في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
لو خُيِّرت بين محاربٍ واحد شديد التسلّح وبين كتيبةٍ كبيرة بعتادٍ أخف، أيهما تختار؟ السؤال يبدو لعبة ذهنية، لكنه يلامس فكرة عميقة في سلوك الحيوان، وهي المفاضلة بين الجودة والكمّ.
في دراسة حديثة نُشِرت بدورية ساينس أدفانسز، يقترح فريق من العلماء أن كثيرا من أنواع النمل حسمت هذه المفاضلة لصالح العدد، وتبيّن أن القرار نجح.
خلاصة الفكرة بسيطة ومقلقة في آن، فبعض أنواع النمل لا "تُحصّن" كل فرد إلى أقصى حد، بل تُقلّل ما تنفقه على حماية العامل الواحد، ثم تستخدم ما وفّرته لتصنع عددا أكبر من العمّال.
الباحثون يصفون هذا الاتجاه بأنه جعل الأفراد "أرخص"، ليس بمعنى البيع والشراء بالطبع، ولكن ذلك يعني أن الأفراد أقل كلفة في البناء الغذائي، حتى لو كانوا أقل صلابة بشكل فردي. والنتيجة ليست ضعفا للمستعمرة، بل العكس، قوة جمعية تنشأ من الكثرة والتنظيم وتقسيم العمل.
وحسب الدراسة، فإن المفتاح هو "الكيوتكل"، وهو الطبقة الخارجية الصلبة التي تكوّن هيكل النملة وتمنحها حمايةً من الافتراس والجفاف وبعض الأمراض، وتوفّر أيضًا دعامةً تتعلّق بها العضلات.
لكنها هذه الطبقة الحامية مجانية، فهي تتطلب مغذّيات نادرة نسبيا، خصوصا النيتروجين ومعادن متعددة. وزيادة سماكة هذه الطبقة تعني استهلاك موارد أكثر لكل عامل، وقد تضع سقفا لعدد الأفراد الذين تستطيع المستعمرة إعالتهم.
لدراسة "هندسة" هذه الطبقة استخدم الفريق قاعدة بيانات ضخمة من مسوحات أشعة سينية ثلاثية الأبعاد لقياس حجم "الدروع" مقارنة بحجم الجسم في مئات الأنواع، قام العلماء بتحليل أكثر من 500 نوع، مع تباين كبير في نسبة الاستثمار في الكيوتكل، تقريبا بين 6% و35% من حجم الجسم.
وعندما جُمعت القياسات مع نماذج حسابية بيولوجية، ظهر نمط واضح، وهو أن الأنواع التي تستثمر أقل في "الدرع" تميل إلى امتلاك مستعمرات أكبر.
في هذا السياق، فإن الباحثين أنفسهم يقترحون بحذر تشابها "مفهوميا" مع البشر، ففي التاريخ العسكري مثلا، تراجعت هيمنة الفارس المدرّع لصالح وحدات أكثر تخصصا وعددا.
وفي هذا السياق، يُشار إلى أفكار رياضية مثل قوانين لانشستر التي تبحث متى تتغلب الكثرة المنظمة على قوةٍ فردية أعلى.
قوانين لانشستر هي مجموعة معادلات وضعها المهندس البريطاني فريدريك لانشستر في بدايات القرن العشرين لوصف كيف تؤثر الأعداد وقوة النيران في نتيجة الاشتباكات.
والفكرة الجوهرية بسيطة: أحيانا "الكثرة" لا تزيد القوة خطيا، بل قد تزيدها تربيعيا عندما يستطيع كل مقاتل أن يستهدف العدو مباشرة.
في حالة لانشستر، ليست القوة "عددا فقط"، بل هناك عوامل مهمة نجدها جميعا في النمل، منها الدقة ومعدل الإطلاق وجودة التدريب والقيادة، وجودة الاستطلاع والمعلومات والانضباط والاتصالات. لذلك قد يعوّض طرف أقل عددا تفوقا عدديا إذا كانت فعاليته أعلى بما يكفي.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة