سرايا - تدخل الاستحقاقات الدستورية والسياسية المقبلة مرحلة أكثر حساسية، مع اقتراب موعد انعقاد الدورة العادية لمجلس الأمة في الثاني من تشرين الثاني المقبل، بالتزامن مع استحقاق دستوري يتعلق بمجلس الأعيان في السادس والعشرين من الشهر الحالي، وسط حراك سياسي ونخبوي كثيف حول شكل المرحلة المقبلة وتركيبة المؤسسات الدستورية.


وبحسب ما ترصده أوساط سياسية، فإن أحد السيناريوهات المطروحة بقوة يتمثل في الإبقاء على التركيبة الحالية لمجلس الأعيان إلى حد كبير، مع الاكتفاء بملء المقاعد الشاغرة، بدل الذهاب إلى إعادة تركيب واسعة للمجلس، في ظل صعوبة إدارة قائمة طويلة من الطموحات والطلبات المرتبطة بعضوية المجلس.


ويأتي ذلك في وقت تتزايد فيه المطالبات بالوصول إلى مجلس الأعيان، وسط زحام نخبوي لافت على عدد محدود من المقاعد، الأمر الذي يجعل أي تغيير واسع في التركيبة محكومًا بمعادلة سياسية دقيقة؛ إذ إن عدد غير الراضين عن أي تغييرات محتملة قد يفوق بكثير عدد المستفيدين منها.


وتبدو المسألة، في جوهرها، أبعد من مجرد إجراء دستوري يتعلق بملء الشواغر، إذ ترتبط بحسابات أوسع تتصل بطبيعة المرحلة التشريعية المقبلة، ومدى الانسجام المطلوب بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، وقدرة الحكومة على تمرير أولوياتها وبرامجها في بيئة سياسية تتطلب قدرًا مرتفعًا من التنسيق والتفاهم.


وتجد حكومة رئيس الوزراء جعفر حسان نفسها أمام استحقاقات تشريعية وسياسية متزامنة، تجعل تركيبة مجلس الأمة عاملًا مؤثرًا في إدارة المرحلة المقبلة، خصوصًا في ظل الحاجة إلى تحقيق أكبر قدر ممكن من الانسجام بين المسارين التشريعي والتنفيذي.


وفي هذا السياق، يبقى سيناريو إعادة تشكيل مجلس الأعيان مطروحًا، إلى جانب سيناريو الإبقاء على تركيبته الحالية، فيما تبدو الحسابات السياسية المرتبطة بكلفة كل خيار حاضرة بقوة في دوائر القرار.


بالتوازي مع ملف الأعيان، تتجه الأنظار إلى ما إذا كان رئيس الوزراء جعفر حسان سيمضي نحو تعديل وزاري جديد قبل انطلاق الدورة البرلمانية الجديدة، أم أن الحكومة ستدخل الاستحقاق التشريعي بتركيبتها الحالية.


وتتباين الإشارات المتداولة في الأوساط السياسية والإعلامية بشأن التعديل المحتمل، بين من يرى أن إعادة ترتيب بعض الحقائب باتت مطروحة بصورة جدية، وبين من يعتقد أن الأولوية ستبقى لتثبيت الفريق الوزاري خلال المرحلة المقبلة، خصوصًا في ظل كثافة الملفات السياسية والاقتصادية والتشريعية.


وبذلك، تبدو بورصة التعديل الوزاري مفتوحة على أكثر من سيناريو، من تعديل محدود يطال بعض الحقائب، إلى إعادة توزيع أوسع للأدوار، دون أن يعني ذلك أن قرارًا نهائيًا قد اتخذ حتى الآن.


وفي خضم هذا الحراك، برز اسم وزير الداخلية مازن الفراية في بعض التقارير والتسريبات الإعلامية خلال الفترة الأخيرة، بصورة أثارت تساؤلات سياسية حول خلفيات التركيز عليه تحديدًا، وما إذا كان الأمر مرتبطًا بتقييم لأدائه الوزاري، أم أنه جزء من التجاذبات التي ترافق عادة أي حديث عن تعديل حكومي.


وتتعامل أوساط سياسية مع ما ظهر من انتقادات بحق الفراية باعتباره ملفًا يحتاج إلى قراءة منفصلة، خصوصًا أن الوزير يتولى حقيبة ذات طبيعة سيادية وحساسة، وترتبط مباشرة بإدارة المحافظات والحكام الإداريين والمعابر والعديد من الملفات الداخلية ذات الصلة بالأمن المجتمعي والإدارة المحلية.


وفي المقابل، ترى أوساط أخرى أن ارتفاع منسوب الحديث عن وزير الداخلية في هذه المرحلة قد يكون جزءًا من المناخ السياسي المصاحب لأي تعديل وزاري، حيث تتحول بعض الأسماء إلى محاور للنقاش السياسي والإعلامي قبل أن تتبلور القرارات النهائية.


ولا توجد، حتى الآن، معطيات معلنة تؤكد أن مصير الفراية حُسم ضمن أي تعديل مرتقب، فيما تبقى التكهنات المتداولة في هذا الإطار ضمن نطاق القراءة السياسية والإعلامية، لا القرارات الرسمية.


وفي ملف الأعيان، تبدو الصورة أكثر تعقيدًا، في ظل تداول معلومات عن وصول أعداد كبيرة من الطلبات والمطالبات المتعلقة بعضوية المجلس، وهو ما يعكس حجم التنافس النخبوي على المقاعد المحدودة.


وتفرض هذه المعادلة على صانع القرار حسابات دقيقة؛ فالتغيير في تركيبة المجلس قد يفتح الباب أمام أسماء جديدة، لكنه في الوقت ذاته قد يخلق دائرة أوسع من الاستياء لدى من لم تشملهم التغييرات، خصوصًا مع ارتفاع سقف التوقعات والطلبات.


ومن هنا، فإن الإبقاء على التركيبة الحالية، مع معالجة الشواغر فقط، قد يمثل بالنسبة لبعض دوائر القرار خيارًا أقل كلفة سياسيًا، وأكثر قدرة على الحفاظ على التوازنات القائمة، إلى حين اتضاح صورة المرحلة السياسية المقبلة.


وعليه، فإن الأيام المقبلة قد تحمل مزيدًا من الإشارات حول اتجاهات القرار، سواء باتجاه تثبيت تركيبة مجلس الأعيان وملء الشواغر، أو إجراء تغيير أوسع، بالتوازي مع ما إذا كان التعديل الوزاري القادم سيخرج من دائرة الاحتمالات إلى حيز التنفيذ.

إقرأ ايضاَ