تعد القفزة الأخيرة في معدل البطالة في بريطانيا -للوهلة الأولى- امتدادا لتباطؤ دوري يمر به سوق العمل، غير أن تزامنها مع مؤشرات نمو باهتة، وضعف في الإنتاجية، وتراجع في ثقة المستهلكين، يشي بأن الاقتصاد البريطاني يواجه اختبارا أعمق يمس قدرته على استعادة مسار نمو مستدام بعد أعوام من الصدمات المتراكمة.
وقد جاء الدعم الفصلي من قطاع التصنيع، واستمر قطاع البناء في تسجيل أداء هش، بينما استقرت الخدمات دون نمو يذكر للمرة الأولى منذ عامين.
يعزز ارتفاع البطالة التوقعات بأن يتجه بنك إنجلترا إلى تخفيف السياسة النقدية خلال الأشهر المقبلة، خاصة بعد أن أبقى في اجتماعه الأخير على سعر الفائدة عند 3.75%.
وتشير تقديرات بعض المستثمرين إلى احتمال خفضها بربع نقطة مئوية إلى 3.5% في اجتماع مارس/آذار المقبل، مع إمكانية الوصول إلى 3% خلال العام إذا استمرت مؤشرات الضعف.
وانخفض التضخم السنوي إلى 3% في يناير/كانون الثاني الماضي، مقارنة بـ3.4% في ديسمبر/كانون الأول الماضي، لكنه ظل أعلى من مستواه في الولايات المتحدة (2.4%) ومنطقة اليورو (1.7%)، ما يضع صانعي السياسات أمام معادلة دقيقة بين دعم النمو واحتواء ضغوط الأسعار الأساسية.
على المستوى المالي، يرى اقتصاديون أن الزيادات الضريبية الأخيرة، إضافة إلى رفع الحد الأدنى للأجور وارتفاع مساهمات التأمينات الاجتماعية، أسهمت في رفع تكلفة التوظيف، خاصة في قطاعات التجزئة والضيافة.
وتشير تقديرات إلى أن الأعباء الضريبية الإضافية بلغت نحو 40 مليار جنيه إسترليني (54.1 مليار دولار)، ما دفع بعض الشركات إلى تقليص خطط التوظيف. (الجنيه الإسترليني يعادل 1.35 دولارا أميركيا)
تتزامن هذه التطورات مع تراجع مؤشر ثقة المستهلك الصادر عن "إس أند بي غلوبال" إلى 44.8 نقطة في فبراير/شباط الماضي، دون مستوى 50 الفاصل بين النمو والانكماش المعنوي.
وأفاد المستهلكون بارتفاع مستويات الديون وتراجع توافر الائتمان، إلى جانب انخفاض الرغبة في الإنفاق الكبير إلى أدنى مستوى في عشرة أشهر.
في موازاة هذه التحديات الداخلية، يبرز أثر خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي ( بريكست) كعامل هيكلي لا يزال يلقي بظلاله على الأداء الاقتصادي.
وتشير دراسات حديثة أعدها باحثون في كلية لندن للاقتصاد بالتعاون مع اقتصاديين من جامعة ستانفورد إلى أن النمو والاستثمار والإنتاجية في المملكة المتحدة جاءت أضعف من اقتصادات متقدمة مماثلة منذ 2016، في ظل حالة ممتدة من عدم اليقين وإعادة ترتيب العلاقات التجارية.
وتقدر الكلفة التراكمية لهذا التحول بما يتراوح بين 6% و8% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول 2025، ما يعكس أثرا تدريجيا تراكم عبر السنوات وأسهم في تعميق ضغوط النمو الضعيف وسوق العمل.
يرى الخبير في الاقتصاد السياسي أحمد ياسين أن ما تشهده بريطانيا لا يمكن اختزاله في دورة اقتصادية عابرة، بل يعكس أزمة ممتدة في الإنتاجية. ويشير إلى أن مستويات الإنتاجية في المملكة المتحدة ظلت متراجعة مقارنة بالتكتلات الاقتصادية الكبرى، وهو ما يحد من قدرة الاقتصاد على توليد نمو قوي ومستدام.
ويلفت في حديث للجزيرة نت إلى أن ضعف الإنتاجية ينعكس مباشرة على سوق العمل، حيث لا تستطيع الشركات التوسع أو رفع الأجور بوتيرة كافية، ما يؤدي إلى فجوة بين تكاليف المعيشة والدخول.
ويضيف ياسين أن أي تحسن حقيقي في معدلات التوظيف يتطلب إعادة تحفيز الاستثمار، ولا سيما الاستثمار الأجنبي المباشر، بما يسمح بتحديث القاعدة الإنتاجية ورفع الكفاءة.
ويوضح أن ارتفاع مستويات الدين الأسري يمثل عاملا إضافيا يضغط على النشاط الاقتصادي، في اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على الاستهلاك الخاص. فمع تآكل القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة، يصبح المستهلك أكثر تحفظا في الإنفاق، ما يؤدي إلى تباطؤ الطلب المحلي، ومن ثم تراجع الحافز لدى الشركات للتوظيف أو التوسع.
ويشير ياسين إلى أن سوق العمل ليس سوى انعكاس مباشر للاختلالات الهيكلية الأوسع، مؤكدا أن معالجة البطالة لا يمكن أن تتم بمعزل عن إصلاحات أعمق في بيئة الاستثمار والإنتاجية.
من جهته، يرى الخبير الاقتصادي نهاد إسماعيل أن أحد أبرز أسباب ارتفاع البطالة يتمثل في زيادة تكلفة قطاع العمل، نتيجة رفع العبء الضريبي بنحو 40 مليار جنيه إسترليني، إضافة إلى زيادة مساهمات التأمينات الاجتماعية ورفع ضريبة العقارات على قطاعات التجزئة والضيافة.
وأشار إسماعيل في حديث للجزيرة نت إلى أن هذه الإجراءات أدت إلى تقليص هامش الربحية لدى الشركات، ما دفع بعضها إلى الحد من التوظيف أو تجميد خطط التوسع، خاصة في القطاعات كثيفة العمالة.
ويرى أن استمرار هذه السياسة قد يبقي معدلات البطالة عند مستويات مرتفعة نسبيا خلال الفترة المقبلة.
ويضيف إسماعيل أن ارتفاع المديونية الحكومية يمثل تحديا موازيا، إذ من المتوقع أن يبلغ الإنفاق العام نحو 1.37 تريليون جنيه إسترليني في 2026، بما يعادل نحو 45% من الناتج المحلي الإجمالي.
ويرى أن هذا المستوى من الإنفاق، دون تحقيق نمو قوي في القطاع المنتج، قد يفاقم الضغوط المالية على المدى المتوسط.
كما يشير إسماعيل إلى أن نظام الرعاية الاجتماعية، المتوقع أن تصل تكلفته إلى نحو 100 مليار جنيه إسترليني خلال السنوات المقبلة، يحتاج إلى إصلاحات هيكلية لضمان استدامته، في ظل تزايد الضغوط على المالية العامة.
وتبرز مسألة بطالة الشباب كأحد المؤشرات الأكثر حساسية، إذ ارتفعت إلى 14% للفئة العمرية بين 18 و24 عاما.
ويرى إسماعيل أن رفع الحد الأدنى لأجور الشباب، بالتوازي مع زيادة تكاليف التوظيف، دفع بعض أصحاب الأعمال إلى تفضيل توظيف ذوي الخبرة إذا كانت الأجور متقاربة، ما يقلص فرص الداخلين الجدد إلى سوق العمل.
وفي ضوء هذه المعطيات، يتفق الخبيران على أن خفض أسعار الفائدة قد يوفر دعما قصير الأجل للنشاط الاقتصادي، لكنه لن يكون كافيا لمعالجة التحديات البنيوية المرتبطة بالإنتاجية والاستثمار وتكلفة العمل.
وتبقى قدرة الاقتصاد البريطاني على الخروج من مسار النمو الضعيف رهنا بمدى نجاح السياسات الاقتصادية في تحقيق توازن بين تحفيز الاستثمار، وضبط المالية العامة، وتحسين بيئة الأعمال، بما يسمح بإعادة تنشيط سوق العمل بصورة مستدامة.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة