في خطوة تاريخية أعادت رسم خارطة النفوذ الرقمي عالميا، أعلنت كوريا الجنوبية رسميا عن دخول "قانون الذكاء الاصطناعي الأساسي" (AI Basic Act) حيز التنفيذ الكامل، لتصبح بذلك أول دولة في العالم تطبق قوانين شاملة تنظم هذه التكنولوجيا المتسارعة، متفوقة بجدولها الزمني على الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة.
ويأتي القانون الجديد استجابة للمخاوف المتزايدة من المحتوى المضلل، حيث بموجب هذا القانون، بات لزاما على كافة الشركات المزودة لخدمات الذكاء الاصطناعي التوليدي دمج علامات مائية رقمية غير مرئية (Watermarks) في كافة الصور والفيديوهات والملفات الصوتية المنتجة آليا.
وهذه العلامات ليست مجرد شعارات صورية، بل هي "بصمات تقنية" تتيح للمنصات والمستخدمين كشف المحتوى المولد اصطناعيا بضغطة زر، مما يضع حدا لانتشار عمليات "التزييف العميق" (Deepfake) التي هددت الأمن المجتمعي والعمليات السياسية مؤخرا.
يعتمد القانون الكوري نهجا "قائما على المخاطر"، حيث لا يتعامل مع كل أنظمة الذكاء الاصطناعي بنفس الحدة، بل يركز ثقله على المجالات الأكثر حساسية:
على المستوى المحلي، لا يهدف القانون فقط لحماية المستهلك، بل لإعادة هيكلة الاقتصاد الكوري ليكون "اقتصاد ذكاء اصطناعي موثوق":
تأثير هذا القانون يتجاوز حدود شبه الجزيرة الكورية ليصدم النظام العالمي في ثلاث نقاط:
1. كسر احتكار "بروكسل" للتشريع
لسنوات، كان الاتحاد الأوروبي هو من يضع القواعد الرقمية للعالم (تأثير بروكسل)، وكوريا الجنوبية، بسبقها في التنفيذ الفعلي، قدمت نموذجا أكثر مرونة وسرعة، وقد تجد الدول الآسيوية ودول الشرق الأوسط في النموذج الكوري "المتوازن" بديلا جذابا عن النموذج الأوروبي الذي يراه البعض "بيروقراطيا ومعقدا".
2. معايير تقنية عالمية جديدة
عندما تلتزم شركات مثل "أوبن إيه آي" (OpenAI) و"غوغل" (Google) بالمعايير الكورية (مثل العلامة المائية) للعمل في السوق الكوري الضخم، فمن المرجح تقنيا أن تطبق هذه المعايير على برمجياتها عالميا بدلا من بناء نسخة خاصة لكل دولة، مما يجعل من "سول" المحرك الفعلي للمعايير التقنية العالمية.
3. التموضع الجيوسياسي
من خلال هذا القانون، تضع كوريا الجنوبية نفسها كـ"قوة ثالثة" بين الصراع التكنولوجي الأميركي-الصيني. وهي تقدم نموذجا ديمقراطيا منظما، بعيدا عن الرقابة الصينية المطلقة أو التحرر الأميركي المفرط، مما يجعلها مركزا عالميا (Hub) لبيانات الذكاء الاصطناعي الموثوقة.
رغم الإشادات، لا يخلو القانون من تحديات، مثل تكاليف الامتثال، فالشركات الصغيرة تشتكي من أن تطبيق "العلامة المائية" والرقابة البشرية يتطلب موارد مالية وتقنية قد تفوق قدرتها، مما قد يؤدي لاندماج الصغار تحت مظلة الكبار.
كما يخشى البعض أن تؤدي هذه القيود إلى إبطاء سرعة تطوير الخوارزميات مقارنة بالدول التي لا تفرض قيودا، مما قد يؤدي لتراجع تنافسية كوريا في المدى الطويل.
إضافة لذلك، فإن العلامات المائية "غير المرئية" لا تزال تقنية قابلة للاختراق أو الحذف من قبل قراصنة محترفين، مما يضع القانون أمام اختبار دائم للتطور التقني المستمر.
لكن رغم ذلك يقول المراقبون إن قانون الذكاء الاصطناعي الكوري ليس مجرد حزمة من المواد القانونية، بل هو إعلان عن رغبة البشرية في استعادة السيطرة على أدواتها. ومن خلال إلزام الشركات بالشفافية والمساءلة، تضع كوريا الجنوبية حجر الأساس لعصر جديد يكون فيه الذكاء الاصطناعي شريكا آمنا وليس تهديدا مجهولا.
وسيحدد نجاح أو فشل التجربة الكورية خلال العامين القادمين بشكل نهائي كيف ستتعامل بقية دول العالم مع هذه الثورة. ولكن المؤكد اليوم هو أن "سول" قد كتبت الفصل الأول في كتاب قوانين المستقبل، وعلى بقية العالم الآن أن يقرأ بعناية.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة