تواجه أنقرة احتمال ارتفاع كلفة تأمين الغاز أو اضطراب جزء من إمداداتها قبل الشتاء، بعدما أطلقت الولايات المتحدة حملة موسعة لعزل إيران اقتصاديًا، في وقت توفر فيه الأخيرة نحو 13% من واردات الغاز التركية وتحتل المرتبة الرابعة بين موردي تركيا.
واستوردت تركيا نحو 7.7 مليارات متر مكعب من الغاز الإيراني خلال 2025، بما يعادل 13.2% من إجمالي وارداتها، بعد روسيا وأذربيجان والولايات المتحدة، وفق تقرير هيئة تنظيم سوق الطاقة التركية.
وقد أفادت وكالة بلومبيرغ بأن التحذير الأمريكي من مواصلة التعامل الاقتصادي مع إيران يثير تساؤلات بشأن استمرار التدفقات عبر خط الأنابيب الإيراني، لا سيما أن تركيا تُعد ثالث أكبر شريك تجاري لطهران، كما تعتمد على الغاز الإيراني في تلبية جانب مهم من الطلب خلال الشتاء.
واستمرت تدفقات الغاز إلى تركيا منذ بدء الضربات الأمريكية والإسرائيلية على إيران أواخر فبراير/شباط الماضي، باستثناء انقطاع قصير عقب استهداف حقل فارس الجنوبي -وفق بلومبيرغ- ولم تعلن واشنطن حتى الآن مهلة خاصة بتركيا أو قرارًا يلزمها بوقف واردات الغاز، مما يجعل تعطل الإمدادات احتمالًا مرتبطًا بكيفية تنفيذ العقوبات.
أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية -أمس الاثنين- بدء عملية أطلقت عليها "الإقصاء الاقتصادي" تستهدف قطع مصادر الدخل والروابط المالية المتبقية لإيران، مع توسيع نطاق العقوبات الثانوية على الشركات والمؤسسات الأجنبية التي تواصل أنشطة اقتصادية تحددها واشنطن.
وقالت الوزارة إن فرقًا من وزارات الخزانة والخارجية والحرب بدأت التواصل مع حكومات أجنبية، وإن كل دولة ستحصل على جدول زمني محدد لوقف الأنشطة المرتبطة بإيران التي رصدتها الولايات المتحدة، محذرة من اتخاذ إجراءات ضد الدول أو الكيانات التي لا تستجيب.
كما تخضع القطاعات الخمسة للعقوبات القائمة على القطاعين المالي والنفطي والبتروكيميائي الإيرانيين، وقالت الخزانة الأمريكية إن أي جهة تساعد إيران في غسل الأموال أو التهرب من العقوبات قد تُحرم من الوصول إلى النظام المالي الأمريكي، مما يزيد المخاطر على البنوك والشركات التي تتعامل مع طهران.
وشملت قائمة مكتب مراقبة الأصول الأجنبية شركات مسجلة في تركيا، بينها "هوزور بلاستيك" و"أوشيدا للبتروكيماويات" و"سيلف بلاست" إلى جانب أفراد مرتبطين ببعضها، وهو ما يُظهر أن الجولة الجديدة بدأت بالفعل في الوصول إلى شبكات أعمال داخل السوق التركية.
تأتي الضغوط الأمريكية بعد انتهاء عقد توريد الغاز بين تركيا وإيران، الممتد 25 عامًا، نهاية يوليو/تموز الماضي. وكان العقد يتيح لأنقرة استيراد نحو 9.6 مليارات متر مكعب سنويًا عبر خط الأنابيب الذي يربط شمال غربي إيران بشرق تركيا.
ونقلت بلومبيرغ عن مصادر وصفتها بالمطلعة قولها إن تركيا واصلت استقبال الغاز الإيراني بعد انتهاء العقد، لكن الكميات الحالية تمثل "غازًا تعويضيًا" عن إمدادات سبق لأنقرة دفع قيمتها ولم تتسلمها خلال مدة الاتفاق، وليس بموجب عقد جديد طويل الأجل.
وكان وزير الطاقة التركي ألب أرسلان بيرقدار قد قال في أبريل/نيسان الماضي إن مفاوضات تمديد العقد لم تبدأ بسبب الحرب، لكنه أشار إلى أن تركيا قد تحتاج إلى خط الأنابيب والإمدادات الإيرانية لتعزيز أمنها من الطاقة، خصوصًا خلال فترات ذروة الطلب.
وتظهر بيانات هيئة تنظيم سوق الطاقة أن الاعتماد على إيران ازداد بعد اندلاع الحرب، إذ بلغت الواردات بين مارس/آذار ومايو/أيار 2026 نحو 2.72 مليار متر مكعب، بزيادة 39.6% عن الفترة المقابلة، وارتفعت حصة إيران إلى 18.6% من إجمالي الواردات التركية خلال الأشهر الثلاثة.
تستطيع أنقرة تعويض جانب من أي نقص محتمل بزيادة واردات الغاز الطبيعي المسال، بما في ذلك الشحنات الأمريكية، إذ أكد وزير الطاقة التركي أن بلاده تستورد الغاز المسال من نحو 12 دولة، إلى جانب إمدادات خطوط الأنابيب من 4 دول.
وقال بيرقدار في أغسطس/آب الجاري إن تركيا رفعت قدراتها لاستيراد الغاز المسال بنحو 5 أضعاف، وإن منشأتي التخزين تحت الأرض في سيليفري وبحيرة الملح وصلتا إلى نسبة امتلاء قدرها 100%. وتبلغ طاقتهما الإجمالية نحو 6.3 مليارات متر مكعب، وفق وزارة الطاقة التركية.
وتعمل تركيا أيضًا على رفع إنتاجها المحلي من حقل صقاريا في البحر الأسود، الذي ينتج حاليًا 9.5 ملايين متر مكعب يوميًا، أي ما يعادل نحو 3.5 مليارات متر مكعب سنويًا بحساب تقريبي، مقارنة بواردات بلغت 7.7 مليارات متر مكعب من إيران خلال العام الماضي.
وتستهدف أنقرة رفع إنتاج حقل صقاريا إلى 20 مليون متر مكعب يوميًا خلال الربع الأخير من 2026، ثم 45 مليونًا بحلول 2028 -حسب وزارة الطاقة- لكن هذه الزيادة لن تكتمل قبل موسم الشتاء المقبل.
وقال نهاد علي أوزجان الخبير في مركز أبحاث السياسات الاقتصادية التركي (تيباف) -لبلومبيرغ- إن تركيا قد تفضّل الاستجابة لمطالب واشنطن حفاظًا على تحسن العلاقات بين البلدين، حتى إذا اضطرت إلى شراء إمدادات طاقة بديلة أكثر كلفة.
وبذلك لا تعني العقوبات الجديدة توقف الغاز الإيراني فورًا، لكنها تضع تركيا أمام مفاضلة بين الحفاظ على أحد مصادرها الرئيسية منخفضة الكلفة نسبيًا، أو تجنب العقوبات الثانوية الأمريكية عبر زيادة واردات الغاز المسال وإعادة توزيع إمداداتها قبل ارتفاع الطلب الشتوي.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة