يعود الجدل حول أعظم لاعب في تاريخ كرة القدم البرتغالية كلما طُرح سؤال الأفضلية، وغالبًا ما ينحصر بين اسمين بارزين لا ثالث لهما: أوزيبيو دا سيلفا فيريرا وكريستيانو رونالدو.
هذا الجدل أعاد إحياءه مؤخرًا تصريح أنطونيو سيمويس، أحد رموز جيل ستينيات القرن الماضي، حين قال: "لا أريد التقليل من مسيرة رونالدو، لكن أوزيبيو كان أفضل".
تصريح سيمويس لا يستند فقط إلى الأرقام، بل إلى اختلاف الأزمنة والسياقات، وإلى نظرتين متباينتين لمعنى العظمة في كرة القدم.
لعب الراحل أوزيبيو في حقبة تختلف جذريًا عن كرة القدم الحديثة. كانت اللعبة أقل تنظيمًا، وأكثر خشونة، وأفقر من حيث الإعداد البدني والتكتيكي، في غياب الاحتراف المتكامل والحماية القانونية للاعبين.
ورغم ذلك، فرض "الفهد الأسود" نفسه كأحد أعظم لاعبي عصره، وقاد المنتخب البرتغالي إلى المركز الثالث في كأس العالم 1966، متوجًا هدافًا للبطولة، في إنجاز غير مسبوق للكرة البرتغالية آنذاك.
كان أوزيبيو يتميّز بشمولية نادرة في هذا الوقت: سرعة وقوة بدنية، تسديدات حاسمة، وذكاء تكتيكي، إضافة إلى قدرة لافتة على الحسم في اللحظات الكبرى. والأهم من ذلك، أنه لم يكن مجرد نجم، بل رمزًا وطنيًا أسهم في تشكيل هوية كرة القدم البرتغالية، ووضعها على الخريطة العالمية.
ولم يكن أوزيبيو مجرد مهاجم عادي، بل كان آلة تهديفية لم تعرف التوقف. وتكشف مسيرته عن أرقام خيالية قد يصعب على المهاجمين المعاصرين تكرارها كالتالي:
سجل 733 هدفاً خلال 745 مباراة رسمية، وهو معدل تهديفي يقترب من هدف في كل مباراة.دافع عن ألوان البرتغال "برازيل أوروبا" في 64 مباراة دولية، سجل فيها 41 هدفاً.
وُلد أوزيبيو في 25 يناير عام 1942، وبدأ رحلته من موزمبيق ليصل إلى قمة المجد في البرتغال، وتحديداً مع نادي بنفيكا. ورحل عن الدنيا في 5 يناير 2014، مخلفاً وراءه إرثاً كروياً جعل الكثير من الخبراء والنقاد يصنفونه ضمن "أعظم لاعبي كرة القدم عبر التاريخ".
بالنسبة لجيله، لم يكن أوزيبيو لاعبًا عظيمًا فحسب، بل كان الأساس الذي انطلقت منه إنجازات الكرة البرتغالية.
في المقابل، يمثل كريستيانو رونالدو نموذجًا مختلفًا للعظمة. هو ابن كرة القدم الحديثة، لاعب بنى مسيرته بعقلية احترافية استثنائية، وحوّل نفسه إلى مشروع متكامل قائم على التطور المستمر والانضباط.
على مدى أكثر من عقدين، حافظ رونالدو على حضوره في القمة، محققًا خمسة ألقاب للكرة الذهبية، وعدة ألقاب في دوري أبطال أوروبا، وأرقامًا تهديفية غير مسبوقة مع الأندية والمنتخب.
ما يميز رونالدو ليس فقط موهبته، بل قدرته على التكيف مع البيئات المختلفة، من إنجلترا إلى إسبانيا، ثم إيطاليا، وصولًا إلى قيادته المنتخب البرتغالي لتحقيق أول لقب كبير في تاريخه (يورو 2016)، ثم دوري الأمم الأوروبية.
بهذا المعنى، لم يغير رونالدو صورة اللاعب البرتغالي عالميًا فحسب، بل أعاد تعريف مفهوم الاحتراف والطموح في الكرة البرتغالية.
تصطدم المقارنة بين أوزيبيو ورونالدو بحقيقة أساسية: اختلاف السياق التاريخي. أوزيبيو كان ظاهرة كروية في زمن بدائي نسبيًا، تفوق بموهبته الخالصة وتأثيره الرمزي.
أما رونالدو، فهو نتاج عصر علمي وإعلامي واستثماري متكامل، تفوق بالاستمرارية والقدرة على الهيمنة لسنوات طويلة.
ربما من حيث الموهبة الخام والتأثير التأسيسي.
على الأرجح من حيث الإنجازات، الأرقام، وطول المسيرة.
تصريح أنطونيو سيمويس لا يقلل من قيمة كريستيانو رونالدو، بقدر ما يعكس دفاعًا عن ذاكرة جيل يرى في أوزيبيو أصل الحكاية.
تقف كرة القدم البرتغالية مدينة لكليهما. أوزيبيو منح البرتغال الحلم، ورونالدو حوّل الحلم إلى واقع دائم.
وإن كان لا بد من توصيف دقيق، فربما يكون الأصدق القول إن أوزيبيو هو الأسطورة المؤسسة، بينما كريستيانو رونالدو هو الأسطورة المتوجة.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة