حاولت عدة شركات سيارات حول العالم إطلاق خدمات سيارات أجرة ذاتية القيادة خلال السنوات القليلة الماضية. لكن في معظم الأحيان تُلغى هذه الخطط بسرعة، إذ تتراجع الشركات بهدوء عنها بعد وقت قصير من الإعلان عنها.
تُعد تسلا واحدة من أبرز الشركات التي روجت لوعود الروبوت تاكسي، لكنها واجهت في الأشهر الأخيرة تباطؤا في الإطلاق، نتيجة الحاجة إلى تعزيز السلامة وحل التحديات التشغيلية والبرمجية التي ما زالت قائمة.
ومع ذلك، ليست تسلا الشركة الوحيدة التي تصطدم بهذه المشكلات، إذ تواجه عدد من شركات السيارات الأوروبية مثل فولكسفاغن وبي إم دبليو ومرسيدس-بنز عقبات كبيرة في خططها للروبوت تاكسي أيضا.
رغم أن صانعي السيارات التقليديين حققوا تقدما محدودا في مجال الروبوت تاكسي مؤخرا، فإن وتيرة التطور ما زالت بطيئة وغير متساوية عندما يتعلق الأمر بإطلاق هذه الخدمات على نطاق واسع.
أعلنت فولكسفاغن لأول مرة عن شراكة تجارية لخدمة الروبوت تاكسي مع أوبر في أبريل 2025، وذلك بعد أن أطلقت شركة فرعية للقيادة الذاتية باسم "VW ADMT" في يوليو 2023.
وفي يوليو من هذا العام، أطلقت الشركة أخيرا أول خدمة تجريبية فعلية لنقل الركاب بسيارات أجرة ذاتية القيادة عبر شركتها التابعة "مويا" في هامبورغ.
ورغم هذا المشروع التجريبي، لا يزال الإطلاق التجاري الكامل لسيارات فولكسفاغن الذاتية القيادة في أوروبا يواجه تحديات كبيرة، من بينها الجداول الزمنية التنظيمية الصارمة وارتفاع تكاليف المكونات المادية ومتطلبات وجود مراقبي سلامة إلزاميين، إضافة إلى عوامل أخرى.
تشترط اللوائح المرورية الأوروبية والألمانية بقاء مراقبي سلامة مدرَّبين خلف المقود خلال التجارب العامة، ما يجعل حصول فولكسفاغن على ترخيص تجاري لخدمة من دون سائق بالكامل أمرا غير مرجح قبل عام 2027 على الأقل.
وتتبنى أوروبا أيضا نهجا أكثر حذرا تجاه البرمجيات غير المثبتة، مقارنة بالولايات المتحدة والصين، وهو إشراف يتجنّب المخاطر ويؤدي غالبا إلى تأجيل تدريب الخوارزميات في البيئات الواقعية.
كما قد تجد الهيئات المحلية المعنية بالسلامة وإرشادات التحقيق في الحوادث في أوروبا صعوبة في مواكبة وتيرة الانتشار التجاري السريع لخدمات الروبوت تاكسي، ما يضيف طبقة أخرى من التعقيد.
أسهم ارتفاع تكاليف العتاد وتعقيد البرمجيات في إبطاء وتيرة الإطلاق أكثر. فقد علّقت بي إم دبليو مزايا "Personal Pilot" من فئة القيادة الذاتية بالمستوى الثالث التي تسمح للسائق برفع عينيه عن الطريق في طرازاتها الرئيسية، بسبب التكاليف المتصاعدة وضعف الطلب.
وبدلا من ذلك، حوّلت الشركة تركيزها الآن إلى أنظمة مساعدة متقدمة في القيادة من فئة المستوى الثاني المعزز "Level 2 Plus/DCAS"، حيث يبقى السائق مسؤولا عن السيارة وعن الانتباه للطريق.
وبالمثل، أنهت فولكسفاغن تحالفا سابقا للتطوير المشترك مع بوش بسبب ارتفاع التكاليف.
ويُظهر المستهلكون عزوفا متزايدا عن دفع مبالغ إضافية مقابل مزايا محدودة من القيادة الذاتية، ما عطّل في كثير من الحالات الجدوى الاقتصادية لأساطيل المركبات من دون سائق.
وزادت المنافسة بين الفاعلين الأوروبيين مثل مرسيدس-بنز، والشراكات المعتمدة على التكنولوجيا مثل التعاون بين "Uber-Autobrains/Wayve"، من ضغط السوق على أنظمة القيادة المساعدة والآلية.
كما أن شبكات النقل العام الحضرية القوية القائمة في معظم المدن الأوروبية دفعت التركيز نحو تعزيز تكامل وسائل النقل، بدلا من إضافة مزيد من خيارات طلب سيارات الأجرة عبر التطبيقات.
في حين تواصل أوروبا مواجهة صعوبات في تطوير مزايا القيادة الذاتية وإطلاق خدمات الروبوت تاكسي تجاريا، تمتلك الصين بالفعل سيارات أجرة ذاتية القيادة في عدد من مدنها مثل بكين وووهان وشينزين وقوانغتشو وشنغهاي.
وتعمل هذه الخدمات بشكل رئيسي ضمن مناطق تجريبية محددة جغرافيا وفي الأحياء الطرفية، وليس في كامل المراكز الحضرية الكبرى، فيما تمتلك مدن مثل ووهان وشينزين أساطيل تجارية واسعة تعمل على مدار 24 ساعة في اليوم طوال أيّام الأسبوع.
ويمكن للمستخدمين طلب هذه الرحلات عبر منصات وتطبيقات حجز منتشرة على نطاق واسع مثل "WeChat" و"Alipay".
كل ذلك يطرح سؤالا محوريا: ما الذي تفعله الصين بشكل صحيح في مجال الروبوت تاكسي ولا تزال أوروبا عاجزة عن مجاراته؟
أحد أبرز أسباب النمو المتسارع لخدمات الروبوت تاكسي في الصين هو الدعم الحكومي الواسع، إذ تدعم السياسات الحكومية تطوير القيادة الذاتية ضمن أهداف البلاد التكنولوجية الوطنية.
وسبب آخر هو أنه رغم مواجهة هذه الخدمات لمشكلات سلامة أيضا، مثل تعليق منح التراخيص عقب تعطّل مروري تقني في ووهان في أبريل من هذا العام، فإن إصدار التصاريح عاد ليتعافى تدريجيا اعتبارا من يوليو.
وبالتالي، لا تسمح الصين للعقبات التقنية العرضية بأن تبطئ المسار العام لنمو الروبوت تاكسي وانتشاره في مدنها.
كما أن قطاع تصنيع السيارات المحلي وسلسلة توريد المركبات الكهربائية عززا فرصا كبيرة للحصول على عتاد أرخص وتوسيع حجم الإنتاج.
وبالمثل، توفّر مدن مثل بكين وقوانغتشو فرصا واسعة لتدريب البرمجيات في مراكز حضرية مزدحمة، ما يساعد الخوارزميات على فهم سلوك المشاة والمركبات غير المتوقع.
وأظهر المستهلكون الصينيون استعدادا أكبر لركوب المركبات من دون سائق والثقة بها، مقارنة بالمستهلكين في أوروبا وأسواق غربية أخرى.
المصدر:
يورو نيوز
مصدر الصورة