وفي مساء الأربعاء، قالت رئاسة الوزراء البريطانية إن ستارمر "عرض موقفه بشأن غرينلاند" خلال مكالمة هاتفية مع ترامب، من دون تقديم مزيد من التفاصيل حول الاتصال. وفي حين تجنب ستارمر انتقاد تحركات ترامب في فنزويلا، شدد مرارا على أن مستقبل غرينلاند يجب أن يكون شأنا يقرره الإقليم والدنمارك وحدهما.

"القوة الصلبة والمال الصلب"

وانتقد ماندلسون افتقار أوروبا إلى أدوات النفوذ الفعلي، محذرا من أن القادة الأوروبيين سيواصلون "الانزلاق نحو فقدان الأهمية" ما لم يمتلكوا "القوة الصلبة والمال الصلب" اللازمين للتأثير في النظام الدولي الجديد.

وأشار إلى أن الاعتماد الأوروبي المستمر على المظلة الأميركية، من دون تحمل مسؤوليات عسكرية ومالية حقيقية، يعمق الفجوة بين الخطاب السياسي والقدرة الفعلية على التأثير.

وأشار ماندلسون إلى أن تدخل ترامب في فنزويلا، ولا سيما ما جرى في كراكاس نهاية الأسبوع الماضي، أظهر بوضوح الفارق بين نهجه ونهج الدبلوماسية التقليدية، معتبرا أن الرئيس الأميركي أنجز في يوم واحد ما عجزت عنه الدبلوماسية التقليدية خلال العقد الماضي، في إشارة إلى إلقاء القبض على الرئيس الفنزويلي المخلوع نيكولاس مادورو ونقله لمواجهة العدالة أمام محكمة أميركية.

وقارن ماندلسون ذلك بما حدث في وقت سابق من العام الماضي في ملف منشأة فوردو لتخصيب اليورانيوم في إيران، معتبرا أن الأسلوب الحاسم الذي اتبعته إدارة ترامب في التعامل مع هذا الملف حقق نتائج سريعة، مقابل سنوات من الجمود والتحليل من دون حسم.

التشكيك في "النظام الدولي القائم على القواعد"

وشكك ماندلسون في وجود ما يُعرف بـ"النظام الدولي القائم على القواعد"، معتبرا أن هذا الإطار فقد معناه منذ وقت طويل، وقبل وصول ترامب إلى السلطة.

وتأتي هذه القراءة في وقت ندد فيه وزراء بريطانيون بما وصفوه بـ"تفكك" النظام الدولي القائم على القواعد، بينما شدد ستارمر، في أعقاب إلقاء القبض الأميركي على الرئيس الفنزويلي، على تمسكه بالقانون الدولي، في تباين واضح مع طرح ماندلسون الذي يرى أن هذا النظام كان قد بدأ بالتآكل قبل سنوات.

عالم متغير ودور أوروبي متراجع

ورأى ماندلسون أن التحول الحقيقي في النظام العالمي بدأ قبل عقدين مع صعود الصين قوة عظمى تنازع الهيمنة الأميركية، وهو ما انعكس، بحسب رأيه، في الحرب في أوكرانيا، حيث تحظى روسيا بدعم دبلوماسي صيني وتقني إيراني ومشاركة مقاتلين من كوريا الشمالية.

وأضاف أن القادة الأوروبيين لم يتكيفوا بعد مع هذه التحولات، متهما إياهم بتفسير كسول لشعار "أميركا أولا" على أنه يعني انسحابا أميركيا من الشؤون الدولية، رغم استمرار الانخراط الأميركي في ملفات مثل أوكرانيا وغزة.

دعوة إلى تحمّل المسؤوليات

ودعا ماندلسون القادة الأوروبيين إلى الانتقال من البيانات السياسية إلى خطوات عملية، تشمل تحمل مسؤوليات عسكرية ومالية فعلية، محذرا من أن استمرار ما وصفه بـ"الركوب المجاني" على حساب الولايات المتحدة سيؤدي إلى مزيد من التراجع في الدور الأوروبي.

وقال ماندلسون إن هذا النهج، رغم الجدل الذي يثيره، يبقى برأيه أكثر فاعلية من "اللطم وشلل التحليل" اللذين طبعا عمل بعض الإدارات الأميركية السابقة، أو من حالة الجمود والمماطلة التي تميّز، في كثير من الأحيان، أداء كل من الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي.

واعتبر أن مصالح بريطانيا وغيرها من الديمقراطيات الليبرالية تكمن في كيفية تسخير قوة الولايات المتحدة للاستمرار في حماية المبادئ، إن لم يكن دائما نص، ميثاق الأمم المتحدة، مشددا على أن ذلك يتطلب تعاطيا واقعيا مع القوة الأميركية بدل الاكتفاء بالخطاب المعياري.

تحذير من تراجع الانخراط الأميركي

وختم ماندلسون مقاله بالتحذير من أن الضغوط الداخلية داخل الولايات المتحدة، ولا سيما من التيار الداعم لشعار "ماغا"، قد تدفع إدارة ترامب إلى تقليص انخراطها الخارجي، مع تصاعد الضغوط للتركيز على القضايا المعيشية والاقتصادية الداخلية بدلا من السياسة الخارجية.

واعتبر أن هذا التوجه، في حال تعززه، سيشكّل تطورا مقلقا لأوروبا، خصوصا في ما يتعلق بملفات أوكرانيا وغزة، إضافة إلى التحولات المحتملة في إيران.

يورو نيوز المصدر: يورو نيوز
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا