عمون - مع مطلع الشهر الجاري أكتوبر/ تشرين الأول الجاري، انتشر في مدن المملكة وقراها قرابة اثني عشر ألف باحث وباحثة، يحمل كل منهم جهازاً لوحيّاً وبطاقة تعريف مزودة برمز استجابة سريعة، بضمنهم آلاف المعلمين والمعلمات من وزارة التربية والتعليم، ليطرقوا أبواب نحو مليونين ونصف المليون أسرة موزعة على اثنتي عشرة محافظة، هذا هو التعداد العام للسكان والمساكن السادس في تاريخ الأردن، والأول منذ عام 2015 ويستمر هذا العمل الميداني حتى نهاية الشهر.

المشهد في ظاهره إداري بحت؛ مربعات إحصائية ارتفع عددها من نحو تسعة عشر ألفاً في التعداد السابق إلى أربعة وعشرين ألفاً، وحصر مسبق للمباني والسكان بالاستعانة بالخرائط والصور الجوية، واستمارة تتضمن نحو اثنين وستين سؤالاً عن السكان والصحة والتعليم والعمل والسكن، غير أن من يقف على عتبة بيته أمام باحث غريب عنه يدرك أن الأمر أكثر من مجرد استمارة، ويقفز السؤال القديم: لماذا تريدون أن تعرفوا؟ وكيف سيتم توظيف هذه البيانات؟ التشكيك ليس طارئاً ولا غريباً، في بلد يعلم أبناؤه أن البيانات الديمغرافية قد تقرأ سياسياً ومالياً، وأن الاستمارات قد تتحول إلى ضريبة أو رقابة أو قرار يمس الإقامة والعمل والحقوق.

من هنا تبدو الحاجة إلى أن طمأنة المستجيب جزء من العملية الفنية، ولعل هذا ما يفسر الحملة الإعلامية التي ترافق التعداد؛ إذ لا تشمل أسئلة التعداد ما يخص دخل الأسر والافراد والملكيات، ولا ارتباط للبيانات بشرعية إقامة غير الأردنيين أو بتصاريح عملهم، كذلك يتم حفظ البيانات الفردية دون ربطها مع قواعد بيانات حكومية أخرى، والبيانات محمية بقانون الإحصاءات العامة، وسوف تستخدم لأغراض إحصائية بحتة وفقاً للتصريحات المتكررة لمدير دائرة الإحصاءات والمسؤول الأول عن التعداد الخبير السابق في الأمم المتحدة الدكتور حيدر فريحات.

وتجاوزت حملة التشكيك الاستحقاق المهم والطبيعي للتعداد (يجري كل عشر سنوات)، حيث أطلق المركز الوطني للأمن السيبراني ودائرة الإحصاءات العامة حملة توعوية حذرت من محاولات الاحتيال وانتحال صفة مندوبي التعداد، كذلك جرى تداول ادعاءات عن مخاطر سيبرانية في الأجهزة اللوحية التي يستخدمها الباحثون، وعن وصولها من العراق، وعن احتمال تسرب بيانات المواطنين والمقيمين، مما دفع المركز الوطني للأمن السيبراني إلى إصدار بيان أوضح فيه أن الأجهزة وصلت قبل أكثر من عام وخضعت لفحوصات وزارة الاقتصاد الرقمي وهيئة تنظيم قطاع الاتصالات ودائرة الجمارك العامة، ولم يتم استخدامها إلا بعد استكمال الإجراءات اللازمة.

كل هذا يشير إلى أن معلومات السكان صارت أصلاً مهماً وحساساً في زمن البيانات ومعالجتها، وأن الثقة العامة بها تمثل جزءاً من الأمن الرقمي للدولة كما هي جزء من أمنها الاجتماعي، ويمكن اعتبار الحملة الإعلامية اعترافاً ضمنياً بحجم الشكوك المحيطة بالتعداد، وهذه التطمينات ضرورية، لكنها لا تكفي وحدها، فالثقة في التعداد يتم بناؤها عبر إطار زمني وبشكل مشابه لبناء المؤسسات، وهو ما يقتضي سرعة نشر النتائج وشفافية منهجيتها، خلافاً لتجارب سابقة تم التحفظ فيها على بعض النتائج المتعلقة بالدخل ونسب الفقر عندما جاءت النتائج مغايرة للتصريحات الرسمية آنذاك.

وتزداد أهمية هذه البيانات في المملكة بسبب التغييرات الديمغرافية السريعة وموجات الهجرة، وفي تعداد 2015 بلغ عدد المقيمين نحو 9.53 ملايين نسمة، بينهم 2.918 مليون من غير الأردنيين، أي نحو ثلاثين في المئة، وكان السوريون يشكلون قرابة ثلاثة وأربعين في المئة منهم، ثم المصريون والفلسطينيون بنسبة تقارب اثنين وعشرين في المئة لكل منهما، وبعد ذلك مرت المنطقة بموجات لجوء وهجرة وحروب جديدة رفعت عدد السكان في إبريل/ نيسان الماضي ليتجاوز 12 مليون نسمة، هذا يعني أن الأردن يعيش منذ سنوات على تقديرات ومسوح وإسقاطات بديلةً للتعداد، وهو ما يربك عملية التخطيط.

والتعداد من شأنه إعطاء صورة عامة عن الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية؛ كم أسرة أردنية تسكن في بيوت مستأجرة؟ وكم شاب وشابة يعيشون بلا عمل منتظم؟ وكيف تغير توزيع السكان بين العاصمة والمحافظات؟ وما حجم الفجوات التعليمية والصحية بين المناطق؟ وكم عدد الوافدين والمقيمين في كل محافظة بصرف النظر عن وضعهم القانوني.

وهذه كلها أسئلة دقيقة يترتب عليها توجهات واستراتيجيات تهم المقيمين على أرض المملكة وقت التعداد. أما الرسائل التي ترافق التعداد في ظل الضبابية السياسية في المنطقة فهي عديدة؛ أبرزها أن الدولة تحدد من يعيش على أرضها لأغراض إحصائية وليس لفرض عقوبات سواء على اللاجئين أو العمال، فالتعداد ليس بوابة للترحيل أو المحاسبة، وأن الدقة في تمثيل أحوالهم تخدم التخطيط للمدارس والمياه والصحة التي تتقاسمها المجتمعات المضيفة معهم، والرسالة الموجهة إلى الخارج والشركاء والمانحين والمؤسسات الدولية التي تبني تمويلاتها وسياساتها على البيانات الصادرة من الأردن؛ أن لدى المملكة قدرة مؤسسية على إجراء عملية وطنية معقدة بانتظام وبمعايير دولية، رغم ما يحيط بها من اضطراب إقليمي وايفاء بالاستحقاق كل عشر سنوات رغم الاضطرابات المحيطة.

ولا شك أن للأرقام حساسية خاصة في سياق إقليمي ما زالت فيه قضايا اللجوء والهوية والتوازنات السكانية تثير القلق والجدل، لذلك من الضروري تحصين التعداد بالمعرفة ونشر النتائج على مراحل واضحة، وإتاحة البيانات التحليلية للباحثين، وتفسير المنهجية بلغة مبسطة، وفصل عملية الإحصاء عن أي قرارات لاحقة تخص الإقامة أو الحقوق السياسية.

الخلاصة أن نجاح التعداد لن يقاس بعدد الاستمارات المكتملة فقط، بل بالقدرة على أن يساهم ولو جزئياً بوصل الثقة بين الدولة والمواطن في زمن تتراجع فيه الثقة بالأرقام الرسمية في كثير من المجتمعات، والباحثون ليسوا مجرد جامعي بيانات؛ إنهم يختبرون بشكل غير مباشر علاقة المجتمع بالمعرفة والدولة بالشفافية وأهمية البيانات في رسم السياسات لعقد قادم من الزمن.

العربي الجديد