حصل الأهلي السعودي على فرصة جديدة للدفاع عن لقبه الذي أحرزه للمرة الأولى في تاريخه، ببلوغه نهائي دوري أبطال آسيا للنخبة في كرة القدم للمرة الثانية تواليا بفوزه في نصف النهائي على فيسيل كوبي الياباني (2-1)، الاثنين الماضي في جدة.
الأهلي دخل المباراة بحثا عن الحفاظ على لقبه، الذي حققه العام الماضي للمرة الأولى، بعدما تفوق على كاواساكي فرونتال الياباني، وأصبح لديه فرصة ليصبح أول فريق يدافع عن لقبه منذ منافسه المحلي الاتحاد الذي فعل ذلك عام 2005.
وعلى غرار ما فعله في ربع النهائي أمام جوهور دار التعظيم الماليزي (2-1)، حوّل الأهلي تأخره في معقله -ملعب الإنماء- بهدف ليوشينوري موتو في الدقيقة (31) إلى فوز بفضل البرازيلي غالينو في الدقيقة (62) والإنجليزي إيفان توني في الدقيقة (70)، حارما الفريق الياباني من بلوغ النهائي للمرة الأولى في تاريخه.
وبعد التأهل للنهائي، قال ماتياس يايسله مدرب الأهلي لشبكة (بي.إن سبورتس): "تعاملنا مع التحدي بشكل مميز لكنني لا أشعر بالرضا عن المباراة.. سأتحدث مع اللاعبين".
بين انكسار الهبوط المدوي إلى دوري الدرجة الأولى -الذي فجر تساؤلات حول مستقبل النادي- وبين الصعود السريع الذي انتهى بالتتويج القاري، متبوعا بالوصول إلى نهائي النسخة التالية، تتجلى مسيرة الأهلي السعودي نموذجا مكتملا لإعادة البناء.
"الراقي" لم يكتف بالعودة فقط إلى منافسات دوري "روشن السعودي" بل أعاد تعريف موقعه في آسيا كزعيم للقارة 2025، مستندا إلى صفقات مؤثرة واستقرار على الصعيد الفني والإداري، لتحويل أزمة الهبوط إلى نقطة انطلاق نحو القمة.
عندما هبط الأهلي السعودي إلى دوري الدرجة الأولى عام 2022، بدا أن ناديا عريقا يفقد توازنه، بعد أن أنهى الموسم في المركز الخامس عشر برصيد 32 نقطة، ليهبط رسميا إلى دوري "يلو".
الحدث لم يكن عابرا آنذاك، بل تسبب -بحسب تقرير لصحيفة عكاظ- في صدمة جماهيرية مدوية كشفت عمق الأزمة.
فالصحافة السعودية كانت أجمعت على أن الهبوط لم يكن وليد موسم واحد، بل نتيجة تراكمات فنية وإدارية مزمنة، وهو ما استدعى حزمة إصلاحات لاحقة ارتكزت على فرض الاستقرار الفني كركيزة لإعادة بناء.
في مايو/أيار 2023، عاد الأهلي مرة أخرى إلى دوري روشن للمحترفين، بعد هبوطه لدوري الدرجة الأولى. ولم يكتف "الراقي" بالعودة إلى دوري روشن، بل تعامل مع مرحلة ما بعد الصعود كفرصة جديدة لإعادة تعريف الطموح.
في هذا السياق، جاءت تحركات النادي في سوق الانتقالات، ضمن توجه واضح لبناء فريق قادر على المنافسة القارية.
فقد تعاقد النادي مع رياض محرز القادم من مانشستر سيتي، والحارس الدولي السنغالي إدوارد ميندي، والإيفواري فرانك كيسييه لدعم خط وسط بقدراته البدنية والتكتيكية، فضلا عن التعاقد مع روبرتو فيرمينو بعد نهاية تجربته مع ليفربول.
هذه التعاقدات المثالية، أعادت تشكيل شخصية الفريق، ورفعت مستوى التنافسية، وحوّلته من فريق صاعد إلى مشروع منافس قوي.
لم تكن الصفقات الجديدة وحدها كافية، إذ أشارت الصحافة السعودية إلى أن المشكلة الأعمق قبل الهبوط كانت غياب الاستقرار الفني. ومع مرحلة إعادة البناء، بدأ الأهلي في تثبيت جهازه الفني، وهو ما انعكس على أداء الفريق داخل الملعب.
وعكس التتويج باللقب القاري العام الماضي نجاحا استثنائيا لمسيرة قادها المدرب الألماني الشاب ماتياس يايسله، الذي حقق قفزة تاريخية بالفريق من المركز الخامس محليا إلى العرش الآسيوي.
وتجلت ملامح النضج الفني للأهلي في اعتماد الكلي على العمل الجماعي لا الفردي، وهو ما ظهر بوضوح في المواجهات الكبرى التي برز فيها الانضباط الدفاعي كعامل حاسم، بجانب القدرة العالية على استعاد السيطرة وفرض الإيقاع حتى بعد فترات التراجع.
وتجمع التحليلات الفنية على أن هوية الفريق باتت تتركز على الاستحواذ الفعال وسرعة التحولات، بينما تربط أخرى هذا التطور بالاستقرار الفني منذ بداية مشروع إعادة البناء وبـ"تماسك تكتيكي واضح" داخل المنظومة.
تجاوز الأهلي خلال البطولة القارية التي فاز بلقبها العام الماضي، الترجيحات التي كانت تصب لمصلحة نظيريه، الهلال بطل الدوري المحلي، والنصر بقيادة النجم البرتغالي كريستيانو رونالدو، أفضل لاعب في العالم 5 مرات، ومتصدر هدافي الدوري المحلي بـ23 هدفا.
بـ11 فوزا وتعادل وحيد، حفر الأهلي طريق النجاح بمساندة قاعدة جماهيرية لم تخذله، وبالذات في المباريات الإقصائية في جدة.
ووفق تصريحات سابقة لوكالة الأنباء الفرنسية، قال أحمد عيد، أحد أبرز رموز النادي التاريخيين، إن "الأهلي ليس غريبا عن البطولة، فالفريق السعودي كان أول ناد يُدعى إليها (بنظامها القديم) عام 1972، لكنهم اعتذروا عن المشاركة بسبب وجود فريق إسرائيلي آنذاك (مكابي نتانيا)، قبل أن تُلغى النسخة بالفعل بعد انسحاب معظم الفرق للسبب نفسه".
وأقر عيد -وهو أول رئيس للاتحاد السعودي بالانتخاب، خلفا للأمير نواف بن فيصل بن فهد آل سعود- أن "التوقعات كانت تصب لمصلحة الأندية السعودية الثلاثة، بالترتيب الهلال ثم النصر ثم الأهلي، لكن الأهلي ظهر بمستوى مغاير منذ بداية البطولة".
إلى جانب دور المدرب يايسله، أشاد عيد بالدعم الحكومي الذي تلقاه الفريق من صندوق الاستثمارات العامة السعودي الذي يستحوذ منذ يونيو/حزيران 2023، على 75% من ملكية أندية الأهلي والهلال والنصر والاتحاد.
في السياق ذاته، رأى محمد شلية الذي اختير أفضل لاعب سعودي في مونديال عام 2002 في كوريا الجنوبية واليابان، أن "الجمهور الأهلاوي هو عراب اللقب القاري في الموسم الماضي".
وشدد شلية على أن "استمرار يايسله منح الاستقرار الفني للفريق، الذي يُعدّ هو الأساس في تحقيق البطولة".
وأشار شلية إلى واقعة مفصلية شهدها شهر يناير/كانون الثاني 2025؛ ففي أعقاب التعثر أمام الخلود، شكلت الجماهير درعا حاميا للمدرب ماتياس يايسله، حيث تجمعوا أمام مقر النادي اعتراضاً على أنباء إقالته، في مشهد جسد دعماً شعبياً نادراً تجاوز نتيجة مباراة عابرة ليؤكد الثقة في مشروعه الفني.
يرى الإعلامي السعودي المتخصص بالشأن الرياضي نايف مشهور أن ما يقدمه النادي الأهلي على المستوى القاري في "نخبة آسيا" منذ انطلاقتها بنظامها الجديد يمثل تتويجا لمشروع طموح بدأ منذ انتقال ملكيته إلى صندوق الاستثمارات العامة في صيف 2023.
وفي تصريحات للجزيرة نت، قال مشهور إن أهم ما تميز به مشروع الأهلي هو عدم "التعجل" في جني الثمار، رغم أنه النادي الوحيد الذي لم يتعاقد مع لاعب بحجم كريستيانو رونالدو وبنزيمة ونيمار، واستعان بمدرب يملك طموحا وفكرا يتناسب مع أهداف المشروع الأهلاوي بعيد المدى.
ولفت مشهور إلى أن هذا النجاح لم يكن ليتحقق لولا صبر الجماهير ومؤازرتها للفريق رغم تذبذب النتائج في المواسم الماضية، مما أبقى على مشروع المدرب ماتياس يايسله ليجني ثمار ذلك بالتتويج القاري العام الماضي، والذي أتبعه بالتتويج بلقب السوبر السعودي 2025.
الإعلامي السعودي المتخصص بالشأن الرياضي نايف مشهور (الجزيرة)وأوضح مشهور أن استراتيجية النادي الأهلي في التعاقدات منذ صيف 2023 وحتى الفترة الشتوية الماضية تميزت بالتركيز على "احتياجات" النادي واستقطاب العناصر القادرة على تقديم الإضافة المطلوبة.
هذا النهج جعل النادي يكتفي بصفقة صيفية واحدة في 2025 مع التركيز على استقرار القوام الأساسي للفريق وتعويض الراحلين وهو الأمر الذي حافظ على مستوى الفريق آسيويا بل وأسهم في تطوير نتائجه محليا، إذ ينافس على لقب الدوري كما استمرت رحلته في كأس الملك حتى الدور نصف النهائي، بحسب تصريحات مشهور.
كما اعتبر مشهور أن تعيين البرتغالي روي بيدرو باراز مديرا رياضيا للنادي، كان نقطة تحول مهمة على مستوى تطوير الأداء الإداري الرياضي داخل النادي، فضلا عن دوره في صياغة الاستراتيجيات الفنية المناسبة للنادي ومساهمته في إبرام صفقات جيدة سيستفيد منها الفريق على المدى الطويل سواء فنيا أو ماليا.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة