في خطوة تعكس التحولات الجيوسياسية والاقتصادية المتسارعة في القارة الأفريقية، يبرز ممر لوبيتو للسكك الحديدية كمشروع محوري لنقل المعادن الحيوية بين أنغولا وجمهورية الكونغو الديمقراطية ، في إطار دعم التحول العالمي نحو الطاقة النظيفة.
ويمثل المشروع، الذي تديره شركة "لوبيتو أتلانتيك ريلواي"، شراكة أوروبية-أنغولية تهدف إلى تحديث البنية التحتية، وتعزيز حركة التجارة الإقليمية، حسب مجلة أفريكا ريبورت.
يمتد الممر على مسافة تُقدّر بـ1800 كيلومتر، منها 1289 كيلومترا داخل أنغولا و450 كيلومترا داخل الكونغو الديمقراطية، ويربط ميناء لوبيتو بمدينة كولويزي الغنية بالنحاس والكوبالت.
وتُعد هذه المعادن من العناصر الأساسية في صناعة البطاريات وتقنيات الطاقة المتجددة، ما يمنح المشروع أهمية إستراتيجية في سياق التحول العالمي بقطاع الطاقة.
ويؤكد الرئيس التنفيذي الجديد للشركة نيكولا فورنييه أن المشروع لا يخدم فقط مصالح أنغولا والكونغو، بل يشكل أيضا بنية تحتية دولية ذات طابع تنموي.
وأشار فورنييه إلى أن النقل عبر السكك الحديدية يوفر حلا أكثر أمانا وأقل تلويثا مقارنة بالشاحنات، التي كانت الوسيلة التقليدية لنقل المعادن عبر موانئ جنوب وشرق أفريقيا مثل ديربان ودار السلام.
يحظى المشروع بدعم مباشر من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، حيث وافقت مؤسسة التمويل التنموي الأميركية على قرض بقيمة 553 مليون دولار أميركي في ديسمبر/كانون الأول 2024، خلال زيارة الرئيس الأميركي جو بايدن إلى أنغولا.
كما حصل تحالف أوروبي يضم شركات "ترافيغورا"، "موتا-إنجيل"، و"فيكتوريس" البلجيكية على امتياز لمدة 30 عاما لتشغيل الممر ومحطة تصدير المعادن.
وقد أثار هذا التحرك تحفظات في بكين، خاصة أن الصين كانت قد استثمرت نحو 1.3 مليار دولار أميركي في إعادة تأهيل الممر، وكانت تأمل في فوز تحالفها بالعقد.
لكن شركة "إل آي أر" بدأت فعليا تشغيل الممر في يناير/كانون الثاني 2024، تحت إدارة فورنييه، الذي يشرف على فريق يضم نحو 945 موظفا، معظمهم من المواطنين الأنغوليين.
حسب فورنييه، فإن الممر الجديد سيختصر زمن النقل من 35 يوما إلى 5 أيام فقط، ما يجعله أسرع 6 مرات من الممرات التقليدية.
وتتوقع الشركة نقل نحو 120 ألف طن من النحاس من كولويزي إلى لوبيتو، وكمية مماثلة من الكبريت في الاتجاه المعاكس خلال عام 2025، مع خطط لمضاعفة هذه الكميات بحلول عام 2026، لتصل إلى 750 ألف طن سنويا بحلول عام 2027.
كما تعمل الشركة على تطوير خدمات النقل الداخلي في أنغولا، بما يشمل المواد الغذائية ومواد البناء، إلى جانب التخطيط لإطلاق خدمات نقل الركاب بالتنسيق مع شركة السكك الحديدية الأنغولية.
رغم استمرار حركة القطارات بين ديلولو وكولويزي، فإن بعض أجزاء الممر داخل الكونغو الديمقراطية لا تزال بحاجة إلى تأهيل شامل.
وقد موّلت شركة "ترافيغورا" بالفعل نحو 100 مليون دولار أميركي لدعم شركة السكك الحديدية الكونغولية، حيث تجري أعمال ترميم للسكك والمحطات منذ أكثر من عام.
وفيما يتعلق بالتمويل، استثمر المساهمون الأوروبيون نحو 550 مليون دولار أميركي حتى الآن، وتجري مفاوضات مع بنك التنمية لجنوب أفريقيا ومؤسسة "دي إف سي" لتأمين تمويل إضافي، رغم تعقيدات الهياكل القانونية التي تطيل أمد التفاوض، خصوصا في ظل تعدد الجهات السيادية المعنية.
ورغم أن بعض المراقبين يرون في المشروع ردا إستراتيجيا على النفوذ الصيني في أفريقيا، يؤكد فورنييه أن الشركة تلتزم بدورها التجاري البحت، وتعمل مع جميع المناجم بغض النظر عن جنسية مالكيها.
وشدد على أن الطلب العالمي على النحاس والمعادن الحيوية سيظل ثابتا، ما يجعل نموذج الشركة قادرا على الصمود أمام التقلبات الجيوسياسية.
وتتوقع الشركة أن يتبع نمو الإيرادات وتيرة نمو حجم النقل، مع خطط لتخصيص جزء من القدرة التشغيلية لنقل الركاب بعد عام 2027.
أما التوسع خارج أنغولا والكونغو، فلا يدخل ضمن نطاق عمل الشركة حاليا.
ورغم أن بعض الابتكارات مثل إدارة الكبريت دون تلوث قد تُعتمد في موانئ أفريقية أخرى، في إطار ما يُعرف بمبادرة "الشراكة من أجل البنية التحتية العالمية"، التي أطلقتها أميركا والاتحاد الأوروبي عام 2022 لمواجهة مشاريع "الحزام والطريق" الصينية.