مع انطلاق الأدوار الإقصائية لكأس العالم لكرة القدم، فرض أسلوب التحكيم الأكثر تساهلاً نفسه كسمة فارقة في هذه النسخة من البطولة، إذ بات الحكام يمنحون الأولوية لاستمرارية اللعب بدلاً من إيقافه عند حدوث احتكاكات بدنية طفيفة.
هذا التوجه التحكيمي شجع على تجنب إطلاق الصافرة في المخالفات البسيطة، وهو ما ساهم بشكل مباشر في تقليص فترات توقف اللعب وزيادة الوقت الفعلي للمباريات، في بطولة تتسم أصلاً بغزارة تهديفية وشراسة تنافسية لافتة.
ويرى خبراء في علوم البيانات والإعداد البدني والتحكيم أن هذا النهج، بالتوازي مع التطور في قدرات اللاعبين البدنية، جعل من هذه النسخة الأسرع والأكثر تطلباً بدنياً في تاريخ المونديال.
وعلى الرغم من الترحيب الواسع بهذه التغييرات، إلا أن المختصين يحذرون من تبعاتها، إذ يواجه اللاعبون الذين يفتقرون إلى الجاهزية البدنية الكاملة -لا سيما العائدون من إصابات تؤثر على الحركات الانفجارية كالركض والتسارع- صعوبات بالغة في مجاراة النسق البدني المرتفع للمباريات.
وفي هذا السياق، أوضح كريس ويست، مدرب اللياقة البدنية لكرة القدم في جامعة كونيتيكت، أن تحليل البيانات من بطولات كأس العالم الثلاث الأخيرة يُظهر تقارباً في المسافات التي يقطعها اللاعبون، إلا أن الفارق الجوهري يكمن في ارتفاع معدلات التسارع والركض السريع.
وأشار ويست إلى أن الفرق باتت تتبنى إستراتيجية الضغط العالي لاستعادة الكرة وليس فقط لتعطيل البناء الهجومي للمنافس، مما يضطر اللاعبين لمواصلة الركض بسرعات عالية حتى بعد فقدان الكرة، مضيفاً: "أصبحت اللعبة أكثر حدة". ساهم التوجه التحكيمي المتساهل في رفع وتيرة اللقاءات.
وفي هذا الصدد، أشاد المحلل التلفزيوني البرازيلي، ليديو كارمونا، خلال تغطيته لمباراة أوروغواي وإسبانيا في دور المجموعات، باستعداد الحكم لتجاهل العديد من التدخلات البدنية، معتبراً أن إتاحة استمرار اللعب رغم الطابع البدني القوي يخدم "انسيابية" المباريات، وهو ما يتماشى مع رؤية بييرلويجي كولينا، رئيس لجنة الحكام في الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا)، الذي يسعى لتقليل فترات توقف المباريات لتحسين جودتها.
وقد انعكست هذه التوجهات في الإحصائيات التي رصدها مركز أبحاث (نتسي سبورت) التابع لجامعة نورث إيسترن؛ حيث انخفض عدد الأخطاء المحتسبة في المباراة الواحدة إلى 24.3 مخالفة هذا العام، مقارنة بـ 27.7 في عام 2022، و29.3 في نسخة 2018. وفي الوقت الذي تراجع فيه عدد البطاقات الصفراء، سجلت البطولة ارتفاعاً في حالات الطرد بالبطاقات الحمراء. كما أظهر التحليل أن مرحلة المجموعات كانت الأكثر غزارة تهديفية في العصر الحديث بمعدل 2.95 هدفا للمباراة الواحدة، متجاوزة الرقم القياسي المسجل في مونديال البرازيل 2014 والذي بلغ 2.83 هدفا.
من جهته، يرى مارك كلاتنبرغ، محلل قوانين كرة القدم في قناة "فوكس" والحكم السابق في الدوري الإنجليزي الممتاز، أن الحكام النخبة باتوا يختارون اللحظات المناسبة لاتخاذ القرارات، مما يسمح للنجوم بإبراز مهاراتهم، مؤكداً خلال مباراة ألمانيا وساحل العاج أن المباريات باتت أكثر انسيابية وجودة.
تحديات بدنية وإصابات في مقابل ذلك، تضع هذه الكثافة البدنية أجساد اللاعبين تحت ضغط كبير. ويؤكد ويست أن عضلات الفخذ الخلفية والساق هي الأكثر عرضة للإصابة في ظل هذا النسق المرتفع.
وقد برزت تداعيات ذلك على نجوم كبار؛ حيث يعاني المهاجم البرازيلي نيمار من إصابة في ربلة الساق أعاقت قدرته على استعادة كامل لياقته مقارنة بزملاء المهنة مثل ليونيل ميسي وكيليان مبابي. وتعيش البرازيل حالة من القلق بشأن لاعبيها، لا سيما رافينيا الذي أصيب في عضلات الفخذ الخلفية خلال مواجهة هايتي. وفي حين رفض الاتحاد البرازيلي لكرة القدم التعليق على حالة لاعبيه أو علاقة كثافة المباريات بزيادة مخاطر الإصابة، تتسع قائمة اللاعبين الذين يعانون من مشاكل عضلية مشابهة، مثل صانع ألعاب المنتخب الأمريكي كريستيان بوليسيك الذي يتعافى من إصابة في ربلة الساق، والإنجليزي ريس جيمس الذي ما زال يعاني من مشكلة في عضلات الفخذ.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة