يعلق نواب وأعضاء حزب العمال آمالا واسعة على آندي بيرنهام المرشح لزعامة الحزب، في تشكيل حكومة قادرة على مواجهة الأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي تعصف ببريطانيا في الوقت الحالي، وكانت السبب في تراجع شعبية الحزب في الانتخابات التي جرت في مايو/أيار الماضي.
وسبق أن واجه كير ستارمر رئيس الوزراء الحالي هذه الأزمات عقب فوزه بأغلبية كبيرة في الانتخابات العامة في يوليو/تموز 2024، لكنه لم ينجح في التعامل معها بشكل يرضي الناخبين، ما أدى لصعود حزب الإصلاح اليميني المتشدد بزعامة نايجل فاراج في الانتخابات الأخيرة، وكان هذا الصعود أحد أبرز أسباب الانتقادات لستارمر من جانب أعضاء حزبه.
ومع تصاعد الضغوط على ستارمر من نواب حزب العمال والوزراء في حكومته لم يجد مفرا سوى الإعلان عن تنحيه عن منصبه، وفتح الباب أمام المنافسة على زعامة الحزب التي تبدو محسومة لصالح بيرنهام، عمدة مانشستر الكبرى السابق، ليرث تلالا من المشكلات الاقتصادية التي سبق أن حاصرت ستارمر ولم يستطع الإفلات منها. ومن أبرزها ما يلي:
لعل أحد أبرز المشكلات التي يتعين على رئيس الحكومة البريطانية القادم التعامل معها العجز في الموازنة العامة، وزيادة القروض لتمويل هذا العجز حتى بلغ إجمالي الديون الحكومية البريطانية 3 تريليونات جنيه إسترليني ( 4 تريليونات دولار) وفق صحيفة تلغراف .
وبلغ حجم قروض الحكومة البريطانية 23.3 مليارات جنيه إسترليني ( 31.35 مليارات دولار) في مايو/أيار الماضي وحده، وفق الأرقام التي أعلنها مؤخرا مكتب الإحصاء القومي، ونشرتها صحيفة تلغراف، وتمثل زيادة بنسبة 30% عن القروض الحكومية في نفس الشهر من العام الماضي.
وارتفعت قيمة الفوائد التي دفعتها الحكومة البريطانية على السندات التي تعتمد عليها الحكومة لتمويل عجز الموازنة العامة في مايو/أيار إلى نحو 11.7 مليارات جنيه إسترليني ( 15.8 مليارات دولار)، وهي أعلى تكلفة شهرية مسجلة للفوائد.
وترجع الزيادة في القروض إلى ارتفاع نفقات الحكومة البريطانية لتمويل برامج دعم الطاقة والمساعدات الاجتماعية، علاوة على الارتفاع في سعر الفائدة على السندات البريطانية، مما يعني أن أي قرار لزيادة النفقات العامة لن يكون سهلا، إذ يجب البحث أولا عن مصادر لتمويل مثل هذه الزيادة.
تمثل الزيادة المطلوبة في نفقات الدفاع إحدى أهم المشكلات المالية التي عصفت بحكومة ستارمر مؤخرا، حيث استقال وزير الدفاع السابق جون هيلي من منصبه في وقت سابق من يونيو/حزيران الحالي احتجاجا على عدم زيادة الأموال المخصصة لنفقات الجيش بالشكل اللازم للحفاظ على أمن البلاد، وفق ما قاله هيلي.
ونقلت صحيفة تلغراف عن مصادرها أن بيرنهام عقد لقاءات مع نواب حزب العمال في البرلمان وأخبرهم بأنه سوف يزيد الأموال المخصصة للاستثمار في الدفاع بأكثر من مبلغ 13.5 مليارات جنيه إسترليني (نحو 18.2 مليارات دولار)، حسب خطة ستارمر.
لكن يبقى السؤال قائما عن مصدر الزيادة المنتظرة في نفقات الدفاع، خاصة في ظل نفقات ضخمة للمساعدات الاجتماعية.
وأشارت صحيفة نيويورك تايمز في تقرير لمراسلها في لندن، مايكل شير، إلى أن آندي بيرنهام، باعتباره رئيس الوزراء القادم، عليه أن يقرر ما سيفعله بشأن تمويل نفقات الدفاع: "هل يغضب الجيش بعدم تقديم ما يحتاجه لتمويل برامج الخدمات الاجتماعية؟ أم يخبر البريطانيين أن عليهم دفع المزيد مقابل خدمات أقل لتمويل جيش ضروري لحماية البلاد؟".
اضطرت وزيرة الخزانة البريطانية راشيل ريفز إلى التوسع في برامج الخدمات الاجتماعية لإرضاء القواعد الانتخابية لحزب العمال، ثم جاء إغلاق مضيق هرمز بعد اندلاع حرب إيران، وما أدى إليه من قفزة في أسعار الطاقة، ليزيد نفقات الحكومة من خلال برامج دعم الطاقة، ويفاقم من حجم القروض التي حصلت عليها الحكومة لتمويل هذه النفقات.
وحسب بيانات الحكومة البريطانية بلغت نفقات الخدمات والمساعدات الاجتماعية في موازنة عام 2026 نحو 333 مليار جنيه إسترليني ( 450 مليار دولار) وتمثل نحو ربع النفقات العامة كلها، بما فيها النفقات على التعليم والدفاع وغيرهما، كما تمثل نحو 10% من الناتج المحلي الإجمالي الذي بلغ نحو 3.03 تريليونات جنيه إسترليني ( 4 تريليونات دولار) في 2025، وفق بيانات مجلس العموم البريطاني.
وفق صحيفة تلغراف تجاوز عدد من يحصلون على مساعدات اجتماعية من الدولة بسبب مشكلات صحية، بما فيها المشكلات النفسية مثل القلق والاكتئاب، نحو 4 ملايين فرد، وهو ما ينتقده بشدة حزبا المحافظين والإصلاح وغيرهما من الأحزاب اليمينية. وهذا بدوره من الملفات الشائكة أمام بيرنهام، إذ إن تخفيض الأموال المخصصة للمساعدات الاجتماعية قد يلحق الضرر بشعبية حزب العمال.
لكن البديل، وهو زيادة الضرائب لتمويل نفقات حكومية أخرى، مثل الدفاع، سيشكل ضغطا كبيرا على قطاع الأعمال خاصة مع ضعف النمو الاقتصادي الذي بلغ نحو 0.6% في الربع الأول من العام الحالي، وكان 0.2% في الربع الأخير من عام 2025، أي نمو قريب من الصفر.
ويمثل ضعف النمو الاقتصادي مشكلة اقتصادية بالغة الأهمية فشل ستارمر في التعامل معها، رغم الحديث مرارا وتكرارا عن الحاجة لرفع معدلات النمو لخلق المزيد من الوظائف وزيادة إيرادات الدولة.
وأوضحت دراسة مؤخرا أن ضعف نمو الاقتصاد البريطاني يرتبط بشكل واضح بالخروج من الاتحاد الأوروبي، إذ تسبب البريكست في انخفاض الاستثمار في بريطانيا بنسبة تتراوح بين 12% و18%، وفقا لدراسة لمكتب مسؤولية الموازنة ، الذي أوضح أن البريكست تسبب في خسارة ما بين 6% و8% من الناتج المحلي الإجمالي لبريطانيا.
من الملاحظ أن ستارمر أعلن تنحيه عن منصبه قبل يوم واحد من ذكرى مرور 10 سنوات على الاستفتاء على خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، أو "البريكست" والذي صوت لصالحه 52% من الناخبين في 23 يونيو/حزيران 2016.
