سرايا - ما زال نظام إدارة الموارد البشرية في القطاع العام يثير حالة من القلق والاعتراض بين موظفين، على خلفية ملاحظات تتعلق بآليات التعيين في الوظائف الإشرافية والإدارية، والفروقات في الرواتب، والمخاوف من فقدان الدرجات الوظيفية عند الانتقال إلى مواقع قيادية.

وفي رسالة وصلت إلى الصحفي هاشم الخالدي، عرض أحد موظفي القطاع العام جملة من الملاحظات التي قال إنها تستدعي مراجعة شاملة لبنود النظام، مؤكداً أن بعض التعديلات، من وجهة نظره، قد لا تحقق العدالة الوظيفية المنشودة، بل قد تنعكس سلباً على الاستقرار الوظيفي وجودة الأداء الإداري.

رواتب مرتفعة.. لكن هل تتساوى المسؤوليات؟

وتساءل الموظف عن آلية تحديد الرواتب للوظائف الإشرافية والإدارية، مشيراً إلى أن راتب رئيس القسم قد يصل، وفقاً لما أورده، إلى نحو 1400 دينار، فيما قد يصل راتب المدير إلى نحو 1700 دينار، متسائلاً عن مدى مراعاة حجم العمل الفعلي وطبيعة المسؤوليات عند تحديد هذه الرواتب.

وأوضح أن حجم الضغط الوظيفي يختلف بصورة كبيرة بين الوزارات والدوائر الحكومية، بل وبين المديريات والأقسام داخل المؤسسة الواحدة، لافتاً إلى أن بعض المواقع، مثل المحاكم النظامية والشرعية، ودائرة الأراضي، والمستشفيات، ودائرة الأحوال المدنية، تواجه أعباء عمل كبيرة وضغوطاً يومية، ما يستدعي، بحسب رأيه، مراعاة طبيعة العمل وحجمه عند تحديد الامتيازات الوظيفية.

وأضاف أن من الإشكاليات التي يخشى حدوثها وجود حالات قد يتقاضى فيها رئيس قسم راتباً أعلى من راتب مديره المباشر، الأمر الذي يطرح تساؤلات حول أسس بناء الرواتب ومدى تحقيقها للتوازن بين المسؤولية الإدارية والتدرج الوظيفي.

هل يخسر الموظف درجته مقابل الترقية؟

ومن أبرز الملاحظات التي طرحها الموظف ما يتعلق بتحويل شاغلي الوظائف الإشرافية والإدارية إلى نظام العقود السنوية، معتبراً أن ذلك قد يضع الموظف أمام خيار صعب بين التقدم الوظيفي والمحافظة على وضعه الوظيفي المستقر.

وقال إن الموظف الذي أمضى سنوات طويلة في الخدمة حتى وصل إلى درجة وظيفية متقدمة، وانتظر استحقاق الدرجة الخاصة، قد يجد نفسه أمام مخاوف من فقدان درجته عند توليه منصباً إدارياً، وهو ما يراه خسارة لا تتناسب مع سنوات الخدمة والخبرة التي راكمها.

وأكد أن هذه المسألة تحتاج إلى توضيح رسمي بشأن الآثار المترتبة على انتقال الموظف إلى وظيفة إشرافية، ومدى احتفاظه بحقوقه ودرجته الوظيفية، والضمانات المتاحة له في حال انتهاء العقد أو عدم تجديده.

مخاوف من التأثير على استقلالية القرار الإداري

ولم تتوقف الملاحظات عند الجوانب المالية والوظيفية، إذ حذّر الموظف من أن ربط الاستمرار في الوظائف الإشرافية بتجديد العقود السنوية قد يخلق، في رأيه، حالة من عدم الاستقرار الوظيفي، وربما يدفع بعض المسؤولين إلى تجنب مخالفة رؤسائهم المباشرين خشية عدم تجديد عقودهم.

وأشار إلى أن مثل هذه المخاوف، إذا لم تُعالج بضمانات واضحة وعادلة، قد تؤثر على استقلالية القرار الإداري، وتحدّ من قدرة المسؤول على الاعتراض على القرارات الخاطئة أو الإبلاغ عن التجاوزات، بما قد ينعكس سلباً على جودة العمل ومكافحة الفساد الإداري.

الاستقطاب الخارجي بدلاً من تحميل الموظف الداخلي كلفة التغيير

وفي المقابل، أكد الموظف تأييده لمبدأ الاستقطاب الخارجي عند الحاجة إلى خبرات تخصصية غير متوافرة داخل المؤسسات الحكومية، مثل البرمجة والترجمة والهندسة وغيرها من المهارات النوعية.

وتساءل عن جدوى إخضاع موظف حكومي أمضى سنوات في الخدمة، واكتسب الخبرة وتدرج في الدرجات الوظيفية، لنظام تعاقدي قد يعرّض مكتسباته المهنية للخطر عند توليه منصباً إشرافياً، في حين يمكن استقطاب أصحاب المهارات المطلوبة من خارج المؤسسة وفق عقود وشروط تتناسب مع طبيعة الوظيفة.

وشدد على أن تطوير الإدارة العامة يجب أن يقوم على استثمار الخبرات الموجودة داخل المؤسسات، إلى جانب استقطاب الكفاءات التي تحتاج إليها، دون أن يشعر الموظف بأن تقدمه الوظيفي قد يأتي على حساب حقوقه واستقراره.

دعوة إلى مراجعة شاملة للنظام

وطالب الموظف بمراجعة بنود نظام الموارد البشرية، وعدم الاكتفاء بمعالجة جزئية لبعض مواده، مستشهداً بالتراجع عن تحديد الإجازة دون راتب لمدة عامين، باعتباره مثالاً على إمكانية إعادة النظر في القرارات التنظيمية عندما تظهر الحاجة إلى ذلك.

وأكد أن اعتراضه لا ينبع من رفض التقدم الوظيفي، موضحاً أن درجته الحالية تؤهله لتولي منصب رئيس قسم، وأن راتبه قد يرتفع بأكثر من 500 دينار في حال توليه المنصب، لكنه يرى أن المكسب المالي لا يلغي مخاوفه من فقدان الدرجة الوظيفية أو التعرض لعدم الاستقرار في المستقبل.

وختم رسالته بالتأكيد أن العدالة الوظيفية لا تتحقق بمجرد توحيد الامتيازات بين الوظائف، بل تتطلب مراعاة طبيعة العمل وحجم المسؤوليات، وحماية الحقوق المكتسبة، ووضع ضمانات تحول دون تحول الوظائف الإشرافية إلى مواقع تفتقر إلى الاستقلالية.

ويبقى السؤال أمام الجهات المعنية: هل يحتاج نظام الموارد البشرية إلى مراجعة تعزز الاستقرار الوظيفي وتضمن العدالة بين الموظفين، بحيث تكون الترقية مكافأة على الخبرة والكفاءة، لا مخاطرة قد يدفع الموظف ثمنها بعد سنوات من الخدمة؟

إقرأ ايضاَ