لطالما جذبت ظاهرة اقتران الكواكب واصطفافها الظاهري اهتمام البشر منذ العصور القديمة، حين كان الفلكيون الأوائل يراقبون السماء بحثا عن إشارات المواسم ومواعيد الزراعة والملاحة. ومع تطور علم الفلك الحديث، بات العلماء يدركون أن هذه الأجرام لا تصطف فعليا على خط واحد في الفضاء، بل تبدو متقاربة من منظور الراصد على الأرض.
وخلال يونيو/حزيران 2026 الجاري، تستعد السماء لتقديم واحد من أجمل عروضها البصرية، حيث يجتمع القمر مع كواكب الزهرة والمشتري وعطارد في مشهد يلفت أنظار الهواة والمحترفين على حد سواء.
تشهد الفترة الممتدة من 16 إلى 18 يونيو/حزيران ظهور كواكب الزهرة والمشتري وعطارد في مساحة صغيرة نسبيا من السماء، مع مرور القمر بالقرب منها، ليشكل الجميع لوحة سماوية جذابة يمكن متابعتها بسهولة بعد غروب الشمس.
وفي تصريح للجزيرة نت، قال الفلكي إبراهيم المحروقي، نائب رئيس الجمعية العمانية للفلك والفضاء، إن هذا الحدث يُوصَف أحيانا بأنه "اصطفاف للكواكب" (Planetary Alignment)، لكنه في الحقيقة تجمع فلكي بصري ناتج عن تأثير المنظور الهندسي، إذ لا تقع الأجرام على خط مستقيم واحد في الفضاء، وإنما تبدو متقاربة عند النظر إليها من الأرض.
ويُعَد هذا النوع من الظواهر الفلكية من أكثر الأحداث شعبية بين الجمهور، لأنه يجمع عدة أجرام شديدة اللمعان في مساحة محدودة من السماء، ما يسهل رصدها بالعين المجردة دون الحاجة إلى معدات متخصصة.
يبدأ العرض السماوي، كما يقول الفلكي المحروقي، بعد غروب الشمس بنحو 30 إلى 60 دقيقة، حيث يظهر الهلال الرفيع للقمر في الأفق الغربي إلى جانب كوكب عطارد المنخفض قرب الأفق، فيما يبرز كوكبا الزهرة والمشتري في الرقعة نفسها من السماء.
وأضاف أن مواقع الأجرام ستتغير تدريجيا من ليلة إلى أخرى خلال الفترة الممتدة من 16 إلى 18 يونيو/حزيران، ما يجعل الراصدين أمام لوحة سماوية متجددة تجمع أربعة من ألمع أجرام السماء في مشهد واحد.
ومع حلول المساء، يزين هلال محرم 1448 هـ هذا المشهد، ليكتمل ما يُعرَف بـ"موكب الكواكب" (Planet Parade)، حيث تبدو عدة كواكب متقاربة ظاهريا في رقعة صغيرة من السماء.
يشير المحروقي إلى أن هذه الظاهرة تمثل فرصة ذهبية للمصورين الفلكيين والهواة، خاصة مع إمكانية تصوير الأجرام الأربعة ضمن إطار واحد، وإدماج عناصر أرضية مثل الجبال أو الأبراج أو السواحل لإضفاء بعد جمالي على الصور، خصوصا مع ظهور وهج الأرض (Earthshine) على الجزء المظلم من القمر، ما يمنح المشهد مزيدا من السحر البصري.
ولا تقتصر أهمية الحدث على جماله البصري فحسب، بل يمثل أيضا فرصة تعليمية مهمة تساعد الجمهور على التعرف إلى مواقع الكواكب وحركتها الظاهرية في السماء، وفهم طبيعة ظاهرة الاصطفاف الكوكبي بعيدا عن المفاهيم الخاطئة الشائعة.
ويختم الفلكي المحروقي أن هذا التجمع البصري البارز يستمر ثلاثة أيام رئيسية، من 16 إلى 18 يونيو/حزيران، فيما يعزز صفاء الأجواء الصيفية في كثير من المناطق فرص رصده بوضوح، الأمر الذي يجعل الأيام الحالية من أفضل الأوقات لمتابعة واحد من أجمل العروض الفلكية لهذا العام.
تكشف هذه الظواهر الفلكية المتكررة أن السماء ما تزال قادرة على إلهام الإنسان وإثارة فضوله رغم التقدم العلمي الهائل. فكل اقتران أو موكب كوكبي يذكرنا بأننا جزء من كون واسع تتحرك فيه الأجرام وفق قوانين دقيقة ومتناسقة.
وربما تكمن القيمة الحقيقية لمثل هذه الأحداث في قدرتها على جمع الناس حول شغف مشترك بالمعرفة والاكتشاف، ودفع الأجيال الجديدة إلى رفع أنظارها نحو السماء والتساؤل والبحث. فالعلم يبدأ غالبا بسؤال بسيط، وقد تكون نظرة عابرة إلى هذا العرض السماوي الجميل بداية رحلة طويلة نحو فهم أعمق للكون ومكاننا فيه.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة