واشنطن- في أقل من 12 شهرا في منصبه منذ وصوله الثاني للبيت الأبيض، نفذ الرئيس الأميركي دونالد ترامب ضربات في 6 دول في الشرق الأوسط والقارة الأفريقية: إيران، ونيجيريا، واليمن، والعراق، وسوريا، والصومال.
وقبل أيام، امتد ذراع إدارة ترامب الطويل إلى نصف الكرة الغربي من خلال الغارة العسكرية التي نتج عنها قيام قوات خاصة أميركية باعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته، ونقلهما إلى نيويورك للمثول أمام محكمة فدرالية بتهمة "إرهاب المخدرات".
ومثلت هذه الأحداث مفاجأة كبيرة خاصة أن ترامب كرر -على مدار تاريخه السياسي الذي بدأه بحملته الرئاسية لعام 2016- مهاجمة سجل بلاده في "الحروب التي لا تنتهي" مع رفضه "بناء الدول"، كما فعل وفشل من قبله عدة رؤساء جمهوريين وديمقراطيين مثل جورج بوش الابن و باراك أوباما في العراق وأفغانستان. ورغم ذلك، فإن ترامب غيّر "رأس النظام" في فنزويلا، ويهدد بتغييره في كوبا وكولومبيا.
وبعد ساعات من اعتقال مادورو، قال الرئيس الأميركي إن بلاده ستدير فنزويلا مؤقتا وتبني صناعة النفط فيها، بينما صب جام غضبه على الرئيس الكولومبي غوستافو بيترو وحذره بالقول إن "أيامه معدودة". كما أشار إلى قرب انهيار النظام الحاكم في كوبا.
وسبق أن أعرب ترامب -في حديث مع شبكة فوكس نيوز- عن نفاد صبره تجاه رئيسة المكسيك كلوديا شينباوم بشأن إستراتيجيتها لمكافحة عصابات المخدرات التي "تدير" البلاد. وقال "يجب أن يتم شيء ما مع المكسيك".
تغيرت مبررات إدارة ترامب للضغط على الحكومة الفنزويلية منذ سبتمبر/أيلول الماضي، وبدأ التبرير مبنيا على مكافحة تهريب المخدرات، ثم انتقل لاستعادة موارد النفط التي يزعم ترامب أن كاراكاس سرقتها من الشركات الأميركية، ثم المطالبة بالإطاحة بحكومة استبدادية باسم الديمقراطية، وصولا لموافقته، وبصفته قائدا أعلى للقوات المسلحة، على القيام بعملية تغيير النظام الفنزويلي دون موافقة الكونغرس أو إبلاغه.
ويرى عدد من الخبراء -تحدثت إليهم الجزيرة نت- أن عملية الإطاحة بمادورو هي الجزء السهل، في حين تكمن المشكلة في ما يأتي بعد ذلك. وتعلمت الولايات المتحدة هذا بالطريقة الصعبة خلال عمليات محاولة تغيير النظم السابقة في أفغانستان والعراق، حيث فشل النجاح العسكري المبكر في التحول لنجاح إستراتيجي، وبدلا من ذلك مهدت الطريق لاحتلال مكلف وعواقب كارثية.
وفي حديث للجزيرة نت، قال خبير الشؤون الدفاعية بنيامين فريدمان إن ما تقوم به إدارة ترامب في فنزويلا قد "يخلق خلافا داخليا أكبر. ويمكن أن يؤدي إلى اضطرابات سياسية كبيرة أو حتى صراع أهلي، وتاريخ تغيير النظم القسرية يشير إلى أن هذا سيناريو محتمل".
واعتبر فريدمان أن تجاهل ترامب لقادة المعارضة الفنزويلية قد يدفع لمزيد من عدم الاستقرار، خاصة في ظل عدم وجود خطة طويلة الأمد للتعامل مع كاراكاس.
واتفقت جينيفر كافاناغ -مديرة التحليل العسكري بمبادرة "أولويات الدفاع"- مع التحفظات السابقة، وقالت للجزيرة نت إن وقوع اضطرابات داخلية كبيرة هو الأرجح، "فتاريخ التدخلات العسكرية الأميركية وجهود الولايات المتحدة لتغيير النظام غالبا ما تنحرف عن أهدافها لصالح صراعات سياسية وأهلية وكوارث اقتصادية".
واعتبرت أن قول ترامب إن واشنطن ستدير البلاد وتعيد بناء بنيتها التحتية النفطية، مع عدم تقديمه تصورا لهذه المهام المعقدة، يعكس أن إدارته ليست لديها خطط لأي منهما.
وعندما سُئل الرئيس الأميركي عقب اعتقال مادورو عن سجل بلاده الكارثي في الإطاحة بالحكام الدكتاتوريين دون خطة لما سيحدث بعد ذلك، أعطى إجابة غير محددة وغير متناسقة، وتحدث عن تصفية قاسم سليماني القائد السابق ل فيلق القدس الذراع الخارجية ل لحرس الثوري الإيراني، وتصفية أبو بكر البغدادي زعيم تنظيم الدولة السابق.
ولم يعرض ترامب خطة لما سيأتي بعد ذلك لفنزويلا أو لسياساته الخارجية. ويدرك الخبراء الأميركيون أن مادورو كان يرأس نظاما سياسيا اجتماعيا واقتصاديا معقدا له جذور محلية عميقة في دولة عدد سكانها يقترب من 30 مليون شخص، ومجرد اعتقاله لا يغير أيا من ذلك.
في الوقت ذاته، يخشى الخبراء من حدوث انقسام في الجيش الفنزويلي، أو توسع الجماعات الإجرامية والعصابات المنظمة في البلاد، أو وقوع حرب أهلية، أو ظهور استبداد أسوأ من استبداد نظام مادورو. ويزيد من خطورة الوضع وجود فنزويلا بالقرب من الأراضي الأميركية في منطقة مصالح واشنطن الأهم وارتباطها المباشر بقضيتي الهجرة وتجارة المخدرات.
كما يدرك ترامب أن الجيش الأميركي لا يستطيع إجراء تغييرات في بنية النظام الفنزويلي دون وقوع غزو بري واسع النطاق، وهو ما يرفضه حتى الآن، وترفضه قاعدته الانتخابية الممثلة في تيار "أميركا أولا".
دفع ذلك بديفيد دي روش، المسؤول السابق بالبيت الأبيض و البنتاغون، للقول إنه لا يعتقد أن الرئيس الأميركي يسعى لتغيير أنظمة في نصف الكرة الغربي باستخدام القوة العسكرية. وذكر، في حديث للجزيرة نت، أن "العنصر المفضل لترامب في سياساته لا يزال اقتصاديا، ويمكننا الاستمرار في رؤية توسع العقوبات ضد الأنظمة التي تراها واشنطن جهات معادية أو سيئة".
ووفق دي روش، فإن "هناك دائما أجندتين تؤثران على ترامب، الأولى السياسات والثانية الانتقام. من الممكن أن تعكس الأفعال هنا أجندة الانتقام. وبينما لم يذكر الرئيس ذلك، هناك نظرية تقول إن بعض من حوله يؤيدون أن نظام مادورو يسيطر بطريقة غير مباشرة على شركات ماكينات التصويت المستخدمة حول العالم".
وتابع "وفي الولايات المتحدة من خلال سلسلة من الشركات الوهمية، وتلاعب ماكينات هذه الشركات في عد الأصوات في بعض الدوائر الرئيسية -وأبرزها ولاية جورجيا- منع ترامب من الفوز بالرئاسة في 2020. وإذا كان هناك عدد كافٍ من الناس حوله يؤمنون بهذا، فهذا يفسر سبب وجود مستوى استثنائي من الإجراءات ضد فنزويلا".
وفي ما يتعلق بالسياسات، قال دي روش إنه "بسبب الأجندة السياسية الداخلية، هناك دافع داخلي قوي للرئيس الأميركي لاتخاذ إجراءات ضد مادورو. ففي حملة 2024، أصبحت الهجرة غير النظامية ووجود عصابات إجرامية من أميركا اللاتينية قضية قوية للمرشح ترامب".
وأضاف أن "واحدة من أقوى الصور التي استحضرها ترامب ونائبه جيه دي فانس كانت استيلاء عصابة الجريمة المنظمة الفنزويلية ’تران دي أراغوا‘ على مجمعات سكنية في مدينة دنفر بولاية كولورادو. وكان ترامب صارما بشأن الهجرة غير النظامية، واتخاذ إجراءات ضد مادورو يعزز ما يعتبر على الأرجح أقوى قضية محورية في سياسته الداخلية".
ومن ناحية إستراتيجية، "يرى ترامب أن كاراكاس توفر النفط الذي يعد ضروريا لنيكاراغوا وكوبا، وهما فاعلان سيئين في نصف الكرة الغربي. لذا فإن إزاحة مادورو ستضعف هذين النظامين، وبالتالي تسهل تغيير النظام دون عمل عسكري أميركي، وهو هدف ترامب الرئيسي"، وفق رؤية الخبير العسكري دي روش.
المصدر:
الجزيرة