تعمل أدوية اضطراب نقص الانتباه مع فرط النشاط على ما يبدو بطريقة مختلفة عما كان يعتقد: إذ تظهر دراسة تصوير دماغي كبيرة وجديدة أجراها فريق من كلية الطب بجامعة واشنطن في سانت لويس أن المنبهات مثل ريتالين وأديرال تنشط بالدرجة الأولى اليقظة ونظام المكافأة، وليس شبكات الانتباه في الدماغ بشكل مباشر.
تسلط الدراسة ضوءا جديدا على ما يمكن للمنبهات أن تقدمه بصورة واقعية وما لا يمكنها تقديمه. وهذا مهم للمصابين، لأنه يفسر لماذا تبدو المهام تحت تأثير الأدوية أقل مشقة فجأة، ولماذا يمكن لقلة النوم أو التوقعات الخاطئة لتأثير الدواء أن تؤدي إلى خيبات أمل.
يعد اضطراب نقص الانتباه مع فرط النشاط اضطرابا نمائيا عصبيا: إذ يعاني المصابون منذ الطفولة من مشكلات مستمرة في الانتباه والاندفاعية، وغالبا فرط النشاط. وتظهر ذلك أيضا صور الدماغ. فباستخدام التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي يمكن للباحثين إظهار إشارات تدفق الدم، وبالتالي معرفة أي مناطق الدماغ تكون نشطة في اللحظة الراهنة. وتبين صور دماغية خاصة لدى الأطفال المصابين باضطراب نقص الانتباه مع فرط النشاط أن مناطق مهمة في الدماغ تكون مرتبطة ببعضها بصورة مختلفة مقارنة بالأطفال غير المصابين بالاضطراب. وبسبب ذلك يجد المصابون صعوبة أكبر في توجيه انتباههم، والاستمرار بدافع، والتوقف عن أحلام اليقظة عندما يكون مطلوبا منهم التركيز.
قام فريق أطباء الأعصاب بنيامين كاي ونيكو دوزنباخ في كلية الطب بجامعة واشنطن في سانت لويس بتحليل بيانات التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي لما يقرب من 5800 طفل، جرى تتبع ظروف حياتهم وتطور أدمغتهم بدقة على مدى سنوات طويلة، مع فحوصات منتظمة. وقارنوا أدمغة أطفال يتناولون منبهات مثل ريتالين في يوم القياس بأدمغة أطفال لا يتناولونها. أظهرت المنبهات تنشيطا بالدرجة الأولى لمناطق اليقظة والمكافأة، في حين لم تبد دوائر الانتباه النموذجية نشاطا متزايدا بوضوح، حتى في تجربة إضافية شملت بالغين. ويفسر الباحثون ذلك على النحو التالي: المنبهات تكافئ إنجاز المهام مسبقا، وتجعل الجهد والملل أكثر احتمالا. فيستمر الأطفال في العمل لأن التعلم يبدو أكثر جدوى وأقل إرهاقا.
توصي الإرشادات العلاجية في اضطراب نقص الانتباه مع فرط النشاط بنهج علاجي متدرج: يبدأ بالتثقيف والمساعدات اليومية التي تهدف إلى إضفاء بنية وتنظيم الروتين. وبحسب شدة الحالة يمكن أن تساعد المعالجة النفسية، وفي الحالات المتوسطة إلى الشديدة يمكن إضافة الأدوية أو استخدامها بديلا.
ميثيلفينيدات، ومستحضرات الأمفيتامين، وأتوموكسيتين، وغوانفاسين كلها أدوية لعلاج اضطراب نقص الانتباه مع فرط النشاط، لكنها تنتمي إلى فئات دوائية مختلفة.
ريتالين (ميثيلفينيدات) وأديرال (مزيج أمفيتامين) يعدان من المنبهات التي ترفع سريعا مستويات الدوبامين والنورأدرينالين. وهذا يزيد اليقظة والدافعية ويسهل الاستمرار.
أما أتوموكسيتين وغوانفاسين بوصفهما من "غير المنبهات" فلا يحدثان يقظة حادة أو نشوة، بل يعملان بصورة أكثر انتظاما في الخلفية، إذ يثبتان الانتباه وضبط الاندفاعية وقابلية الاستثارة الانفعالية على مدار اليوم. وبوجه عام لا ترخص هذه الأدوية إلا كجزء من مفهوم علاجي شامل، وينبغي استخدامها تحت إشراف أطباء متخصصين.
النمط الشائع هو العلاج السلوكي، حيث يتعلم المصابون بالتعاون مع المعالجة خطوة خطوة تنظيم يومهم (الواجبات المنزلية، العمل، وقت الفراغ)، وتقسيم المهام إلى أجزاء صغيرة قابلة للتنفيذ، وتنظيم أنفسهم بشكل مناسب (التقويم، التطبيقات، التذكيرات)، والتعامل بصورة أفضل مع مشاعر مثل الإحباط أو فرط المتطلبات.
مثل هذه التدريبات على التخطيط وتأجيل المكافأة وتنظيم الانفعالات لا تشفي اضطراب نقص الانتباه مع فرط النشاط، لكنها تنقل استراتيجيات للتعامل الأفضل مع الأعراض، مثل الروتينات الواضحة، وخطط المكافآت، وتقنيات التهدئة الذاتية.
وغالبا ما يشارك الوالدان أو الشريك، وتوجد واجبات بين الجلسات. وفي ألمانيا والعديد من البلدان الأخرى تضع الإرشادات المعالجة النفسية على قدم المساواة مع العلاج الدوائي: ففي الأشكال الخفيفة قد تكون كافية، أما في الحالات الشديدة فيجري غالبا الجمع بين الاستراتيجيات المكتسبة والعلاج الدوائي لتسهيل تطبيق ما تم تعلمه في العلاج.
إحدى أكثر الملاحظات إثارة للدهشة في الدراسة الجديدة هي أن المنبهات ارتبطت لدى الأطفال المصابين باضطراب نقص الانتباه مع فرط النشاط أو الذين يعانون نقصا واضحا في النوم بتحسن الدرجات المدرسية والأداء المعرفي. أما لدى الأطفال ذوي النوم الجيد وغير المصابين باضطرابات عصبية، فلم يظهر ذلك، بحسب فريق كلية الطب بجامعة واشنطن في سانت لويس. وعند الأطفال الذين ينامون وقتا غير كاف، ألغت المنبهات في التصوير، إلى حد ما، البصمة الدماغية النموذجية لنقص النوم، بما في ذلك تراجع الأداء.
وعلى المدى القصير قد يبدو ذلك كبديل اصطناعي لليلة نوم جيدة، لكن الفريق يحذر على المدى الطويل من سوء فهم خطير: فالعجز في النوم يبقى ضارا بيولوجيا، حتى وإن أمكن إخفاؤه دوائيا خلال النهار. وبالنسبة للتشخيص والعلاج، يعني ذلك أنه قبل وصف المنبهات ينبغي التحقق بعناية مما إذا كانت المشكلات النمطية لاضطراب نقص الانتباه مع فرط النشاط لا تعود ببساطة إلى نقص نوم مزمن، وما إذا كان ينبغي أولا تحسين نظافة النوم وبنية اليوم ومستويات العبء.
أعده للعربية: عباس الخشالي
المصدر:
DW