في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
تدخل إيران مرحلة شديدة الحساسية في ظل تصاعد الاحتجاجات ذات الخلفية الاقتصادية، وتزايد الضغوط الخارجية، ولا سيما الأميركية والإسرائيلية، في مشهد يعيد إلى الواجهة مقارنات مع تجارب دولية سابقة، من بينها فنزويلا.
غير أن مقاربة هذا المشهد، وفق ما طُرح في غرفة الأخبار على سكاي نيوز عربية، تفرض التوقف عند طبيعة هذه الاحتجاجات، وحدود تأثيرها، وطبيعة التفاعل الإقليمي والدولي معها، كما قدمها كل من مدير مركز الدراسات الاستراتيجية الإيرانية مصدق بور، ومدير مركز بروكسل الدولي للبحوث رمضان أبو جزر.
اختلاف في أسلوب التعاطي الأمني
يرفض مصدق بور توصيف المشهد الحالي بوجود «قبضة حديدية» في تعامل النظام مع الاحتجاجات، معتبراً أن الأجهزة الأمنية تعتمد أسلوباً مغايراً لما كان عليه الحال في تظاهرات سابقة، سواء في عام 2022 أو خلال احتجاجات «ماسة أميني» أو «الثورة الخضراء».
ويُرجع هذا الاختلاف إلى طبيعة الاحتجاجات الراهنة، التي يراها مختلفة من حيث البنية والأهداف والسياق العام.
احتجاجات بلا قيادة واضحة
أحد أبرز عناصر التمايز، وفق مصدق بور، يتمثل في غياب «الرأس» أو الزعامة الواضحة لهذه التحركات. فلا توجد قيادة معارضة معلنة قادرة على طرح بديل سياسي للنظام، كما أن الولايات المتحدة، بحسب توصيفه، لا تُظهر رغبة صريحة في إسقاط النظام.
ويرى أن الخطة تتركز على تأجيج الوضع الداخلي وزيادة الضغط بهدف دفع طهران للاستجابة للمطالب الأميركية، وليس تغيير النظام بحد ذاته.
الأرقام وحدود الانتشار
يستند مصدق بور إلى المعطيات الرقمية لتدعيم قراءته، مشيراً إلى أن عدد القتلى المعلن بلغ 17 شخصاً، حتى مع احتمال وجود حالات لم يُعلن عنها.
ويعتبر أن هذا الرقم، عند مقارنته باتساع الجغرافيا الإيرانية وعدد السكان الذي يقارب 95 مليون نسمة، يبقى محدوداً ولا يعكس صورة انتفاضة شاملة.
كما يلفت إلى انسحاب البازار من الاحتجاجات، وبقاء التحركات محصورة إلى حد كبير في أوساط طلابية وبعض المجموعات الأخرى.
العامل الخارجي وحدود «الشماعة»
لا ينفي مصدق بور وجود دور خارجي، معتبراً أن اتهامات النظام لا تأتي من فراغ، خاصة في ظل تصريحات لرئيس جهاز الموساد الإسرائيلي ودعواته العلنية للمتظاهرين، إلى جانب مواقف وتحريضات أميركية وبيانات وزارة الخارجية الأميركية.
ويرى أن ذلك يعزز «نظرية المؤامرة» في ذهنية النظام، من دون أن يعني بالضرورة أن الخارج هو من أشعل الشرارة الأولى.
الإهمال الداخلي كسبب جوهري
رغم إشارته إلى الحضور الأميركي، يضع مصدق بور المسؤولية الأكبر على عاتق الداخل، معتبراً أن الإهمال المتراكم من قبل الحكومات المتعاقبة، وعدم القدرة على إيجاد حلول حقيقية لتحسين الأوضاع المعيشية، شكلا الثغرة الأساسية التي ينفذ منها العامل الخارجي. ويؤكد أن هذا الاتهام، من وجهة نظره، ليس مجرد «تعليق شماعة»، بل يعكس واقعاً قائماً.
الاقتصاد في صلب التحركات
يُصنّف مصدق بور هذه الاحتجاجات ضمن الإطار الاقتصادي بالدرجة الأولى، لا الأمني أو الاجتماعي كما في حالات سابقة، ولا السياسي البحت كما حدث خلال الثورة الخضراء.
ويشير إلى أن الغلاء والتضخم وتراجع القدرة الشرائية شكّلت عوامل ضغط أساسية، في ظل عجز الحكومات، بما فيها الحكومة الإصلاحية، عن تحقيق اختراق ملموس، وهو ما أدركه الشارع الإيراني.
المفاوضات والبعد الإقليمي
وفيما يتعلق بالملف النووي، يؤكد مصدق بور أن إيران قدمت تنازلات ودخلت في مسار تفاوضي شهد عدة جولات، مؤكدا أنها «تراجعت حتى في نسبة التخصيب إلى 3.67 في المئة»، قبل أن تُفاجأ، بحسب توصيفه، بهجوم إسرائيلي أميركي على منشآتها.
ويخلص إلى أن طهران ترى أن الطرف المقابل هو من لا يريد إنجاح المفاوضات، وترفض في الوقت ذاته الخطاب الغربي المتعلق بحقوق الإنسان في ظل ما تعتبره ازدواجية المعايير في ظل استمرار العقوبات والدعم الغربي لإسرائيل، مؤكداً أن إيران «ليست أذناً صاغية لهؤلاء».
ويؤكد مصدق بور، في ختام حديثه، تأييده لوجود «ناس محقّين خرجوا» في هذه التظاهرات، مشدداً على أن «النظام يجب أن يستجيب لهم»، معتبراً في الوقت نفسه أن «تحديد هذا الأمر سيتم قريباً جداً»، وفق تعبيره.
تشابه في الشكل واختلاف في التوقيت
من جهته يرى مدير مركز بروكسل الدولي للبحوث رمضان أبو جزر، أن ديناميكيات الاحتجاجات الجارية في إيران لا تختلف من حيث الأداء العام عمّا شهدته البلاد عام 2022، غير أن الفارق الجوهري يكمن في التوقيت ونقطة الانطلاق.
فخروج الاحتجاجات من “ البازار” في طهران، أي من السوق الكبير، يحمل دلالة سياسية واقتصادية بالغة، إذ يعكس انتقال الغضب من شرائح اجتماعية كانت تاريخياً في حالة توافق أو تزاوج مع السلطة إلى موقع الاعتراض العلني، ما يشير إلى حالة سخط داخل رأس المال التقليدي في العاصمة على سوء إدارة السلطة.
امتداد الغضب الاجتماعي وتحوّله الجغرافي
بحسب أبو جزر، لم يبقِ الغضب محصوراً في السوق، بل تمدد تدريجياً إلى الجامعات ثم إلى المدن والقرى، في مسار تصاعدي يعكس عمق الأزمة الاجتماعية.
ويؤكد أن هذا الامتداد الجغرافي يعبّر عن مطالب معيشية بالدرجة الأولى، لا عن أجندات سياسية خارجية، نافياً الروايات الرسمية التي تصف الحراك بأنه مدفوع من الخارج.
ويشدد على أن تجار طهران لم يتحركوا بإيعاز من إسرائيل أو الولايات المتحدة، كما أن الجامعات، رغم ما تحمله من حس وطني، تختلف مع أداء السلطة وليس مع فكرة الدولة.
الضحايا ومحدودية استيعاب النظام للأزمة
يتوقف أبو جزر عند مسألة عدد الضحايا، معتبرا أن التقليل من شأن سقوط قتلى يعكس خللا في مقاربة النظام للأزمة. ويتساءل عن عدد الضحايا الذي يحتاجه النظام كي يقر بوجود خلل بنيوي وبأن المطالب المطروحة هي مطالب معيشية بالأساس.
ويقارن ذلك بتجارب أخرى، مشيراً إلى أن سقوط قتيل واحد في سياق اجتماعي مشابه كان كافياً لإحداث تحولات كبرى، ما يعزز توصيفه للنظام الإيراني كنظام “هش” يصطدم مباشرة بشعبه.
البعد الدولي.. أوروبا بين القلق والضغط
على الصعيد الخارجي، يلفت أبو جزر إلى تصاعد الغضب داخل دول الاتحاد الأوروبي، حتى في أيام العطل الرسمية، مع تسريبات عن مطالب بإدراج مؤسسات أمنية وقضائية إيرانية على القوائم السوداء الأوروبية.
ويرجّح أن تكون هناك عقوبات في الطريق، قد تطال الحرس الثوري الإيراني على خلفية القمع الشديد الذي تعرض له المتظاهرون.
ويضع ذلك في سياق وضع إيراني بالغ الصعوبة اقتصادياً وسياسياً، وسط تحولات دولية تثير قلق النظام.
أثر التصريحات الخارجية وتقاطعات المصالح
ينتقد أبو جزر بعض التصريحات الإسرائيلية، ولا سيما الصادرة عن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، معتبراً أنها تسيء إلى المتظاهرين وتمنح النظام فرصة لشيطنة الاحتجاجات وتبرير مزيد من القمع.
ويرى أن هذه التصريحات تؤثر سلباً في الشباب الوطني، الذين يرفضون أن يُنظر إليهم كأدوات لمشاريع خارجية، ما يخلق تقاطعاً غير مباشر بين مصلحة النظام الإيراني وبعض الخطاب الإسرائيلي.
ويخلص إلى أن المتظاهرين لا يستفيدون من أي تدخل أميركي أو إسرائيلي، لأن مطالبهم اجتماعية وقابلة للتطور الذاتي.
هشاشة داخلية وصفقات خارجية
يقرّ أبو جزر بأن النظام الإيراني قد ينجح مرحلياً في احتواء الاحتجاجات مستفيداً من صفقات غير مكتوبة على الساحة الدولية.
ويشير إلى أن التصريحات الإسرائيلية في مراحل سابقة أسهمت في تمكين النظام من قمع المتظاهرين وزجهم في السجون.
ويرى أن تلويح القيادة الإيرانية اليوم بـ“العصا الغليظة” بحجة العمالة للخارج يعيد إنتاج الأسلوب ذاته، رغم أن حق التعبير السلمي عن المطالب المعيشية يبقى حقاً مشروعاً.
أوروبا والملف الحقوقي.. نحو ربطه بالنووي
يؤكد أبو جزر أن أوروبا لم تسعَ تاريخيا إلى الاصطدام بالنظام الإيراني، مستشهدا بإصرارها على الاستمرار في الاتفاق النووي بعد انسحاب الولايات المتحدة، بل ومحاولتها لعب دور الوسيط وإرسال آلاف الشركات الأوروبية الصغيرة للحفاظ على التعاون الاقتصادي.
غير أن هذا النهج، بحسبه، يصطدم اليوم بمعايير حقوقية ثابتة لا يمكن تجاوزها في ظل القمع والقتل. ويكشف عن أصوات أوروبية تدعو إلى ربط الملف الحقوقي بالاتفاق النووي، ومساعٍ لاستصدار قرارات حقوقية ضد إيران في مجلس حقوق الإنسان، بما في ذلك تشكيل لجان تحقيق خاصة.
ضغط متصاعد وأسباب معيشية واضحة
ويشير أبو جزر خلال حديثه إلى أن النظام الإيراني يواجه وضعا أكثر تعقيدا من السابق، في ظل خسائر سياسية ومعنوية وتراجع في الثقة الأوروبية.
ويؤكد أن جوهر الاحتجاجات يبقى معيشيا، مرتبطا بالتضخم وغلاء الأسعار والبطالة، إلى جانب القمع السياسي.
ويرى أن تحميل النظام مسؤولية هدر موارد البلاد على سياسات خارجية فاشلة يعمق فجوة الثقة مع المواطن، ما يجعل تجاهل هذه المطالب أو الاستخفاف بها عاملا إضافيا في تأزيم المشهد الداخلي.
المصدر:
سكاي نيوز