في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
كابل- أعاد العثور على حطام طائرة دون طيار في ولاية ميدان وردك، جنوبي العاصمة الأفغانية كابل، فتح ملف السيطرة على المجال الجوي الأفغاني، بعد أكثر من 3 سنوات على انسحاب القوات الأميركية.
ففي حين تداولت حسابات مقربة من حركة طالبان روايات غير رسمية عن سقوط الطائرة، يرجح خبراء عسكريون وتقنيون أن يكون الحادث ناتجا عن عطل فني أو ظروف تشغيلية، في ظل غياب أي إعلان رسمي يؤكد فرضية العمل العسكري.
ويثير الحادث، الذي تزامن مع تداول صور لحطام الطائرة على وسائل التواصل الاجتماعي، تساؤلات أوسع حول طبيعة الطلعات الجوية التي لا تزال تُنفذ فوق أفغانستان، وحدود قدرة السلطات الحالية على التحكم في الأجواء، إضافة إلى أبعاده الأمنية والإقليمية.
تداول نشطاء إعلاميون موالون لحركة طالبان -الخميس الماضي- صورا قالوا إنها لحطام طائرة مسيّرة سقطت على تلة مغطاة بالثلوج في ولاية وردك وسط أفغانستان، وظهرت في الصور عناصر من الحركة يقفون بالقرب من بقايا الطائرة، غير أن الحركة لم تصدر حتى الآن أي بيان رسمي يوضح ملابسات الحادث أو يعلن مسؤوليتها عن إسقاط الطائرة.
ولم تكن هذه الحادثة الأولى، إذ سبق تسجيل تحطم طائرة مسيرة في ولاية قندهار جنوبي أفغانستان خلال الفترة الماضية، دون صدور توضيح رسمي بشأن أسباب سقوطها، مما عزز حالة الغموض المحيطة بملف الطائرات بدون طيار في الأجواء الأفغانية.
ويقول المتحدث باسم الحكومة الأفغانية ذبيح الله مجاهد -في حديثه للجزيرة نت- إن "الطائرة سقطت في ولاية وردك، ولا نملك تفاصيل شاملة وإن تحقيقا بدأ حول ملابسات الحادث، ولا أستطيع تحديد هوية الطائرة، وننتظر إعلان نتيجة التحقيق".
ويرى جمال حبيبي، الباحث في شؤون الدفاع والأمن، أن المؤشرات التقنية لا تدعم فرضية إسقاط الطائرة، ويقول "يظهر من الصور أن جسم الطائرة بقي سليما نسبيا، وسقط الحطام في نطاق جغرافي محدود. في حالات الاستهداف بالصواريخ أو الدفاعات الجوية، عادة ما نشاهد احتراقا واسعا وتناثرا للشظايا على مساحة كبيرة، وهو ما لا نراه هنا".
ويضيف حبيبي -في حديثه للجزيرة نت- أن الظروف الجوية القاسية، مثل التجلد أو العواصف، إضافة إلى احتمال وجود خلل تقني أو نقص في الوقود، تُعد أسبابا أكثر ترجيحا، خاصة في المناطق الجبلية وسط أفغانستان، حيث تنخفض درجات الحرارة انخفاضا حادا خلال الشتاء، ويرجح أن الطائرة كانت في مهمة استخباراتية روتينية فوق أفغانستان.
وتدعم هذه الرواية إفادات مسؤول أمني أفغاني سابق، تحدث إلى الجزيرة نت، مع عدم الكشف عن هويته، مؤكدا أن الحكومة الحالية لا تمتلك الإمكانات الفنية اللازمة لإسقاط طائرات مسيّرة متطورة.
ويوضح أن هذا النوع من الطائرات يعمل على ارتفاعات متوسطة وعالية، مما يجعل استهدافه بالأسلحة الخفيفة أو المدفعية التقليدية أمرا غير ممكن، إذ يتطلب الأمر منظومات رادار فعالة وأنظمة صاروخية موجهة إلى جانب تدريب متخصص، وهي قدرات لا تتوفر لدى حركة طالبان.
ومنذ عودتها إلى الحكم، تحرص طالبان على التأكيد أنها تفرض سيطرة كاملة على الأراضي الأفغانية، بما في ذلك المجال الجوي، وكان وزير الدفاع الأفغاني محمد يعقوب مجاهد قد صرّح في وقت سابق بأن الولايات المتحدة دمرت معظم الرادارات الأفغانية عند انسحابها، وأن الحركة تسعى للتعاون مع دول أخرى لإدارة الأجواء، وأن واشنطن تنتهك الأجواء الأفغانية باستمرار، رغم دعوتها إلى احترام السيادة الوطنية.
غير أن خبراء يرون أن هذه التصريحات تعكس طموحات سياسية أكثر مما تستند إلى واقع عسكري فعلي، ويقول الكاتب والباحث السياسي رحيم الله أندر إن إسقاط طائرات مسيّرة متطورة يتطلب بنية تقنية متكاملة لا يمكن توفيرها أو تعويضها بسهولة أو خلال فترة زمنية قصيرة.
ويضيف في حديثه للجزيرة نت أن طالبان تسعى -على ما يبدو- إلى امتلاك مثل هذه القدرات، غير أن العملية تحتاج إلى وقت طويل وتدريب متخصص للكوادر، فضلا عن أن عدم الاعتراف الدولي بالحكومة الحالية يشكل عقبة إضافية أمام الحصول على هذه التقنيات.
وترتبط الحكومة الأفغانية الحالية بعلاقات سياسية ودبلوماسية مع عدد من الدول، من بينها روسيا و الصين و إيران، إضافة إلى الهند مؤخرا، وقد تحدثت بعض هذه الأطراف عن أوجه تعاون أمني أو استخباراتي مع كابل.
بيد أن مراقبين يستبعدون أن يتطور هذا التعاون، في المرحلة الراهنة على الأقل، إلى حد نقل أنظمة دفاع جوي متقدمة.
ويقارن أندر ذلك بتجربة جماعة الحوثي في اليمن، التي تمكنت من إسقاط طائرات مسيرة أميركية بدعم إيراني مباشر، معتبرا أن البيئة الأفغانية تختلف من حيث طبيعة الدعم الخارجي ومستواه ونوعيته.
وحسب بيانات شبكة سلامة الطيران الأميركية، فإن الطائرة التي تحطمت في ولاية ميدان وردك هي من طراز "إم كيو 9-إيه ريبر" الأميركية، إحدى أكثر الطائرات المسيرة تطورا في العالم.
وتُستخدم هذه الطائرة في مهام متعددة، تشمل الاستطلاع والمراقبة وجمع المعلومات الاستخباراتية، وتتبع الأهداف المتحركة، وتنفيذ ضربات دقيقة عند تسليحها.
وفي هذا السياق، قال المبعوث الأميركي السابق إلى أفغانستان زلماي خليل زاد، الذي زار البلاد قبيل الحادثة، في مقابلة مع قناة محلية، إن واشنطن تعتمد في سياستها الأمنية على جمع المعلومات الاستخباراتية واتخاذ إجراءات استباقية لمنع الهجمات.
وأضاف أن تحليق الطائرات الأميركية في الأجواء الأفغانية يأتي في إطار ما تصفه بالدفاع عن النفس، ولا يستهدف المصالح الأفغانية، مشددا على أن الحكومة الحالية لا تمتلك القدرات التقنية والعسكرية التي تخولها السيطرة الكاملة على أجوائها وأراضيها.
وتكشف حادثة ميدان وردك عن مفارقة لافتة في المشهد الأفغاني الراهن، من خلال سيطرة شبه كاملة على الأرض، مقابل فراغ في السماء، فبعد انسحاب القوات الأميركية عام 2021، أنهت واشنطن وجودها العسكري البري، لكنها واصلت عمليات المراقبة والاستخبارات عن بُعد.
ويُعد اغتيال زعيم تنظيم القاعدة أيمن الظواهري في قلب كابل عام 2022 -وفق الرواية الأميركية- بواسطة طائرة مسيرة، مثالا بارزا على استمرار التفوق الجوي والاستخباراتي الأميركي داخل أفغانستان.
في المقابل، تنفي الحكومة الأفغانية الحالية هذه الاتهامات، وتؤكد أن الأراضي الأفغانية لن تُستخدم ضد أي دولة، وأنها تفرض سيطرتها الكاملة على البلاد، ولا يوجد أي نشاط عسكري أو مسلح يهدد المجتمع الدولي، مشددة على التزامها باتفاق الدوحة.
وبين الروايات المتداولة عن إسقاط الطائرة، والتحليل التقني الذي يرجح تعرضها لعطل فني، تتجاوز حادثة تحطم الطائرة المسيرة في ولاية وردك كونها واقعة منفصلة، لتعكس واقعا أوسع يتعلق بحدود السيادة الجوية في أفغانستان.
ومع استمرار الطلعات الجوية الأجنبية، يبقى المجال الجوي الأفغاني أحد أكثر الملفات حساسية وتعقيدا، ضمن معادلة أمنية لم تُحسم ملامحها بعد.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة