لم يكن خبر عودة "الأسطورة" فلويد مايويذر جونيور إلى الحلبات الاحترافية مجرد إضافة لجدول المواعيد، بل كان زلزالا أعاد فتح ملفات شائكة بشأن أخلاقيات الرياضة وتوجهاتها المستقبلية.
فبينما يطفئ مايويذر شمعته التاسعة والأربعين، يطرح التساؤل نفسه: هل تحولت الملاكمة إلى رياضة لكبار السن؟
تاريخ الملاكمة حافل بعودات الأساطير؛ من جورج فورمان الذي أصبح أكبر بطل وزن ثقيل في سن الـ 45، إلى ماني باكياو الذي لا يزال ينافس في سن الـ 46، وصولا إلى مايك تايسون الذي واجه جيك بول في سن الـ 58 في حدث شاهده 60 مليون منزل عبر "نتفليكس".
فرغم اعتزاله بسجل مثالي (50-0)، يعود مايويذر لمواجهة غريمه التاريخي ماني باكياو (47 عاما) في إعادة لـ"نزال القرن" في سبتمبر/أيلول المقبل.
لكن هذا التوجه يثير تساؤلات أخلاقية وطبية حادة؛ فالملاكمة رياضة "عالية المخاطر" على الصحة البدنية والعصبية، وتلك المخاطر تتضاعف مع التقدم في السن. خاصة عندما يواجه هؤلاء المحاربون القدامى شبابا في ريعان قوتهم البدنية.
ومع ذلك، يرى البعض أن مواجهة بين "مخضرمين" قد تكون أكثر أمانا من وضع أسطورة مسن أمام بطل شاب في أوج قوته، كما حدث في نزال تايسون وبول بفارق سن وصل إلى 31 عاما.
يحذر الأطباء ومنظمو الملاكمة الرسميون من عواقب وخيمة لهذه العودة:
تتحول الملاكمة تدريجيا إلى ما يصفه البعض بـ"رياضة كبار السن" أو "رياضة المحاربين القدامى" نتيجة تداخل عدة عوامل اقتصادية وطبية واجتماعية غيرت وجه اللعبة في السنوات الأخيرة.
فقد أصبح الجمهور اليوم مستعدا لدفع مبالغ طائلة لرؤية أساطير معتزلين يعودون للحلبة (مثل مايك تايسون أو روي جونز جونيور) أكثر من انجذابهم لأبطال حاليين غير معروفين.
هذه "النزالات الاستعراضية" تدر أرباحا هائلة تعتمد على الاسم وليس على المستوى التنافسي الحالي، مما جعل الحلبة مكانا لمن تجاوزوا الأربعين والخمسين.
وبفضل تقنيات الاستشفاء الحديثة، وأنظمة التغذية المتطورة، وطرق التدريب التي تركز على تقليل الإصابات، أصبح الملاكم قادرا على الحفاظ على ككتلته العضلية وسرعة رد فعله لفترة أطول بكثير مما كان عليه الحال في الماضي.
ويرى أطباء الرياضة أن مفهوم "العمر الافتراضي" للملاكم قد تغير جذريا لسببين:
أزمة النجومية وسطوة المنصات
خلال العقد الأخير، واجهت الملاكمة صعوبة في صناعة نجوم عابرين للقارات بنفس كاريزما جيل التسعينيات وأوائل الألفية.
ومع دخول المملكة العربية السعودية كلاعب محوري بقيادة هيئة الترفيه، وتوجه المنصات الكبرى مثل "نتفليكس" و"أمازون برايم" و"دازن" نحو صفقات المليارات، أصبح "الاسم" أهم من "اللقب".
لقد حقق نزال تايسون وجيك بول أرقاما خيالية، وهو ما يفسر اندفاع المنصات نحو مايويذر وفيوري وباكياو؛ فهم "ضمانة المشاهدة" في سوق مزدحمة بالخوارزميات.
تغير مفهوم "العودة"؛ فالملاكمون الآن لا يعودون بالضرورة للمنافسة على أحزمة الاتحاد الدولي أو المجلس العالمي التي تتطلب تصنيفات شاقة، بل يعودون لـ"نزالات الحدث". وهي مباريات مصممة للترفيه، بقواعد قد تكون أخف أحيانا، ومكاسب مالية تفوق ما قد يحصل عليه بطل عالم حالي في نزال رسمي.
فالأساطير يعودون لأن السوق يحتاجهم، والمنصات تدفع لهم، وأجسادهم (بمساعدة العلم) تسمح لهم.
كثير من المختصين يرون أن "سطوة المنصات" دفعت باتجاه نزالات "مدروسة" تضمن عدم تعرض الأسطورة المخضرم لإصابة مهينة تحطم قيمته التسويقية، مما يحول الملاكمة من "رياضة نبيلة" إلى "عرض مسرحي" عالي التكلفة.
معظم عودات المخضرمين (مثل نزال تايسون وجونز جونيور) تُصنف قانونيا كنزالات استعراضية، وهذا يعني طبيا وقانونيا:
ويرى مختصون أن المعضلة الكبرى تكمن في توزيع الفرص؛ فحين تتوجه معظم الأموال والتغطية الإعلامية لملاكمين تجاوزوا الأربعين (مثل نزال ديونتاي وايلدر وديريك تشيسورا، أو عودة تايسون فيوري لمواجهة محمودوف)، يقل الحيز المتاح للمواهب الصاعدة لبناء شهرتهم الخاصة.
وتمر الملاكمة حاليا بمرحلة انتقالية هائلة؛ فبينما تضمن عودة الأساطير أرقاما قياسية للمنصات الرقمية، يظل السؤال معلقا: ماذا سيحدث بعد 10 أو 15 عاما؟
وإذا لم تستثمر المنصات اليوم في صناعة أبطال المستقبل بنفس الشغف الذي تستثمر فيه في "استحضار الماضي"، فقد تجد الملاكمة نفسها بلا نجوم قادرين على جذب الأنظار حين يقرر "العجائز" الاعتزال نهائيا.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة