لم تعد الرياضة اليوم مجرد ركض خلف كرة أو سباق في مضمار أولمبي محاط بجماهير تهتف، فقد كسر الجيل الجديد من الرياضيين حاجز التقليد، ليدخلنا في حقبة "الرياضات المتطرفة والهجينة" إن صح الوصف.
رياضات ليست مجرد هوايات عابرة، بل هي مزيج معقد يجمع أحيانا بين القوة البدنية والمهارة الذهنية والبيئات القاسية التي لم تُصمم أصلا للمنافسة.
لا يوجد اتفاق كامل حتى الآن على تعريف دقيق للرياضات المتطرفة، حيث تستخدم مصطلحات مختلفة مثل "رياضات المغامرة"، و"عالية المخاطر"، و"رياضات الحركة"، و"رياضات أسلوب الحياة" بحسب الرؤية الخاصة لممارسيها.
أما التعريفات التقليدية فتعتبر الرياضة متطرفة إذا كانت الأخطاء أو الحوادث المحتملة قد تؤدي إلى إصابة خطيرة أو إلى الوفاة، وكانت هذه المخاطر متأصلة في النشاط نفسه.
وبالنسبة للتعريفات الأحدث تعتبر الرياضة المتطرفة نشاطا تنافسيا يفرض على المشارك مطالب بدنية طبيعية أو غير مألوفة، أو نشاطا بدنيا طبيعيا يولد إحساسا جسديا عاليا ويتطلب تطوير المهارات لإدارة المخاطر الفريدة، سواء المتصورة أو الواقعية.
اللجوء إلى الرياضات المتطرفة، مثل الرياضات الغريبة كشطرنج الملاكمة، والهوكي تحت الماء، وكرة القدم في المستنقعات وغيره، لم يعد مجرد ترفيه عابر أو فكرة عشوائية، بل هو نتيجة مجموعة من العوامل التي تجعل الناس يبحثون عن تجارب تتجاوز الرياضات التقليدية.
وجد الباحثون في جامعة جنوب ويلز، أن الرياضيين في الرياضات المتطرفة لا يمارسونها فقط من أجل التحدي، بل لاستخدامها كأداة لتنظيم العواطف والتعامل مع مشاعر يصعب التعبير عنها بطرق أخرى، مثل القلق أو الملل.
يُظهر البحث أن الكثير من الناس ينجذبون إلى الرياضات المتطرفة بسبب ما يسمى بالرغبة في تجربة أحاسيس غير معتادة ومكثفة، كما أن الأشخاص الذين يتمتعون بهذه الصفة غالبا ما يبحثون عن تجارب ترفع مستوى الأدرينالين وتمنحهم شعورا قويا بالحياة والاندفاع.
ويعزي الباحثون أن المشاركة في مثل هذه الأنشطة توفر فرصا لدفع حدود التحمل الجسدي والعقلي، وهو ما لا يجده البعض في الرياضات التقليدية. كما أن المشاركة في مثل هذه الرياضات تمنح إحساسا قويا بالتحكم بالذات وتقليل التوتر.
ووجدت دراسات أمريكية عن معهد المعلومات الوطنية للتكنولوجيا الحيوية، أن الانخراط في هذه الرياضات مرتبط بشعور قوي بالانتماء إلى مجتمع مشابه في التفكير والعاطفة، فالمتنافسون في هذه الرياضات يجدون زملاء يشاركونهم نفس القيم والرغبات في مواجهة المخاطر والتحديات، مما يعزز الصداقات والشعور بالانتماء.
وتتعدد الرياضات المتطرفة وتتباين أشكالها حول العالم، ولكل رياضة قواعدها الخاصة وأدواتها ومكان ممارستها، ما يجعل كل واحدة تجربة مختلفة تمامًا.
البعض يركز على التحدي البدني، بينما تتطلب أخرى مهارات عقلية أو تنسيقية مع الطبيعة. هذا التنوع الهائل يفتح المجال لاستكشاف أنواع رياضية جديدة وغير مألوفة، ننتقل الآن للتعرف على أبرزها.
فكرة شطرنج الملاكمة لم تكن وليدة الصدفة الرياضية الحديثة، بل ظهرت أولا في قصة مصورة من قبل الفنان الفرنسي إنكي بلال عام 1992، حيث رسمت فكرة الجمع بين الشطرنج والملاكمة كحدث خيالي.
وفي عام 2003 حوّل الفنان الهولندي جيب روبينغ هذا المفهوم من مجرد فكرة فنية إلى رياضة فعلية، حين نظم أول مباراة رسمية وأسس بنية تنظيمية للرياضة في برلين، ألمانيا.
يتنافس الرياضيون في هذه اللعبة في ثلاثة أوزان عند الرجال هي (70-80-90- فوق 90 كلغ)، وعند السيدات في أوزان (55-65-75-فوق 75) كلغ.
شطرنج الملاكمة لم تظل محصورة في مكان واحد، بل انتشرت في عدة دول عبر العالم، من بينها:
رياضة جماعية تُلعب بالكامل تحت سطح الماء في حوض السباحة، حيث يتنافس فريقان لدفع القرص نحو مرمى الفريق الآخر باستخدام عصا قصيرة بينما هم يحتفظون بأنفاسهم تحت الماء.
بدأت اللعبة عام 1954 في المملكة المتحدة على يد الغواص آلان بليك كوسيلة للحفاظ على لياقة الغواصين خلال أشهر الشتاء عندما يكون الغوص في البحر صعبا بسبب الطقس.
رغم أن اللعبة ليست منتشرة عالميا بالشكل نفسه مثل كرة القدم أو السباحة، إلا أنها تحظى بشعبية متزايدة في أكثر من 40 دولة حول العالم، ويشارك بها آلاف اللاعبين في بطولات الدوري والبطولات العالمية.
كما توجد اتحادات وأندية للهوكي تحت الماء في أوروبا، أستراليا، أمريكا الشمالية، آسيا وأفريقيا، وتتمتع اللعبة بقاعدة جماهيرية خاصة داخل مجتمع الغواصين والسباحين.
هي نوع غير تقليدي من كرة القدم يلعب في المستنقعات والطين العميق، وتعود فكرة كرة قدم المستنقعات إلى فنلندا عام 1998، حيث كان متسابقو التزلج الريفي في الشمال يستخدمون المستنقعات كجزء من تدريباتهم الصيفية لتحسين لياقتهم. لاحقا تطورت هذه الفكرة من تدريب بدني صعب إلى لعبة تلعب رسميا في منافسات وجولات منظمة.
أبرز بطولة عالمية لهذه الرياضة هي سلسلة الدوري العالمي لكرة المستنقعات التي تقام سنويا بفنلندا منذ عام 2000، وتعد أطول بطولة سنوية لرياضة كرة قدم المستنقعات حتى اليوم.
خلال نسخة مثل عام 2018 شارك نحو 165 فريقا، وواجه اللاعبون وحلا يصل حتى الخصر في بعض المناطق من الملعب، مما جعل المباراة صعبة جدا حتى على اللاعبين المحترفين.
شارك 13 فريقا في أول بطولة رسمية في فنلندا، ومنذ ذلك الحين شهدت اللعبة انتشارا في عدة دول بما فيها فنلندا والسويد وإنجلترا وروسيا وأيرلندا وأيسلندا، مع وجود عدد كبير من الفرق المشاركة عالميا كما أن لديها بطولة عالمية وإقليمية.
سباق حمل الزوجات: رياضة فنلندية يركض فيها الرجل حاملا زوجته على ظهره عبر مسار مليء بالعوائق المائية والخشبية. الجائزة التقليدية هي "وزن الزوجة من مشروب تقليدي".
رياضة شعبية في شرق آسيا تشبه الطائرة لكن تُلعب بالقدم والرأس بكرات مصنوعة من الخيزران، وتتطلب ليونة بهلوانية مذهلة.
تشير تقارير متخصصة لموقع "ألايد ماركت ريسيرش" إلى أن السوق العالمية للرياضات "البديلة" أو المتطرفة – التي تشمل الأنشطة غير التقليدية مثل ركوب الأمواج القوية، والتزلج الحر، وتسلق الصخور، وغيرها بلغت حوالي 13.5 مليار دولار في عام 2023، ومن المتوقع أن تنمو إلى نحو 26.8 مليار دولار بحلول عام 2034 بمعدل نمو سنوي مركب يبلغ نحو 6.5%.
هذه القيمة تشمل الإيرادات الناتجة عن تنظيم البطولات، مشاركة الجمهور، الرعايات، وتسويق العلامات التجارية ضمن هذه الرياضات.
كما عمدت شركات الكبيرة مثل "ريد بول" إلى الاستثمار بكثافة في الرياضات المتطرفة منذ سنوات، حيث ترعى أحداثا ورياضيين في مجالات مثل: تسلق الصخور، القفز الحر، السباقات، الدراجات الجبلية وغيرها، وتستخدم هذه الرعايات كمنصة تسويقية أساسية لبناء “هوية العلامة التجارية”
ذلك يعني أن هناك طلبا اقتصاديا متزايدا على الرياضات المتطرفة، خاصة مع توسع مشاركات الشباب والوعي بعناصر المغامرة والمحتوى المرئي والتجارب الحقيقية.
تنظيم بطولات رسمية وجوائز دولية، أسهم في نشرها بين مختلف الفئات العمرية ورغم محدودية وسائل الإعلام التقليدية في تغطيتها مقارنة بكرة القدم على سبيل المثال.
ولكن وسائل التواصل الاجتماعي ساعدت في إيصال هذه الرياضات إلى آلاف المشاهدين حول العالم وفي الوقت نفسه، يلاحظ أن الشعبية ليست متساوية في كل الدول، لكنها تحقق نجاحا نسبيا في الأندية والمدن التي تستثمر في البنية التحتية والمجتمعات الداعمة.
ويمكن القول إن هذه الرياضات حققت شعبية ملموسة، لكنها لا تزال في مرحلة النمو مقارنة بالرياضات التقليدية، وما زال أمامها فرص كبيرة للتوسع والانتشار على مستوى عالمي.
ولعل اعتماد رياضات مثل التسلق الرياضي والتزلج وركوب الأمواج، في الألعاب الأولمبية الصيفية بداية من دورة طوكيو 2020، هي ما تمنح الأمل أكبر لهذه الرياضات للاستمرار، رغم أن القاعدة الجماهيرية والشعبية ماتزال بسيطة جدا لبعضها.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة