6 مرشحين لرئاسة مجلس النواب وسط الزحام بإنتظار “صعود الدخان الأبيض” .. تفاصيل
سرايا - خاص - تتجه الأنظار في الأوساط السياسية والنيابية إلى معركة رئاسة مجلس النواب، في ظل إعلان ستة نواب نيتهم الترشح للموقع، في مشهد يعكس حجم التنافس المبكر على أحد أهم مفاتيح المشهد السياسي تحت قبة البرلمان.
وبينما تبدو كثرة المرشحين للوهلة الأولى تعبيرًا عن حيوية المنافسة البرلمانية، فإنها في الحسابات السياسية تفتح الباب أمام سباق أكثر تعقيدًا، تحكمه موازين الكتل، والتحالفات العابرة لها، وقدرة كل مرشح على بناء توافقات تتجاوز حدود قاعدته النيابية الضيقة.
انتخابات رئاسة مجلس النواب لا تُقرأ عادة باعتبارها منافسة شخصية بين مجموعة من النواب فقط، إذ إن الموقع يرتبط بصورة مباشرة بإدارة إيقاع السلطة التشريعية، وتنظيم العلاقة بين الكتل النيابية، وضبط جدول الأعمال، وإدارة الجلسات، والتعامل مع الحكومة والملفات والقوانين التي تصل إلى المجلس.
ومن هنا، فإن الوصول إلى "الدخان الأبيض" لن يكون بالضرورة نتيجة تفوق مرشح على آخر داخل الكتل فقط، بل قد يكون نتاج تسوية سياسية ونيابية واسعة، خصوصًا إذا بقي عدد المرشحين مرتفعًا حتى اللحظات الأخيرة.
وفي مثل هذه الانتخابات، يصبح السؤال الأهم: من يستطيع جمع أكبر مساحة ممكنة من التوافق، وليس فقط من يملك أعلى سقف من الطموح؟
من الطبيعي أن تتابع الحكومة مسار انتخابات رئاسة مجلس النواب باهتمام، بالنظر إلى أن رئيس المجلس سيكون شريكًا أساسيًا في إدارة العلاقة اليومية بين السلطتين التنفيذية والتشريعية.
لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن رئاسة المجلس تُحسم داخل أروقة الحكومة؛ فالموقع، بحكم طبيعته الدستورية والسياسية، أوسع من أن يكون مجرد امتداد للمزاج الحكومي، كما أن النواب والكتل يمتلكون حساباتهم الخاصة ومصالحهم السياسية والتنظيمية.
والأكثر واقعية أن تبحث السلطة التنفيذية عن مجلس قادر على العمل والإنجاز، ورئاسة قادرة على إدارة الخلاف دون تحويله إلى صدام دائم، خصوصًا في مرحلة تحمل ملفات اقتصادية وتشريعية ثقيلة.
وبمعنى آخر، فإن المصلحة الحكومية قد تتقاطع مع مصلحة بعض الكتل في إنتاج رئاسة مستقرة وقادرة على تمرير الأجندة التشريعية، لكنها لا تلغي في المقابل استقلال الحسابات النيابية ولا تلغي حق النواب في إعادة ترتيب تحالفاتهم.
وفي ظل هذا المشهد، يبرز موقف نواب حزب الأمة، أو ما يمكن تسميته بالكتلة الإسلامية داخل المجلس، باعتباره أحد المتغيرات التي يمكن أن تؤثر في شكل المنافسة، خصوصًا إذا بقي موقفهم من المرشحين غير محسوم حتى المراحل الأخيرة.
ففي انتخابات من هذا النوع، لا تنحصر أهمية أي كتلة في عدد مقاعدها فقط، وإنما في قدرتها على الدخول في تفاهمات مع أطراف أخرى، أو ترجيح كفة مرشح عندما تقترب المنافسة من لحظة الحسم.
ولهذا، فإن الأسابيع المقبلة قد تشهد اتصالات ولقاءات نيابية مكثفة، ومحاولات لبناء تفاهمات قد لا تظهر جميع تفاصيلها إلى العلن، خصوصًا أن بعض التحالفات في انتخابات رئاسة المجلس قد تكون ظرفية ومبنية على صفقة سياسية أوسع من الاستحقاق نفسه.
ولا تتوقف أهمية المعركة عند شخص رئيس المجلس؛ فتركيبة المكتب الدائم واللجان النيابية، وطبيعة العلاقة بين الكتل، ستكون جميعها جزءًا من المشهد الذي سيحدد شكل الدورة البرلمانية المقبلة.
فالكتل التي ستشارك في إنتاج التوافق على الرئاسة ستكون مطالبة لاحقًا بإثبات قدرتها على العمل التشريعي، خصوصًا أن أجندة المجلس لن تكون خفيفة.
ومن أبرز الملفات التي ستضع العلاقة بين الحكومة والنواب أمام اختبار فعلي مشروع قانون الموازنة، ومشروع قانون معدل للضمان الاجتماعي، والقوانين المرتبطة بخطط الإصلاح والتحديث الاقتصادي والإداري.
وهنا تحديدًا، لن يكون السؤال فقط: من يترأس المجلس؟ بل أي مجلس سيولد بعد الانتخابات، وهل سيكون قادرًا على ممارسة رقابة سياسية وتشريعية فعالة، وفي الوقت نفسه إنتاج تشريعات مستقرة وقابلة للتطبيق؟
بالنسبة لحكومة جعفر حسان، فإن الدورة البرلمانية المقبلة قد تكون أكثر حساسية من سابقاتها، ليس فقط بسبب الملفات التشريعية، وإنما بسبب ارتفاع سقف التوقعات الاقتصادية والاجتماعية لدى الشارع والنواب على حد سواء.
فالملف الاقتصادي لم يعد يقاس بعدد البرامج والخطط التي تعلنها الحكومة، وإنما بالقدرة على تحويلها إلى نتائج ملموسة، خصوصًا في ملفات النمو الاقتصادي، التشغيل، الاستثمار، البطالة، وتحسين الخدمات العامة.
وهنا تبرز مسألة البطالة باعتبارها أحد أكثر الملفات حساسية؛ إذ إن الرؤية الاقتصادية والتحديث الاقتصادي وضعا أهدافًا مرتبطة برفع معدلات النمو وتوسيع فرص العمل، فيما بقيت مؤشرات سوق العمل وتحديات التشغيل محل نقاش واسع، الأمر الذي يمنح النواب مساحة أكبر لمساءلة الحكومة عن الفجوة بين الأهداف المعلنة والنتائج المتحققة.
وبالتالي، فإن أي رئيس جديد للمجلس سيجد نفسه أمام معادلة دقيقة: الحفاظ على هيبة المؤسسة التشريعية وحقها في الرقابة والمساءلة، دون تحويل الجلسات إلى ساحة تعطيل دائم للعمل الحكومي والتشريعي.
وهذه المعادلة تحديدًا قد تكون العامل الأكثر تأثيرًا في تقييم الرئاسة الجديدة خلال الأشهر الأولى.
المفارقة السياسية في المشهد الحالي أن كثرة المرشحين قد لا تعني بالضرورة استمرار المنافسة حتى صندوق الاقتراع.
فكلما ارتفع عدد المرشحين، ارتفعت احتمالات أن تبدأ عملية إعادة التموضع والانسحاب والتفاوض، وصولًا إلى مرشح أو اثنين يمتلكان قدرة أكبر على جمع الأصوات.
ومن هنا، فإن "الدخان الأبيض" قد يصعد قبل يوم الانتخاب إذا نجحت الاتصالات في إنتاج توافق، وقد يتأخر إذا أصرت الأطراف المتنافسة على خوض المعركة حتى نهايتها.
وفي الحالتين، فإن المعركة لا تتعلق بمقعد بروتوكولي؛ فرئاسة مجلس النواب تمثل مفتاحًا لإدارة واحدة من أهم ساحات الاشتباك السياسي في المرحلة المقبلة، خصوصًا مع وجود حكومة تواجه ملفات اقتصادية صعبة، ومجلس أمام استحقاقات تشريعية ورقابية ثقيلة.
وعليه، فإن الأسابيع المقبلة قد تحمل أكثر من اسم للرئاسة؛ لكنها في النهاية ستبحث عن اسم واحد قادر على تحويل التنافس النيابي من حالة "زحام" إلى توافق سياسي قابل للاستمرار.