حساب مزيف ورسالة مشفرة فتحت الصندوق الأسود.. كيف بدأت أخطر قضية في تاريخ البريميرليغ؟
في صباح أحد أيام يناير/كانون الثاني 2017، وصل إلى مسؤول بارز في مانشستر سيتي بريد إلكتروني بدا عاديا. حمل اسم الاتحاد الأوروبي لكرة القدم "يويفا"، وأرفق رابطا لتحميل تقرير عن الالتزام المالي للنادي.
ضغط المسؤول زر التحميل… كانت تلك النقرة كافية لفتح الطريق أمام البرتغالي روي بنتو إلى خوادم النادي.
قصص مقترحة
list of 2 items* list 1 of 2 هل يدفع لاعبو مانشستر سيتي الثمن مع إنجلترا؟.. توخيل يجيب
* list 2 of 2 أزمة جديدة بعد إدانة السيتي.. تصريحات بيرنهام تفتح ملف العلاقة بين السياسة والكرة الإنجليزية end of list
لم يكن البريد صادرا عن "يويفا"، وإنما جزءا من عملية اختراق إلكتروني نفذها بنتو، الذي تمكن بعدها من الوصول إلى آلاف الرسائل والوثائق الداخلية. وبعد نحو عقد، أصبحت بعض تلك المواد نقطة البداية في تحقيقات انتهت إلى واحدة من أعقد وأشرس القضايا المالية والقانونية التي عرفتها كرة القدم الإنجليزية.
وكشف تحقيق نشره موقع "ذا أثلتيك"، الخميس، تفاصيل جديدة عن القضية التي أدانت فيها لجنة مستقلة مانشستر سيتي في معظم الاتهامات التي وجهها إليه الدوري الإنجليزي الممتاز، بينها إخفاء ما يزيد على 1.05 مليار دولار) من التمويل، وإنشاء ترتيبات تجارية وصفتها اللجنة بأنها صورية، وإخفاء القيمة الحقيقية لبعض عقود العاملين.
ويرفض مانشستر سيتي هذه النتائج، وقدم استئنافا رسميا، مؤكدا أن قرار اللجنة يتضمن "أخطاء جوهرية" في القانون والوقائع والمبادئ، وأن لديه أدلة يقول إنها تثبت براءته.
لكن الوصول إلى هذا الحكم استغرق سنوات من التحقيقات، وملايين الوثائق، ومعارك قانونية بدأت من تسريب إلكتروني وامتدت إلى تفاصيل عقود الرعاية ومكافآت اللاعبين والمدربين.
من رسالة إلكترونية إلى تحقيقين
ظهرت أولى الوثائق المسربة إلى العلن عام 2018، عندما نشرت مجلة "دير شبيغل" الألمانية سلسلة تحقيقات استندت إلى مواد حصل عليها بنتو.
ركزت القضية في بدايتها على ما إذا كان مانشستر سيتي قد حصل على أموالا مصدرها مالك النادي عبر شركات راعية، ثم سجلها في حساباته باعتبارها إيرادات تجارية مستقلة، وهو ما كان سيمنحه مساحة أكبر للإنفاق ضمن قواعد اللعب المالي النظيف.
تحرك "يويفا"، وانتهى تحقيقه عام 2020 إلى إيقاف النادي موسمين عن البطولات الأوروبية.
استأنف سيتي أمام محكمة التحكيم الرياضي "كاس"، التي ألغت العقوبة. واستبعدت المحكمة جانبا كبيرا من الأدلة بسبب مرور المدة القانونية المحددة للنظر فيها.
احتفل النادي يومها بانتصار قانوني كبير، ثم مضى في مشروعه الرياضي حتى توج بدوري أبطال أوروبا عام 2023.
لكن خلف الكواليس، كان هناك تحقيق آخر يكبر مثل الكرة الثلج. الدوري الإنجليزي لم يكن مقيدا بالحدود الزمنية نفسها التي واجهت "يويفا"، كما امتلك صلاحية إلزام النادي بتقديم وثائق داخلية لم تكن متاحة للمحققين الأوروبيين. وهنا تغير حجم القضية ومسارها ومجراها.
ملايين الوثائق
بحسب "ذا أثلتيك"، دخل الدوري الإنجليزي ومانشستر سيتي خلال النصف الأول من عام 2021 في مواجهة قانونية حادة حول حجم الوثائق التي يتعين على النادي تسليمها.
طلب الدوري نطاقا واسعا من الملفات، بينما سعى سيتي إلى تضييقه بدعوى أن بعض المواد سرية أو لا صلة لها بالقضية. وتشير اللجنة المستقلة في قرارها إلى أن عملية البحث شملت "ملايين الوثائق".
في البداية، وضع النادي المواد المطلوبة على خادم يسمح له بمعرفة الأشخاص الذين يدخلون إليها، ويمنع نسخ النصوص ولصقها، وهو ما أدى إلى إبطاء عمل المحققين، وفقا لمصادر تحدثت إلى "ذا أثلتيك". وبعد جولات قانونية إضافية، نقلت الملفات إلى منصة أسهل استخداما.
لكن ظهرت مشكلة أخرى عندما نشرت "دير شبيغل" دفعة جديدة من الوثائق عام 2022، إذ لاحظ محققو الدوري أن بعض الرسائل التي ظهرت في التحقيق الصحفي لم تكن ضمن المواد التي سلمها مانشستر سيتي.
وانتهت اللجنة المستقلة لاحقا إلى أن النادي بذل جهودا لعرقلة التحقيق، وأدانته في عدد من الاتهامات المتعلقة بعدم التعاون، بينما يرفض سيتي هذا التوصيف ضمن اعتراضه الأوسع على الحكم.
من 405 ملايين إلى 1.12 مليار دولار
الفارق الأكبر بين تحقيق "يويفا" وتحقيق الدوري الإنجليزي ظهر في حجم الأموال محل القضية.
قدرت التحقيقات الأوروبية الأموال المرتبطة بالتمويل المموه بنحو 405 ملايين دولار.
أما الدوري الإنجليزي، فامتد فحصه إلى مواسم لاحقة وحصل على وثائق إضافية، وانتهى إلى رقم يزيد على 1.12 مليار دولار، وهو الرقم الذي قبلته اللجنة المستقلة، بحسب "ذا أثلتيك".
فخلال 9 سنوات، أعلن مانشستر سيتي إيرادات تجارية بلغت نحو 1.28 مليار دولار. ويجادل الدوري بأن نحو 162 مليون دولار فقط جاءت فعليا من الشركات الراعية، بينما جرى تمرير أكثر من 1.12 مليار دولار إلى النادي عبر تلك الشركات في صورة إيرادات تجارية.
وكان لهذا الفارق أثر مباشر في حسابات قواعد الربحية والاستدامة، لأن زيادة الإيرادات التجارية تعني زيادة قدرة النادي على الإنفاق من دون تجاوز سقوف الخسائر المسموح بها.
وتحول التحقيق عند هذه النقطة من سؤال عن طريقة تمويل الرعايات إلى مراجعة مواسم كاملة، ونتائج مباريات، ومكافآت استحقت بسبب ما حدث داخل الملعب.
خسارة نهائي الكأس خلقت فجوة بـ27 مليون دولار
من بين الأمثلة التي تناولها قرار اللجنة كان موسم (2012-2013)، خسر مانشستر سيتي نهائي كأس الاتحاد الإنجليزي أمام ويغان بهدف في الوقت بدل الضائع، ثم أقال مدربه روبرتو مانشيني وجهازه.
وبحسب أشخاص مطلعين على القضية تحدثوا إلى "ذا أثلتيك"، ترتب على الإقالة التزام مالي بنحو 27 مليون دولار. وتقول اللجنة إن دفع المبلغ كان سيترك النادي بعيدا بنحو 13.4 مليون دولار عن الالتزام بقواعد اللعب المالي النظيف لذلك الموسم.
مصدر الصورة
وخلال أيام، عُدلت مجموعة من اتفاقيات الرعاية لزيادة الإيرادات المسجلة، وإضافة مكافآت مرتبطة بأحداث كانت قد وقعت بالفعل، وتمويل جولة أميركية.
ويقول مطلعون على الإجراءات إن النادي طلب أيضا من بعض الرعاة دفع مكافآت مرتبطة بنهائي كأس الاتحاد كما لو أن الفريق فاز بالمباراة، رغم خسارته أمام ويغان.
وتقدم هذه الواقعة مثالا على النقطة المركزية في القضية، كيف يمكن لنتيجة مباراة واحدة أن تخلق التزاما ماليا، ثم يظهر تعديل تجاري في الحسابات يساعد على استيعابه.
حتى هدف أغويرو دخل الحسابات
وصل التحقيق أيضا إلى واحدة من أشهر اللحظات في تاريخ الدوري الإنجليزي. في مايو/أيار 2012، سجل سيرجيو أغويرو هدفه الشهير أمام كوينز بارك رينجرز في الوقت بدل الضائع، ومنح مانشستر سيتي أول لقب له في الدوري الممتاز منذ عقود.
مصدر الصورة
كان للهدف ثمن آخر داخل الحسابات، فالفوز باللقب فعّل مجموعة من المكافآت المستحقة للاعبين والعاملين بالنادي. وبحسب الدوري الإنجليزي، كان دفع تلك المكافآت سيضغط على قدرة النادي على الالتزام بالقواعد المالية، لولا الإيرادات التي يرى المحققون أنها دخلت عبر منظومة التمويل المموه مرة أخرى.
من أين جاءت الأموال؟
حاول محققو الدوري تتبع الطريق الذي سلكته الأموال قبل أن تظهر في حسابات النادي. ويتكرر في قرار اللجنة اسم جهة يشار إليها اختصارا بـ"CPC"، من دون شرح كامل لوظيفتها في النسخة المنشورة من الحكم. وكان "ذا أثلتيك" قد كشف في مارس/آذار 2025 هوية شخص ظهر في القضية السابقة لدى "يويفا" تحت اسم "الشخص إكس"، وتبين، وفق محامي مانشستر سيتي، أنه جابر محمد.
وشغل محمد منصب المدير العام لديوان ولي عهد أبو ظبي، وهي جهة حكومية كانت تدير الشؤون العامة لولي العهد آنذاك، محمد بن زايد. وأصبحت هذه الصلة محورية في القضية لأنها فتحت سؤالا عن مصدر الأموال التي وصلت إلى شركات راعية مثل الاتحاد للطيران واتصالات، ثم دخلت في حسابات مانشستر سيتي.
بينما يؤكد النادي أن مجموعة أبو ظبي المتحدة، المالكة لسيتي، تعمل باستقلال عن حكومة الإمارات.
"تفسير ديوان ولي العهد"
اعتمد مانشستر سيتي في دفاعه أمام لجنة الدوري على ما وصف في الحكم بـ"تفسير CPC".
وبحسب "ذا أثلتيك"، قال النادي إن ديوان ولي العهد كان يقدم بصورة مشروعة دعما ماليا لجهات مرتبطة بالدولة، بينها شركات راعية لسيتي، وإن الأموال جاءت من هذا المسار، وليس من مالك النادي بصورة مباشرة. بالنسبة لمانشستر سيتي، كان ذلك فارقا جوهريا في الدفاع.
فإذا جاءت الأموال من جهة حكومية إلى شركة راعية قبل وصولها إلى النادي، يرى دفاع سيتي أن ذلك يختلف عن قيام المالك بتمويل الرعاية بنفسه ثم تقديمها كإيراد تجاري.
لكن رفضت اللجنة هذا التفسير، وذهبت في قرارها إلى أنه صيغ بعد الواقعة لإخفاء حقيقة منظومة التمويل، وفقا لما نقلته "ذا أثلتيك".
كما قالت اللجنة إن بعض الشهادات المقدمة لمصلحة النادي تضمنت معلومات غير صحيحة في نقاط أساسية، وإن بعض أصحابها أدلوا بمعلومات كانوا يعرفون أنها غير صحيحة.
وأشار خبراء قانونيون تحدث إليهم الموقع إلى قوة هذه العبارات، بالنظر إلى المستوى المرتفع من الإثبات المطلوب عند توجيه استنتاجات من هذا النوع.
سوريانو والمبارك وبيرس أمام المحققين
لم تقتصر التحقيقات على الوثائق، سعى الدوري إلى مقابلة عدد من الشخصيات التي أدارت مانشستر سيتي خلال السنوات محل الفحص، وشملت المقابلات الرئيس التنفيذي فيران سوريانو، ورئيس مجلس الإدارة خلدون المبارك، وعضو مجلس الإدارة سايمون بيرس.
وحظي بيرس باهتمام خاص بسبب دوره في النشاط التجاري للنادي وصلاته بأبو ظبي، إذ يعمل أيضا مستشارا خاصا لخلدون المبارك في جهاز الشؤون التنفيذية. وسأله المحققون عن استخدامه بريده الإلكتروني الحكومي في مراسلات تخص أعمال مانشستر سيتي ظهرت ضمن تسريبات "دير شبيغل".
مصدر الصورة
وكان بيرس قد تحدث في إجراءات "يويفا" السابقة عن وجود التباس لدى بعض موظفي النادي بشأن الطريقة التي كانت تمول بها بعض الرعايات، وهو تفسير عاد للظهور بصور مختلفة خلال القضية.
ولم يخضع الشيخ منصور بن زايد، مالك النادي، للمقابلة ضمن التحقيق، كما لم يُستجوب عمر برادة، الرئيس التنفيذي الحالي لمانشستر يونايتد الذي عمل سابقا في مناصب تجارية داخل مانشستر سيتي، إذ لم يعتبره المحققون شخصا محوريا في القضية.
نحو 135 مليون دولار في موسم واحد
تظهر واحدة من أكثر الأرقام لفتا للانتباه في موسم (2017-2018)، عندما حقق مانشستر سيتي أول لقب دوري تحت قيادة بيب غوارديولا ووصل إلى 100 نقطة.
وفقا لأشخاص مطلعين على القضية تحدثوا إلى "ذا أثلتيك"، رأى محققو الدوري أن النادي كان سيتجاوز حدود قواعد الربحية والاستدامة بنحو 135 مليون دولار في ذلك الموسم إذا استبعدت الأموال التي اعتبروها تمويلا مموها، ويمنح الرقم فكرة عن حجم القضية عند مقارنته بحالات سابقة.
فقد عوقب إيفرتون بعد تجاوزه حدود الخسائر المسموح بها بنحو 26.3 مليون دولار في موسم (2021-2022)، وبدأت عقوبته بخصم 10 نقاط قبل تخفيضها إلى 6 عند الاستئناف.
كما أُلزم لاحقا بدفع أكثر من 47.3 مليون دولار إلى بيرنلي تعويضا عن أضرار مرتبطة بهبوطه في ذلك الموسم، وهو قرار يستأنفه إيفرتون.
ولا تقدم هذه السوابق معادلة جاهزة لعقوبة مانشستر سيتي، لكنها توضح الفارق في حجم الأرقام محل النظر.
معركة بدأت قبل الجلسة واستمرت داخلها
يصف أشخاص شاركوا في الإجراءات والجلسات القانونية بين الدوري وسيتي بأنها كانت شديدة منذ المراحل التحضيرية. واستمر الأسلوب نفسه بعد بدء جلسات النظر والاستماع الرئيسية في سبتمبر/أيلول 2024، والتي امتدت نحو 3 أشهر.
وقالت اللجنة المستقلة في حكمها إن الطرفين خاضا الإجراءات بقوة شديدة، وإن كل نقطة تقريبا كانت موضع نزاع. وأن القضية تحولت إلى معارك على تعريف كل عنصر فيها ابتداء من مصدر المال، طبيعة العلاقة بين الرعاة والمالك، معنى الرسائل الداخلية، صدقية الشهود، حجم الوثائق المطلوبة، وحتى الأحداث التي يمكن الرجوع إليها بعد مرور سنوات.
وبعد ما يقارب عقدا من رسالة الاختراق الأولى، انتهت المرحلة الأولى بحكم ضد النادي. أما الحرب، فمستمرة.
قدم مانشستر سيتي استئنافه مساء الخميس، وجدد الجمعة موقفه بأنه بريء من اتهامات الدوري، وأن لديه "مجموعة شاملة من الأدلة القاطعة" التي تدعم دفاعه وتثبت براءته.
وبعد انتهاء مسار الاستئناف، تبدأ مرحلة النظر في العقوبة التي قد تُفرض على مانشستر سيتي، في وقت تقول فيه رابطة الدوري إن جلسة تحديد الجزاء ستعقد في أقرب فرصة ممكنة.
وبذلك تعود القضية إلى النقطة التي بدأت منها قبل سنوات، إلى الوثائق نفسها التي حاول كل طرف أن يخلق منها قصة مختلفة. الدوري يرى فيها منظومة استمرت سنوات في إخفاء مئات الملايين، ومانشستر سيتي يقول إنها لا تثبت ما خلصت إليه اللجنة.
أما النقرة التي أطلق بها مسؤول في النادي ملفا ظنه تقريرا من "يويفا" صباح يوم من يناير/كانون الثاني 2017، فقد تحولت بعد 10 سنوات إلى قضية تهدد بإعادة كتابة جانب كامل من تاريخ مانشستر سيتي في عصره الحديث.