آخر الأخبار

من تحت أشجار حي القوز بالخرطوم.. "فطور الجمعة" يطلق شرارة الإعمار

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

بعد أشهر من النزوح الذي فرضته الحرب، بدأ سكان حي القوز، أحد أقدم أحياء الخرطوم، استعادة حياتهم تدريجيا، فعادوا إلى منازل أنهكها الدمار، وإلى شوارع غابت عنها مظاهر الحياة، حاملين معهم رغبة في ترميم ما تبقّى واستعادة روابط الجيرة.

وفي قصة أعدّها الصحفي عبد العزيز والي للجزيرة، تبدو مائدة "فطور الجمعة" أكثر من تجمع لتناول الطعام، إذ تحولت تحت ظلال الأشجار إلى مساحة يستعيد فيها الأهالي علاقاتهم، ويتناقشون في احتياجات الحي، وينسقون جهودهم لإعادة الإعمار.

ويقول رضا حسن، أحد سكان حي القوز، إن فكرة الإفطار الجماعي بدأت بمبادرة بسيطة من جاره الراحل نور النعيم، الذي دعاه في أحد أيام الجمعة إلى تناول الإفطار معا خارج المنزل، قبل أن ينضم إليهما آخرون.

ويستعيد رضا تفاصيل البداية قائلا إن الجار جاء حاملا بعض الطعام، واقترح أن يفطرا معا، فخرجا من المنزل وفرشا ما لديهما أمام البيت. ومع مرور الأسابيع، اتسعت الدائرة، وتحول اللقاء العفوي إلى عادة أسبوعية تجمع سكان الحي.

ومع تكرار اللقاء كل جمعة، استعاد سكان الحي جانبا من علاقاتهم التي قطعتها أشهر النزوح. يتبادلون أخبار العائدين، ويتفقدون أحوال بعضهم، ثم ينتقل الحديث إلى احتياجات القوز وما يمكن إنجازه بإمكانات السكان، لتتحول المائدة تدريجيا إلى مساحة لتنظيم العمل الأهلي.

من المائدة إلى الشارع

يوضح عروة محمد، أحد سكان الحي، أن الإفطار أعاد التواصل بين الأهالي بعد شهور من التشتت، بعدما ظل كثيرون ينتظرون العودة إلى الخرطوم والجلوس مجددا مع جيرانهم وأقاربهم، ومع استقرار العائدين، اتسعت أحاديث المائدة لتشمل احتياجات المنطقة وما يمكن إنجازه بجهود سكانها.

وتصدرت الكهرباء والمياه قائمة احتياجات الحي التي بحثها الأهالي خلال تلك اللقاءات، في ظل تراجع الخدمات عقب الحرب. ومن المائدة الأسبوعية، بدأ السكان توزيع المهام وتنسيق الجهود للعثور على حلول محلية وفق الإمكانات المتاحة.

إعلان

وامتدت المبادرات إلى تنظيف الشوارع وإزالة الأنقاض ومخلفات الحرب. وبدأت الحملة من شارع واحد، قبل أن تتوسع إلى بقية الحي عقب دعوات أطلقت من المسجد لحث العائدين على المشاركة، بما في ذلك إزالة بعض الذخائر والأسلحة التي ظلت متناثرة في مواقع متفرقة.

ويقول محمد جعفر، أحد سكان القوز، إن الشباب بادروا إلى مساعدة الأسر العائدة إلى منازلها، فيفتحون البيوت وينظفونها ويجهزونها للسكن، في مشهد يعكس حجم الاعتماد على الجهود المحلية لتخفيف أعباء العودة واستعادة الحياة في الحي.

وتكشف هذه المبادرات عن تحول الإفطار من لقاء اجتماعي إلى نقطة انطلاق لتنظيم العمل الأهلي، فحين يصل أحد السكان الجدد إلى الحي، يجد من يساعده في تنظيف منزله وإزالة آثار الحرب، في صورة تعكس تماسك المجتمع المحلي.

العودة تبدأ من أصحابها

ويستعيد جعفر الأيام الأولى للعودة، حين كان حي القوز يفتقر إلى معظم الخدمات، قبل أن تبدأ الكهرباء في العودة تدريجيا مع استمرار جهود الأهالي، ويرى أن تجربة الحي تؤكد قدرة المبادرات المجتمعية على سد جانب من الفراغ الذي خلّفته الحرب.

أما عروة محمد، فيختصر فلسفة التجربة بالقول إن أحدا لن يعمر البيت بدلا من صاحبه، وإن العودة إلى الديار تمثل الخطوة الأولى لإعادة بنائها. وبالنسبة إليه، فإن إعادة الإعمار تبدأ من الصفر، لكنها تصبح ممكنة حين تتكاتف الأيدي.

وبين الأشجار التي احتضنت أولى موائد "فطور الجمعة"، يجلس الرجال في حلقات متجاورة يتبادلون الحديث والطعام، ويناقشون شؤون الحي، في مشهد بسيط لكنه يعكس محاولة سكان القوز استعادة إيقاع الحياة، وتحويل التضامن من قيمة اجتماعية إلى أداة لإعادة البناء.

وتحمل تجربة القوز دلالة تتجاوز حدود الحي، إذ تُظهر كيف يمكن للمجتمعات المحلية أن تبدأ ترميم ما خلّفته الحرب بإمكاناتها المحدودة، من خلال استعادة الثقة بين سكانها، وتنظيم المبادرات، وتحويل اللقاءات اليومية إلى مساحات للعمل الجماعي.

وفي حي أنهكته الحرب وأجبرت سكانه على النزوح، اتخذت عودة الحياة خطواتها الأولى من مائدة إفطار تحت الأشجار، جار يساعد جاره، وشباب ينظفون الشوارع، وأهالٍ يعيدون تأهيل بيوتهم؛ تفاصيل صغيرة تتجمع لتشكل بداية عملية لإعادة بناء الحي.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار