آخر الأخبار

قلعة الشقيف أرنون: ماذا نعرف عن القلعة التي أعلن الجيش الإسرائيلي السيطرة عليها؟

شارك
مصدر الصورة
Published
مدة القراءة: 5 دقائق

أعلن الجيش الإسرائيلي، صباح الأحد، إحكام سيطرته على قلعة الشقيف أرنون، المعروفة أيضاً باسم قلعة بوفور، الاستراتيجية في جنوب لبنان، عقب اشتباكات ميدانية مدعومة بغطاء ناري مكثف من القوات البرية والجوية، في خطوة تعكس تحولاً ميدانياً لافتاً في مسار العمليات العسكرية بالمنطقة.

وقال وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، على قناته في تطبيق تلغرام، إنه "بعد 44 عاماً من معركة بوفور البطولية، وفي اليوم الذي نحيي فيه ذكرى الجنود الذين سقطوا خلال حرب لبنان الأولى (1982)، عاد الجنود إلى قلعة بوفور ورفعوا علم إسرائيل هناك من جديد".

وكانت القلعة قد شهدت خلال الأيام الأخيرة تطورات عسكرية وأمنية أعادت الموقع التاريخي إلى واجهة الأحداث في جنوب لبنان، وسط التصعيد المستمر بين إسرائيل وحزب الله.

وقد استنكرت بلدية أرنون القصف الإسرائيلي الذي طال القلعة خلال الأيام الماضية، معتبرة أن استهدافها يُعد اعتداءً على معلم أثري وتراثي يتمتع منذ عام 2024 بـ "الحماية المعززة" بموجب البروتوكول الثاني لاتفاقية لاهاي الخاصة بحماية الممتلكات الثقافية أثناء النزاعات المسلحة.

وتُعد القلعة واحدة من أبرز القلاع التاريخية في جنوب لبنان وأكثرها ارتباطاً بتاريخ الصراعات والحروب التي شهدتها المنطقة عبر قرون طويلة، وتقع على تلة صخرية شاهقة في بلدة أرنون بمحافظة النبطية، وتشرف على مجرى نهر الليطاني وسهول الجنوب اللبناني، مما منحها أهمية استراتيجية وعسكرية جعلتها هدفاً دائماً للقوى المتنافسة منذ العصور الوسطى وحتى العصر الحديث.

في أي عصر شُيّدت؟

مصدر الصورة

يعود تاريخ بناء القلعة إلى فترات قديمة، إلا أن المصادر التاريخية تختلف حول الجهة التي شيدتها أول مرة، ويعتقد عدد من المؤرخين أن أصلها يعود إلى العصر الفينيقي أو الروماني، قبل أن يعاد بناؤها وتحصينها خلال الحقبة الصليبية في القرن الثاني عشر الميلادي.

وقد عُرفت في المصادر الغربية باسم "بوفور" المشتقة من الفرنسية القديمة وتعني "القلعة الجميلة" أو "الحصن الجميل"، في إشارة إلى موقعها المرتفع وإطلالتها الواسعة على المناطق المحيطة.

وتتميز قلعة الشقيف أرنون ببنائها المعماري الفريد الذي يجمع بين الطابع الصليبي والعناصر الشرقية الإسلامية، فالقلعة مبنية على هضبة صخرية شديدة الانحدار، مما يجعل الوصول إليها صعباً من عدة جهات، وتضم ممرات حجرية ضيقة وغرفاً محصنة وخزانات مياه وآباراً كانت تسمح للمقاتلين بالصمود لفترات طويلة أثناء الحصار.

وخلال الحروب الصليبية، أصبحت القلعة جزءاً من شبكة التحصينات التي أقامها الصليبيون في بلاد الشام لحماية طرق التجارة والاتصال بين الساحل والداخل، وتميز موقعها بقدرتها على مراقبة الطرق المؤدية إلى فلسطين والجليل، الأمر الذي جعلها هدفاً للجيوش الإسلامية التي سعت لاستعادة السيطرة على المنطقة.

وفي عام 1190 تقريباً، دخلت القلعة ضمن نفوذ صلاح الدين الأيوبي بعد سلسلة من المعارك مع الصليبيين، لكنها شهدت لاحقاً فترات متقطعة من السيطرة المتبادلة بين القوى المتصارعة.

ومع تعاقب العصور، خضعت القلعة لعمليات ترميم وتحصين متعددة، خصوصاً خلال الحقبة المملوكية ثم العثمانية، إلا أن أهميتها العسكرية تراجعت تدريجياً مع تطور أساليب الحرب والأسلحة الحديثة، لتتحول مع الوقت إلى معلم تاريخي يرمز إلى تاريخ الجنوب اللبناني وتعقيداته السياسية والعسكرية.

التاريخ الحديث

مصدر الصورة

ورغم هذا التراجع النسبي في دورها العسكري التقليدي، عادت قلعة الشقيف أرنون إلى الواجهة بقوة خلال النصف الثاني من القرن العشرين، مع تصاعد الصراع العربي الإسرائيلي وتحول جنوب لبنان إلى ساحة مواجهة مفتوحة، فبعد الاجتياحات الإسرائيلية المتكررة للجنوب، اكتسبت القلعة أهمية كبيرة بسبب موقعها المرتفع المطل على مناطق واسعة من شمال إسرائيل وجنوب لبنان، مما جعلها نقطة مراقبة وتحكم استراتيجية.

وخلال الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982، تحولت القلعة إلى واحدة من أشهر ساحات المواجهة بين القوات الإسرائيلية والمقاتلين الفلسطينيين واللبنانيين، فقد تمركزت فيها مجموعات من "منظمة التحرير الفلسطينية" وقوات لبنانية متحالفة معها، واستفادت من طبيعة القلعة الصخرية والتحصينات القديمة في مواجهة القوات المهاجمة، ودارت معارك عنيفة حول الموقع.

وقد وثقت الصحافة العالمية آنذاك شراسة القتال الذي شهدته القلعة، خصوصاً أن القوات الإسرائيلية كانت تتوقع سقوط الموقع بسرعة بسبب التفوق العسكري الكبير الذي امتلكته، وقد أصبحت معركة الشقيف واحدة من أكثر معارك الاجتياح الإسرائيلي شهرة، حتى أنها حظيت بمكانة خاصة في الرواية العسكرية الإسرائيلية واللبنانية على حد سواء.

وبعد سيطرة إسرائيل على القلعة، استخدمتها القوات الإسرائيلية لفترة طويلة كنقطة مراقبة عسكرية متقدمة ضمن ما كان يعرف بـ "الشريط الحدودي" الذي احتلته إسرائيل في جنوب لبنان حتى عام 2000، واستفادت إسرائيل من الموقع الجغرافي المرتفع للقلعة لمراقبة تحركات عناصر حزب الله والقرى الجنوبية، كما جرى تحصينها.

وارتبط اسم الشقيف خلال التسعينيات من القرن الماضي بعمليات القصف والاشتباكات المتكررة بين حزب الله والقوات الإسرائيلية، وعندما انسحبت إسرائيل من جنوب لبنان في مايو/أيار من عام 2000، استعادت الدولة اللبنانية السيطرة على القلعة.

فتحها أمام الزوار

مصدر الصورة

وفي السنوات التالية، بدأت جهود لترميم القلعة وإعادة فتحها أمام الزوار والسياح، رغم الأضرار الكبيرة التي لحقت بها جراء الحروب والقصف، وأصبحت القلعة مقصداً للزوار اللبنانيين والأجانب المهتمين بتاريخ المنطقة، كما تحولت إلى محطة أساسية في الذاكرة الجماعية لسكان الجنوب اللبناني الذين عاشوا سنوات الاحتلال والحرب.

ورغم الطابع العسكري الذي طغى على تاريخ القلعة خلال العقود الأخيرة، فإنها تحمل أيضاً قيمة ثقافية وسياحية كبيرة، فهي تمثل جزءاً من التراث التاريخي اللبناني، وتعكس تعاقب الحضارات والقوى التي مرت على بلاد الشام عبر قرون طويلة، كما أنها تُظهر كيف يمكن للمواقع التاريخية أن تتحول من آثار قديمة إلى رموز سياسية وعسكرية معاصرة بفعل التحولات الإقليمية والصراعات الحديثة.

وفي السنوات الأخيرة، ازداد الاهتمام بتوثيق تاريخ القلعة وإدراجها ضمن المسارات السياحية والثقافية في جنوب لبنان، خصوصاً مع تنامي الاهتمام بالسياحة التاريخية والتراثية، كما ظهرت دعوات للحفاظ عليها وترميم الأجزاء المتضررة منها، باعتبارها جزءاً من الهوية الثقافية والوطنية للبنان.

ومع استمرار التوترات في جنوب لبنان بين حين وآخر، تبقى قلعة الشقيف أرنون شاهداً على تاريخ طويل من الحروب والتحولات السياسية والعسكرية في المنطقة، فهي ليست مجرد بناء حجري قديم، بل موقع تختلط فيه الذاكرة التاريخية بالصراع المعاصر.

بي بي سي المصدر: بي بي سي
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار