آخر الأخبار

"اللاعب المحلي أم المغترب؟.. صراع تمثيل المنتخبات العربية يتجدد قبل مونديال 2026

شارك

مع كل موعد مونديالي، يعود إلى الواجهة السؤال الصعب: من الأحق بتمثيل المنتخب.. ابن الدوري المحلي أم اللاعب المغترب؟ هذه المنافسة تكتسب طابعا خاصا وحساسية شديدة عندما يتعلق الأمر بكأس العالم؛ فالحدث عالمي، والفرصة لا تتكرر كثيراً، مما يجعل الصراع على المقاعد يتجاوز حدود المنافسات الإقليمية والقارية.

ولا يرتبط هذا الجدل فقط بالقيمة الرمزية للمونديال، بل أيضا بطبيعة توقيته، إذ تتوقف الدوريات والبطولات الكبرى في أوروبا والعالم العربي خلال فترة كأس العالم، ما يمنح اللاعبين فرصة كاملة للتركيز والاستعداد والمشاركة، على عكس البطولات القارية والإقليمية التي تُقام غالبا وسط ضغط المنافسات الأوروبية من دوريات ودوري أبطال أوروبا والدوري الأوروبي ودوري المؤتمر.

مصدر الصورة منتخب المغرب خلال كأس أفريقيا 2025 (رويترز)

ويزداد الجدل قوة بسبب طبيعة المنافسة نفسها، فبطولة كأس العالم تجمع نخبة المنتخبات واللاعبين في العالم، وهو ما يخلق انطباعا سائدا بأن اللاعب المغترب أو المحترف في أوروبا يمتلك أفضلية فنية وبدنية وتكتيكية تسمح له بمجاراة النسق العالمي، خلافا للاعب المحلي.

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 شاهد.. زياش ينقذ الوداد بـ "هاتريك" مثير ويشعل صراع اللقب
* list 2 of 2 تفوق على درجال.. يونس محمود رئيسا للاتحاد العراقي لكرة القدم end of list

ولو سلّمنا بهذا الطرح بشكل مطلق، لانتهى النقاش منذ سنوات، ولأصبحت أحقية اللاعب المغترب في تمثيل المنتخبات العربية أمرا محسومًا. لكن التجارب المونديالية المتعددة أثبتت العكس مرارا.

ففي أكثر من مناسبة، ظهر اللاعب المحلي بمستوى فني وشخصية قوية، ولعب دون عقدة نقص أمام كبار العالم، بل إن حضوره كان أحيانا أفضل وأكثر تأثيرا من اللاعب المغترب. كما أثبتت تجارب منتخبات عربية اعتمدت بدرجات متفاوتة على اللاعب المحلي أن الفرضية القائلة بتفوق “الخواجة” بشكل دائم ليست صحيحة بالضرورة.

مصدر الصورة الجزائر تخوض غمار بطولة كأس العالم 2026 ضمن المجموعة العاشرة (رويترز)

وقد أعادت القوائم الموسعة للمنتخبات العربية التي تعتمد على المزج بين المحليين والمغتربين -مثل المغرب والجزائر وتونس، ومصر بدرجة أقل، والعراق نسبيا- فتح النقاش مجددا حول نظرة الفنيين للاعب المحلي، وحدود الثقة الممنوحة له داخل المشاريع الرياضية العربية.

عقدة "المغترب" ومقاعد البدلاء

استدعى محمد وهبي، مدرب منتخب المغرب، 7 أسماء محلية ضمن قائمته الموسعة قبل الحسم النهائي في القائمة التي ستمثل "أسود الأطلس" في مونديال 2026.

إعلان

وضمت القائمة حارسي الرجاء ونهضة بركان المهدي الأحرار ومنير الكجوي، إضافة إلى سعدان مروان مدافع الفتح الرباطي، وسفيان بنجديدة لاعب المغرب الفاسي، وهي أسماء ما تزال تنشط في البطولة المغربية.

مصدر الصورة مدرب منتخب المغرب محمد وهبي خلال ودية المغرب ضد الإكوادور (غيتي)

كما ضمت القائمة محمد الشيبي مدافع بيراميدز المصري، وسفيان بوفتيني لاعب الوصل الإماراتي، ويوسف بلعمري لاعب الأهلي المصري، وهم لاعبون ينشطون في بطولات عربية خارج المغرب.

في المقابل، لم تشمل القائمة الموسعة بعض الأسماء المرتبطة بالتزامات مع أنديتها مثل ياسين بونو مع الهلال السعودي، وأشرف حكيمي مع باريس سان جيرمان، وعز الدين أوناحي مع جيرونا.

ومن أصل 28 لاعبا، تبدو حصة اللاعب المحلي ضعيفة للغاية، إذ لم تضم القائمة سوى 7 لاعبين محليين، من بينهم حارسا مرمى، ما يفتح الباب مجددا للتساؤل حول موقع لاعب البطولة المحلية في تصور الناخب الوطني.

الصورة نفسها تتكرر في الجزائر. فالمدرب فلاديمير بيتكوفيتش استدعى 11 لاعبا فقط من البطولة الجزائرية ضمن قائمة موسعة ضمت 55 اسما، بينهم 6 حراس مرمى.

مصدر الصورة السويسري بيتكوفيتش مدرب منتخب الجزائر خلال مباراة الكونغو الديموقراطية (رويترز)

وضمت القائمة شعال ورمضان من مولودية الجزائر، وبن بوط من اتحاد العاصمة، وبولحفاية من شباب قسنطينة، وقندوز من شباب بلوزداد، إلى جانب سعدي رضواني ومحمد رضا حلايمية ونوفل خاسف وأشرف عبادة وزين الدين بلعيد.

لكن اللافت أن القائمة لم تتضمن أي لاعب وسط أو مهاجم ينشط داخل البطولة الجزائرية، رغم وجود أسماء محلية متألقة، في حين ضمت لاعبين سبق لهم اللعب في الدوري الجزائري ويحترفون حاليا في البطولات العربية مثل بغداد بونجاح وياسين براهيمي وعادل بولبينة.

ويتوقع أن يتراجع الحضور المحلي أكثر في القائمة النهائية، مع إمكانية الاكتفاء بـ3 لاعبين فقط من البطولة الجزائرية.

الأمر ذاته ينطبق على تونس، حيث أعلن صبري لموشي قائمة ضمت 6 لاعبين فقط من البطولة المحلية، بينهم 3 حراس مرمى.

مصدر الصورة مؤتمر المدرب صبري لموشي لإعلان قائمة منتخب تونس لمونديال 2026 (الفرنسية)

والمفارقة أن تونس لم تكن تاريخيا تعتمد بشكل واسع على المغتربين مقارنة بالمغرب والجزائر، لكنها اليوم تتجه تدريجيا نحو توسيع قاعدة اللاعبين الناشطين في أوروبا، ما قلص مساحة اللاعب المحلي بصورة واضحة.

أما العراق، فيبدو حالة مختلفة نسبيا، إذ يعد من النماذج العربية الأكثر توازنا بين اللاعب المحلي والمحترف أو المغترب، في حين تبقى منتخبات قطر والسعودية ومصر والأردن الأكثر اعتمادا على اللاعب المحلي، ليس بالضرورة نتيجة قناعة فنية مطلقة، بل بسبب محدودية قاعدة المغتربين في أوروبا مقارنة ببلدان المغرب العربي.


* الأفضلية بين الواقعية والمجاملة

يحظى اللاعب المغترب بأفضلية شبه مطلقة مقارنة باللاعب المحلي، حتى وإن كان الأخير يقدم مستويات تنافسية عالية داخل بطولته.

وتتعدد الأسباب وراء ذلك.


* أولها ما يمكن تسميته بـ "عقدة الأجنبي "، إذ ما يزال جزء من العقل الكروي العربي ينظر إلى القادم من أوروبا باعتباره أفضل تكوينا وحياة وانضباطا وحتى مظهرا، قبل الحديث عن الجوانب الفنية.
* وثانيها جلد الذات، فهناك تسليم ضمني بأن ما تنتجه البطولات المحلية أقل قيمة مهما ارتفع مستواه، وأن اللاعب المحلي يبقى أدنى من نظيره الأوروبي بصورة تلقائية.

* أما العامل الثالث فيرتبط بـ"العرض والطلب"، فالعديد من الاتحادات تبذل جهودا كبيرة لإقناع اللاعبين المغتربين بتمثيل منتخبات أصولهم، ما يجعلها أكثر استعدادا لتقديم امتيازات أو ضمانات ضمنية، سواء تعلق الأمر بالمكانة داخل المنتخب أو أولوية الاستدعاء.
إعلان

في المقابل، لا يحظى اللاعب المحلي بالدعم نفسه، وغالبا ما يبقى رهين ضغط الإعلام المحلي أو الرأي العام.


* لكن المشكلة الأكبر تكمن في معايير التقييم نفسها.

فمن غير المنطقي، مثلا، تهميش لاعب محلي متألق يشارك بانتظام قاريا ومحليا، لصالح لاعب احتياطي في فريق أوروبي من درجة ثانية أو ثالثة فقط لأنه "يحترف في أوروبا".

ولا يعني وجود لاعب في ناد أوروبي كبير أنه أفضل تلقائيا من لاعب محلي يملك نسقا تنافسيا أعلى وحضورا أكثر استقرارا.

فاللاعب يُقاس بمردوده، واستمراريته، وقدرته على العطاء داخل مركزه، لا بجواز سفره الرياضي فقط.


* تأثير ذلك على البطولات المحلية

هذا التوجه لا ينعكس فقط على خيارات المنتخبات الوطنية، بل يترك آثارا عميقة وممتدة على المنظومة الكروية المحلية بأكملها، بداية من اللاعب الصغير في الفئات السنية وصولا إلى صورة البطولة المحلية وقيمتها التنافسية.

وأبرز هذه الآثار يتمثل في ضياع المواهب، إذ يفقد كثير من اللاعبين المحليين الحافز عندما يشعرون أن أبواب المنتخب تكاد تكون مغلقة أمامهم مهما قدموا من مستويات أو أرقام أو ألقاب. فحين يدرك اللاعب أن التألق في البطولة المحلية لم يعد كافيا للفت انتباه الناخب الوطني، تتراجع لديه الرغبة في التطور والمنافسة، ويتحول حلم تمثيل المنتخب إلى امتياز مرتبط بمكان الاحتراف أكثر من مستوى الأداء.

ولا يقتصر الأمر على اللاعبين فقط، بل يمتد إلى الأندية نفسها، التي تصبح أقل اقتناعا بجدوى الاستثمار الطويل في التكوين والفئات السنية، ما دام اللاعب المحلي لا يحظى بالتقدير نفسه الذي يناله اللاعب المغترب. فتتجه بعض الأندية إلى الحلول السريعة والنتائج الآنية بدلا من بناء مشاريع تكوين حقيقية قادرة على صناعة المواهب.

كما يؤدي هذا الواقع إلى تراجع التنافسية داخل البطولات المحلية، لأن المنتخب الوطني يمثل بالنسبة للاعبين أعلى درجات الاعتراف والنجاح. وحين يغيب هذا الحافز، تفقد المباريات المحلية جزءا من قيمتها الفنية والرمزية، ويتحول الدوري تدريجيا إلى محطة عبور فقط نحو الاحتراف الخارجي، لا فضاء لصناعة النجوم.

ويؤثر ذلك أيضا على الحضور القاري للأندية العربية، لأن ضعف الثقة في اللاعب المحلي ينعكس مباشرة على جودة التكوين والاستقرار الفني، وهو ما يفسر أحيانا التراجع الكبير لبعض الأندية العربية قاريا رغم الإمكانيات المالية المتوفرة.

أما الفئات السنية، فهي المتضرر الأكبر من هذه المعادلة، لأنها تعتمد أساسا على اللاعب المحلي. فعندما تغيب الرؤية الواضحة أمام الناشئين، ويتأكد لديهم أن الطريق إلى المنتخب يمر أساسا عبر بوابة الاحتراف الخارجي، تتراجع جودة العمل القاعدي، وتضعف عملية اكتشاف المواهب وصقلها.

ولا يمكن فصل ذلك عن الجانب الجماهيري أيضا، فالمشجع المحلي بطبيعته يبحث عن امتداد له داخل المنتخب الوطني، ويريد أن يرى أبناء بطولته وأنديته حاضرين في المحافل الكبرى. لذلك فإن تقليص حضور اللاعب المحلي يخلق أحيانا فجوة عاطفية بين المنتخب وجمهوره، ويجعل الانتماء أقل حرارة مما كان عليه في فترات سابقة.

فالمنتخب الوطني، في النهاية، ليس مجرد فريق للمنافسة، بل أيضا أداة لتحفيز المنظومة المحلية، ورفع سقف الطموح، ومنح القيمة للبطولات الوطنية. وكلما شعر اللاعب المحلي أن الطريق إلى المنتخب مفتوح على أساس الكفاءة فقط، ارتفع مستوى التنافس، وتحسنت جودة التكوين، واستفادت الكرة المحلية بأكملها.

اللاعب المحلي صمام الأمان

رغم تصاعد الاعتماد على المغتربين، فإن التجارب العربية في كأس العالم أثبتت مرارا أن اللاعب المحلي لم يكن عبئا، بل كان في أحيان كثيرة صمام أمان وحاسما في أبرز الإنجازات.


* ويبرز العراق نموذجا واضحا في هذا السياق، إذ اعتمد بصورة كبيرة على صلابته المحلية وتوازن تشكيلته بين المحليين والمحترفين للوصول إلى مونديال 2026، في تجربة تعكس أهمية الحفاظ على هوية المنتخب وربطه بالبطولة المحلية.

كما أثبتت تجارب سابقة للجزائر والمغرب والسعودية ومصر أن اللاعب المحلي قادر على صناعة الفارق في أعلى المستويات.

إعلان

ففي مونديال 2014، تألق إسلام سليماني وهلال سوداني وعبد المؤمن جابو، وكان الأخير صاحب الهدف التاريخي أمام ألمانيا.

ولا تزال قائمة هدافي الجزائر في كأس العالم يهيمن عليها اللاعبون الذين مروا عبر البطولة المحلية:


* صالح عصاد: هدفان (1982 ضد تشيلي) إسلام سليماني: هدفان (2014 ضد كوريا الجنوبية وروسيا) عبد المؤمن جابو: هدفان (2014 ضد كوريا الجنوبية وألمانيا) رابح ماجر: هدف (1982 ضد ألمانيا) لخضر بلومي: هدف (1982 ضد ألمانيا) جمال زيدان: هدف (1986 ضد أيرلندا الشمالية) سفيان فيغولي: هدف (2014 ضد بلجيكا) رفيق حليش: هدف (2014 ضد كوريا الجنوبية) ياسين براهيمي: هدف (2014 ضد كوريا الجنوبية).

ومن أصل 12 هدفا سجلتها الجزائر في تاريخ كأس العالم، جاء 10 منها عبر لاعبين تكونوا محليا، رغم اعتماد “الخضر” تاريخيا على المغتربين.

كما كان للاعبين المحليين دور حاسم في تتويج الجزائر بكأس أفريقيا 2019، من خلال أسماء مثل بغداد بونجاح ويوسف بلايلي وجمال بلعمري ويوسف عطال ورامي بن سبعيني وهشام بوداوي.


* والأمر نفسه ينطبق على المنتخب المغربي، إذ إن أغلب هدافي "أسود الأطلس" في كأس العالم مروا عبر البطولة المحلية أو تدرجوا داخل المنظومة الكروية المغربية قبل الاحتراف الخارجي.

ويتصدر يوسف النصيري قائمة هدافي المغرب في تاريخ المونديال برصيد 3 أهداف، سجل منها هدفا في نسخة 2018 وهدفين في مونديال 2022، ليصبح الهداف التاريخي للمنتخب المغربي في كأس العالم.

كما سجل عبد الرزاق خيري هدفين في مونديال 1986، وسجل صلاح الدين بصير هدفين في مونديال 1998، إضافة إلى عبد الجليل كماتشو الذي أحرز هدفين بدوره في النسخة نفسها.

وسجل عدد من اللاعبين المغاربة هدفا واحدا في تاريخ مشاركات المنتخب بكأس العالم، من بينهم موهوب الغزواني وحمان جرير في مونديال 1970، وعبد الكريم مريمو وكريمو في نسخة 1986، ثم مصطفى حجي ويوسف شيبو في مونديال 1998.

كما شهد مونديال 2018 تسجيل عزيز بوحدوز، قبل أن يبرز جيل 2022 عبر أهداف رومان سايس وزكرياء أبو خلال وحكيم زياش ونايف أكرد.

وتكشف هذه الأسماء أن الذاكرة التهديفية للمغرب في كأس العالم ظلت مرتبطة بشكل كبير بلاعبين تكونوا محليا أو مروا عبر البطولة المغربية، ما يعزز فكرة أن اللاعب المحلي لم يكن مجرد عنصر مكمل، بل أحد صناع التاريخ الكروي المغربي.


* أما السعودية، فقد صنعت واحدة من أعظم اللحظات العربية في كأس العالم عبر جيل محلي خالص تقريبا في مونديال 1994، بقيادة سعيد العويران ومحمد الدعيع وسامي الجابر.

وتكرر الحضور المحلي القوي في مونديال 2022 عبر سالم الدوسري وصالح الشهري ومحمد كنو.


* وفي مصر، ارتبط تاريخ المنتخب في كأس العالم والبطولات القارية دائما باللاعب المحلي، من عبد الرحمن فوزي صاحب أول هدف عربي في تاريخ المونديال سنة 1934، إلى جيل أبو تريكة ووائل جمعة والحضري وعماد متعب وعمرو زكي.
* كما أن أول انتصار عربي في كأس العالم حققته تونس سنة 1978 جاء بأقدام لاعبين محليين، هم علي الكعبي ونجيب غميض والمختار ذويب.

كل ذلك يثبت أن اللاعب المحلي لم يكن يوما مجرد عنصر تكميلي، بل كان في أحيان كثيرة صاحب اللحظات المؤسسة في تاريخ الكرة العربية.

الصدام الثقافي والفني.. كيف يصنع المدرب التوازن؟

بعيدا عن الجدل العددي بين المحلي والمغترب، تواجه المنتخبات العربية تحديا أكثر تعقيدا يتعلق بالانسجام الثقافي والفني داخل المجموعة.

فاللاعب المحلي يتشكل داخل بيئة كروية مختلفة تماما عن اللاعب المغترب.

المحلي غالبا ما يمتاز بالاندفاع، والحماس، والارتباط العاطفي بالقميص الوطني، إضافة إلى معرفته بطبيعة المنافسات العربية والأفريقية والآسيوية، وقدرته على تحمل الضغوط الجماهيرية والإعلامية المحلية.

في المقابل، يأتي اللاعب المغترب بخلفية تكتيكية أكثر صرامة، وثقافة احترافية مختلفة، وقدرة أعلى على التعامل مع النسق السريع والانضباط الخططي.

وهنا تظهر مهمة المدرب الحقيقي: ليس في اختيار الأسماء فقط، بل في صناعة التوازن بين المدرستين.

ولعل تجربة وليد الركراكي مع المغرب كانت من أبرز النماذج الناجحة في هذا الجانب خلال مونديال 2022.

فالركراكي لم يصنع مجموعة قائمة فقط على المهارة الأوروبية، بل خلق هوية جماعية مزجت بين الروح المغربية والانضباط التكتيكي الأوروبي.

كان المنتخب المغربي يضم لاعبين نشؤوا في فرنسا وإسبانيا وبلجيكا وهولندا، لكن قوة الفريق لم تأت من أسمائهم الفردية فقط، بل من نجاح المدرب في توحيد المرجعيات المختلفة داخل مشروع واحد.

إعلان

الأمر ذاته يظهر في تجربة العراق مع المدرب الأسترالي غراهام أرنولد، الذي حاول بناء منتخب يجمع بين صلابة اللاعب المحلي وحيوية المغترب، دون أن يطغى طرف على آخر.

فاللاعب المحلي يمنح المنتخب الاستقرار النفسي والهوية الجماهيرية، بينما يضيف المغترب الخبرة والنسق الأوروبي.

لكن الخطأ الذي تقع فيه بعض المنتخبات العربية يتمثل في تحويل اللاعب المحلي إلى مجرد "احتياط نفسي" أو عنصر طوارئ، مقابل التعامل مع المغترب باعتباره الخيار الطبيعي مهما كان وضعه الفني.

هذا الخلل لا يؤثر فقط على العدالة الرياضية، بل ينعكس على الانسجام داخل غرف الملابس.

فالمنتخب الذي يشعر فيه اللاعب المحلي بأنه مواطن من الدرجة الثانية يفقد جزءا مهما من روحه التنافسية، بينما يفقد المغترب نفسه الدافع حين يدرك أن مكانه مضمون سلفا.

ولذلك، فإن نجاح أي مشروع مونديالي عربي لا يرتبط بعدد المغتربين أو المحليين، بل بقدرة المدرب على فرض معيار وحيد: الجاهزية والكفاءة والقدرة على خدمة المنظومة الجماعية.

فالمنتخبات الكبرى لا تبنى بالرمزية ولا بالعاطفة، لكنها أيضا لا تبنى بعقدة النقص أمام أوروبا.

غراهام مدرب منتخب العراق (رويترز)

أثبت تاريخ المنتخبات العربية في كأس العالم أن اللاعب المحلي لم يكن يوما الحلقة الأضعف كما يُروَّج أحيانا، بل كان في كثير من المحطات عنصرا حاسما في الإنجازات والأهداف والانتصارات التاريخية.

وفي المقابل، لا يمكن إنكار القيمة الفنية الكبيرة التي يضيفها اللاعب المغترب، سواء من حيث الخبرة أو الاحتكاك أو الثقافة التكتيكية.

لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الاختيار إلى قناعة مسبقة، لا إلى منافسة عادلة.

فالمنتخب الوطني ليس واجهة لتسويق صورة الاحتراف الأوروبي، ولا مساحة للمجاملات، بل يفترض أن يكون مرآة لأفضل العناصر الجاهزة مهما كان مصدرها.

وبين اللاعب المحلي والمغترب، لا تحتاج الكرة العربية إلى انتصار طرف على آخر، بقدر ما تحتاج إلى مشروع متوازن يعيد الاعتبار للكفاءة، ويحمي البطولات المحلية، ويصنع منتخبات قادرة على المنافسة دون عقد نقص أو أوهام تفوق زائف.

لقراءة المقال كاملا إضغط هنا للذهاب إلى الموقع الرسمي
الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا