أجرى الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان اتصالاً هاتفياً مع رئيس مجلس الوزراء ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان لتهنئته بعيد الفطر.
بطبيعة الحال، هذا ليس الاتصال الهاتفي الأول بين الجانبين، لكنه اتصال يتّسم بأهمية ملفتة، إذا ما وضعناه في إطار المتغيّرات والتطورات السياسية والأمنية في المنطقة، خاصة أن إيران سجّلت في الآونة الأخيرة مواقف واضحة، وجّهت من خلالها رسائل "تطمينية" إلى جيرانها، ولاسيما دول الخليج العربية، وأيضاً رسائل إلى واشنطن والإدارة الأمريكية الجديدة.
بحسب البيان السعودي الرسمي، بحث الاتصال بين بزشكيان وبن سلمان تطورات الأحداث في المنطقة، واستعرض عدداً من الموضوعات ذات الاهتمام المشترك.
أما البيان الإيراني، فكان أكثر شمولية، وتضمن تأكيداً إيرانياً على أن طهران لا تسعى لاستخدام الطاقة النووية غير السلمية، وأنها مستعدة للسماح بأن يتم التحقّق بشكل كامل من الأنشطة النووية الإيرانية، "كما حدث في كل الأعوام السابقة"، كما جاء في البيان.
البيان الإيراني تحدّث أيضاً عن أن طهران "مستعدة للتفاعل والتفاوض من أجل حل بعض التوترات، على أساس المصالح والاحترام المتبادل"، وأنها لا تبحث عن الحرب مع أي دولة، لكنها لن تتردّد في الدفاع عن نفسها، ذلك أن جاهزيتها وقدراتها في هذا الصدد في أعلى مستوى، وفق لما ورد في هذا البيان.
لكن الملفت في البيان الإيراني، أنه تطرّق إلى مواقف ولي العهد السعودي، عن أن التعاون بين إيران والسعودية والدول الأخرى في المنطقة، يمكن أن "يسهم بشكل فعّال في تعزيز الاستقرار وإرساء السلام، وأن الرياض مستعدة للعب دور في المساعدة على حل أي توتر وزعزعة للأمن في المنطقة".
فهل يعني هذا بداية وساطة سعودية بين واشنطن وطهران؟
نشطت الدبلوماسية السعودية في الأعوام السابقة على أكثر من جهة، فقامت المملكة بتحسين واستعادة علاقاتها مع دول عدة، في مقدمتها إيران.
هذا التحوّل في الدبلوماسية السعودية يعود لأسباب عدة، في مقدمتها رؤية المملكة 2030 والقائمة على جذب الاستثمارات الخارجية وتنويع مداخيل البلاد بعيداً عن العائدات النفطية، وبالتالي فإن أي صراعات أو حروب في المنطقة لن تنسجم مع هذه الرؤية. ومن الأسباب أيضاً، أن الرياض تريد الاستمرار في تفعيل دبلوماسيتها الدولية في حل النزاعات، لأن ذلك سيرسخ مكانتها في الأروقة الدولية، ويقوّي من تحالفاتها، لاسيما مع واشنطن.
أما إيران، فقد بعثت رسائل طمأنة كثيرة إلى جيرانها في الخليج ولاسيما السعودية، مفادها بأنها لن تقوم بتطوير سلاح نووي، وأن برنامجها النووي يقتصر على الأغراض السلمية. جاء هذا في وقت يتذكر فيه الجميع التصريحات السابقة والشهيرة لولي العهد السعودي قبل سنوات، التي أكد فيها أن بلاده ستمتلك سلاحاً نووياً إن فعلت إيران ذلك.
بدوره لم يستبعد الباحث في الشؤون الإيرانية حكم أمهز أن تلعب الرياض دور الوسيط في الملف الأمريكي الإيراني، معتبراً في مداخلة مع بي بي سي أن طهران ترحّب بالسعودية وسيطاً في هذا الملف، سواء تولته منفردة أم مع دول أخرى كقطر أو سلطنة عمان التي كانت عادة تقوم بدور الوسيط بين إيران والغرب. وأضاف: "نحن أبعد من أن نكون على أبواب حرب، أرى أن التسوية هي الأقرب إلى الواقع".
وفي سياق متصل، وفي وقت تكثّف فيه القوات الأمريكية حملتها العسكرية الجوية ضد حركة أنصار الله الحوثية في اليمن، برز تقرير إخباري نشرته صحيفة "التلغراف" البريطانية، ونقلت فيه عمن وصفته بأنه مسؤول إيراني رفيع قوله، إن طهران تخلّت عن حلفائها الحوثيين، وطلبت من أفرادها العسكريين مغادرة اليمن، لتجنّب مواجهة مباشرة مع واشنطن، في حال قُتل جندي إيراني بسبب الضربات الأمريكية المستمرة.
وبحسب الصحيفة، أكد المسؤول الإيراني الرفيع، أن بلاده قلّصت دعمها لحلفائها الإقليميين للتركيز على "التهديدات المباشرة من الولايات المتحدة". وقال لـ "التلغراف": "الرأي في إيران هو أن الحوثيين لن يتمكنوا من البقاء على قيد الحياة، وأنهم يعيشون أشهرهم أو حتى أيامهم الأخيرة، لذلك لا فائدة من إبقائهم في قائمتنا".
الباحث في الشؤون الإيرانية حكم أمهز شكّك في صحة ما نشرته الصحيفة البريطانية، وقال لبي بي سي: " ما ورد في التلغراف ليس صحيحاً، لأن إيران لن تتخلى عن حلفائها في عزّ الأزمة، لأن ذلك سيعني استسلاماً لواشنطن".
وأشار أمهز إلى أن الاتصال الذي جرى بين الرئيس الإيراني ومهدي محمد حسين المشاط، الذي عيّنته حركة أنصار الله رئيساً لما يُعرف بالمجلس السياسي الأعلى في اليمن، والذي أعقب نشر تقرير "التليغراف"، يمثل دليلاً على عدم تخلي إيران عن الحركة.
وفي الإطار عينه، استبعدت المحلّلة الإيرانية فرشته صادقي أن تتخلّى إيران بسهولة عن حركة أنصار الله الحوثية أو عن حركة حماس أو عن الجماعات الأخرى التي تدعمها.
لكنها أشارت في المقابل، إلى أن هناك احتمالاً بتخفيض وجود المستشارين العسكريين الإيرانيين في اليمن، موضحة في مقابلة مع بي بي سي عربي، أن الدافع لذلك لا يتمثل في احتمال وقوع مواجهة إيرانية- أمريكية، بل في السعي لتخفيف التوتر كمقدّمة لبدء حوار مع واشنطن.
وألمحت صادقي إلى إمكانية حدوث محادثات إيرانية غير مباشرة مع الولايات المتحدة في الأسابيع المقبلة، بهدف خفض التوتر والمواجهة، والذهاب إلى حوار بطريقة سلسة، وأيضاً لعدم إعطاء واشنطن ذريعة لـ " تخريب المفاوضات حتى قبل أن تبدأ"، بحسب تعبيرها.
كل هذا جاء في إطار سلسلة اتصالات أجراها الرئيس الإيراني مع قيادات خليجية مختلفة.
وسائل إعلام إيرانية نقلت عن أمير الكويت الشيخ مشعل الأحمد الصباح، أن بلاده تدعم وترحّب بحل النزاعات عبر الحوار، ومن دون اللجوء إلى القوة، وأنها لن تسمح بحدوث أي عمل عدواني من أراضيها ضد دولة أخرى، وأن هذا الموقف لن يتغيّر تحت تأثير أي عامل. موقف يُفهم على أنه رفض كويتي لاستخدام الأراضي الكويتية، أو مجالها الجوي لشنّ أي هجوم محتمل على إيران.