وتعاقب على رئاسة الحكومة البريطانية خلال السنوات العشر التي تلت الاستفتاء 6 رؤساء للحكومة، وينتظر أن يكون بيرنهام سابعهم، الأمر الذي يوضح الصعوبات التي يلاقيها من يتولى هذا المنصب في ظل الضغوط الاقتصادية التي فاقمها خروج بريطانيا من التكتل الأوروبي.
وأقر ستارمر بأن البريكست ألحق ضررا بالغا بالاقتصاد البريطاني، وقال إنه "جعل بريطانيا أفقر وأضعف"، وهو رأي غالبية البريطانيين، حيث ترى نسبة 65% منهم أنه تسبب في تراجع مستوى معيشتهم وتخفيض فرص العمل المتاحة للشباب، حسب استطلاع للرأي قام به المركز الأوروبي للعلاقات الخارجية مؤخرا.
لكن ستارمر، رغم إقراره بالخسائر التي سببها البريكست، رفض العودة للاتحاد الأوروبي بأي صورة خشية غضب قطاع من الناخبين البريطانيين لا يزال يعارض عضوية بريطانيا في الاتحاد الأوروبي، ويتزعمه فاراج أحد أبرز قادة حملة البريكست.
وبالمقابل يؤيد بيرنهام العودة للاتحاد الأوروبي، ولكنه بدوره أحجم عن الدخول في التفاصيل لنفس السبب، وهو الانقسام في المجتمع البريطاني تجاه هذه القضية الشائكة.
ومن ثم، على بيرنهام أن يحدد موقفا واضحا تجاه تفاصيل العلاقة مع الاتحاد الأوروبي، ومن بينها الموعد المقترح لمثل هذه العودة، وهل يقوم بإجراء استفتاء آخر، وهو أمر غير ضروري من الناحية القانونية، لكنه قد يكون هاما من الناحية السياسية.
كما يجب على بيرنهام تحديد نوعية عضوية بريطانيا في المؤسسات الأوروبية، إذ قد تكون عضوية كاملة، كما كانت قبل البريكست، أو تكون عضوية محدودة بالانضمام لاتفاقات أوروبية محددة.
وكان ويس ستريتينغ، وزير الصحة السابق الذي قد يتولى منصب وزير الخزانة في حكومة بيرنهام القادمة، وفق ما أشارت إليه صحيفة فايننشال تايمز ، بعد أن أكد دعمه لبيرنهام ورفض منافسته على قيادة الحزب، قد اقترح أن تنضم بريطانيا إلى الاتحاد الجمركي الأوروبي الذي يضمن حرية انتقال السلع، وليس الخدمات، ولا يتضمن حرية انتقال العمالة.
ملف الهجرة بدوره أحد الملفات الاقتصادية-السياسية الشائكة في بريطانيا، وأحد أبرز أسباب التصويت لصالح حزب الإصلاح اليميني في الانتخابات التي تمت في مايو/أيار الماضي، حيث وجه فاراج انتقادات حادة لستارمر بسبب ما يرى أنه إخفاق من جانب حكومة العمال في الحد من الهجرة غير الشرعية لبريطانيا.
وفي هذا السياق، أشار مراسل نيويورك تايمز في لندن إلى أن بيرنهام أعرب عن رغبته في السماح للمهاجرين بالاندماج الدائم في بريطانيا بشكل أسرع، لكنه قدم دعمه لوزيرة الداخلية شبانة محمود في جهودها للحد من الهجرة غير الشرعية.
وتجنب بيرنهام الخوض في تفاصيل قضية الهجرة التي تحظى بأهمية كبيرة لدى الناخبين البريطانيين، لكنه سيضطر للتعامل معها عندما يصل لرئاسة الحكومة.
لا شك أن بيرنهام يواجه خيارات صعبة في التعامل مع كل هذه الملفات الشائكة، ويبقى نجاحه في مواجهة الضغوط والمشكلات الاقتصادية والسياسية مرهونا بقدرته على إدارة هذه الملفات، وقد يثبت أنه أكثر قدرة من 6 رؤساء وزراء سابقين لبريطانيا في السنوات العشر الماضية.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة