في خطوة جديدة لاستكشاف المزيد من الثروات المعدنية، وقعت مصر بالأحرف الأولى عقدا لتنفيذ مشروع مسح جوي جيوفيزيائي شامل مع شركة "إكس كاليبور" الإسبانية، المتخصصة في المسوح الجيوفيزيائية ورسم خرائط الموارد الطبيعية.
يستهدف المشروع تنفيذ أول مسح جوي شامل للثروات المعدنية في مصر منذ نحو 42 عاما، بما يسمح ببناء قاعدة بيانات حديثة وعالية الدقة عن الإمكانات التعدينية في البلاد.
وبحسب بيان رسمي من وزارة البترول والثروة المعدنية المصرية، فقد وقع المهندس كريم بدوي، وزير البترول والثروة المعدنية، الاتفاق بين هيئة الثروة المعدنية والصناعات التعدينية وشركة "إكس كاليبور"، بالتعاون مع هيئة المواد النووية وشركة "درون تك".
وتقول الشركة الإسبانية، في بيان صحفي رسمي، إن المشروع سيغطي ست مناطق رئيسية ذات أهمية جيولوجية، تشمل الصحراء الشرقية وسيناء والصحراء الغربية ومناطق أخرى ذات احتمالات تعدين واعدة.
المسح الجيوفيزيائي ببساطة هو قياس الخواص الفيزيائية للأرض من دون الحفر في كل مكان، فالصخور ليست متشابهة، بعضها يحتوي على معادن مغناطيسية أكثر من غيره، وبعضها أعلى كثافة، وبعضها يوصل الكهرباء بصورة أفضل، وبعضها غني نسبيا بعناصر مشعة طبيعيا مثل البوتاسيوم واليورانيوم والثوريوم.
وحين تقاس هذه الفروق من الجو، تظهر في خرائط أجهزة القياس على شكل "شذوذات" أو "أنماط"، وهذه الأنماط هي التي تثير اهتمام الجيولوجيين، لأنها قد تكشف عن مورد مهم اقتصاديا.
أحد أشهر هذه القياسات هو المسح المغناطيسي، حيث تقيس الطائرات أو المروحيات تغيرات دقيقة في المجال المغناطيسي للأرض. فإذا مرت الطائرة فوق صخور غنية بمعادن مغناطيسية، مثل الماجنيتيت، تظهر إشارة مختلفة عن المناطق المحيطة.
وهناك أيضا المسح الإشعاعي الجوي، الذي يعني قياس الإشعاع الطبيعي الضعيف الصادر من الصخور والتربة.
يأتي ذلك في سياق أن بعض العناصر، مثل البوتاسيوم والثوريوم واليورانيوم، توجد بنسب متفاوتة في أنواع مختلفة من الصخور، ومن خلال قياس هذه النسب من الجو، يستطيع الجيولوجيون تمييز وحدات صخرية عن أخرى، وفهم التجوية والتربة، وربما تحديد مناطق ذات دلالة معدنية خاصة.
أما المسح الكهرومغناطيسي فيعتمد على قياس قدرة الصخور أو السوائل الجوفية على توصيل الكهرباء. في بعض الأنظمة، ترسل أجهزة محمولة جوا إشارة كهرومغناطيسية إلى الأرض، فتتولد تيارات ضعيفة في الصخور أو المياه المالحة أو المعادن الموصلة، ثم تلتقط المستقبلات استجابة الأرض لهذه الإشارة.
هذا النوع مهم في البحث عن بعض معادن الكبريتيدات، والجرافيت، والمياه الجوفية، وتمييز الطبقات ذات التوصيلية العالية من الطبقات الأقل توصيلا.
ثم يأتي مسح الجاذبية والجاذبية التدرجية، وهو يقيس اختلافات صغيرة جدا في مجال الجاذبية ناتجة عن اختلاف كثافة الصخور تحت السطح.
في هذا السياق، فإن الصخور الكثيفة تعطي إشارة جاذبية مختلفة عن الصخور الأخف، ومن خلال تحليل هذه الفروق، يستطيع العلماء رسم صورة تقريبية للبنى العميقة، مثل الأحواض الرسوبية، والقباب، والكتل الصخرية، والحدود بين الوحدات الجيولوجية، وتساعد هذه البيانات في تحديد أجسام كثيفة مرتبطة بخامات معينة، ذات أهمية اقتصادية.
مما سبق يتبين أن المسح الجيوفيزيائي لا يعلن وحده اكتشاف منجم، فما يقدمه هو خريطة احتمالات، لا شهادة نهائية بوجود خام اقتصادي. فالإشارة المغناطيسية أو الكهرومغناطيسية أو الجاذبية قد تكون واعدة، لكنها تحتاج إلى ربطها بالخرائط الجيولوجية، وصور الأقمار الصناعية، والتحاليل الجيوكيميائية، والعمل الحقلي، ثم الحفر الاستكشافي وأخذ العينات.
لكن قيمة المشروع لمصر تتمثل في أنه يقلل مساحة المجهول، فبدلا من أن تبدأ الشركات من الصفر، يمكن للدولة أن توفر طبقة بيانات أولية عالية الجودة، تبين المناطق الأكثر احتمالا للاستكشاف.
هذا النوع من البيانات يسمى أحيانا "بيانات ما قبل التنافس"، أي البيانات التي تنتجها الدولة أو تتيحها لجذب المستثمرين قبل أن تبدأ الشركات في المنافسة على مناطق محددة. وكلما كانت هذه البيانات أدق وأحدث، انخفضت مخاطر الاستثمار الأولي، وأصبح القرار الاستكشافي أكثر عقلانية.
ولا تقتصر الفائدة على التعدين وحده، فالمسوحات الجيوفيزيائية قد تفيد في فهم المياه الجوفية، والبنى التكتونية، ومناطق الفوالق، وبعض مخاطر الأرض، كما تساعد في تحديث الخرائط الجيولوجية القديمة.
ولذلك تنظر دول كثيرة إلى المسح الجيوفيزيائي الشامل بوصفه بنية تحتية معرفية، لا مجرد مشروع خدمي مؤقت.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة