زاد الاردن الاخباري -
يتجه الأردن إلى التعامل مع ملف التمويل المناخي بوصفه مساراً اقتصادياً واستثمارياً لا يقل أهمية عن كونه استجابة لتحديات البيئة والتغير المناخي، في وقت يواجه فيه البلد ضغوطاً متزايدة مرتبطة بشح المياه وارتفاع كلف الطاقة والحاجة إلى تمويل مشاريع كبرى في البنية التحتية.
ويعكس اجتماع جلالة الملك عبدالله الثاني، أمس، لمراجعة جهود الحكومة في مجال التمويل الأخضر والمناخي، توجهاً نحو توسيع هذا الملف وربطه بصورة أوضح بالاستثمار والنمو الاقتصادي، من خلال تحويل احتياجات الأردن في المياه والطاقة والنقل والزراعة والبنية التحتية إلى مشاريع قادرة على جذب التمويل المحلي والدولي.
وتكمن أهمية هذا التوجه في أن التمويل المناخي لا يقتصر على المنح أو القروض المخصصة للمشاريع البيئية، بل يمكن أن يتحول إلى أداة لتحفيز استثمارات أوسع، خصوصاً إذا جرى إعداد المشاريع وفق معايير واضحة ودراسات جدوى قابلة للتمويل، مع توفير بيئة تشريعية وتنظيمية تشجع القطاع الخاص على الدخول فيها.
ويبرز مشروع الناقل الوطني للمياه نموذجاً عملياً على هذا المسار، بعدما نجح الأردن في الحصول على 295 مليون دولار من صندوق المناخ الأخضر لتمويل المشروع، ما يعكس قدرة المشاريع الوطنية الكبرى، عندما تجمع بين الأثر التنموي والمناخي، على الوصول إلى مؤسسات التمويل الدولية.
وتفتح هذه التجربة الباب أمام توسيع دائرة المشاريع المؤهلة للتمويل المناخي، لتشمل قطاعات الطاقة المتجددة، والنقل الأخضر، ومعالجة وإعادة استخدام المياه، والزراعة الذكية، وإدارة النفايات، والسياحة المستدامة، وكفاءة الطاقة، والمباني الخضراء.
كما تمنح استضافة الأردن مكتباً تمثيلياً لصندوق المناخ الأخضر لمنطقة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى وأوروبا الشرقية فرصة إضافية لتعزيز موقع المملكة إقليمياً في هذا المجال، ليس فقط باعتبارها دولة تسعى للحصول على التمويل، بل كمركز قادر على جذب المشاريع والخبرات والاستثمارات المرتبطة بالتحول الأخضر.
لكن نجاح هذا المسار لا يرتبط بتوافر التمويل الدولي وحده، بقدر ارتباطه بقدرة الأردن على تجهيز مشاريع قابلة للتنفيذ والتمويل. فالمؤسسات المالية العالمية تبحث عن مشروعات واضحة من حيث الكلفة والعائد والمخاطر والحوكمة، وليس عن أفكار عامة أو خطط غير مكتملة.
ومن هنا، فإن الاختبار الحقيقي لأي استراتيجية وطنية في التمويل المناخي سيكون في قدرتها على تحويل الخطط إلى تدفقات مالية فعلية ومشاريع قائمة على الأرض، وقياس نتائجها بعدد الاستثمارات التي دخلت إلى المملكة، والمشاريع التي انطلقت، وفرص العمل التي أوجدتها.
ويبرز القطاع المصرفي الأردني كطرف أساسي في هذه المعادلة، إذ يمكن للتمويل الأخضر أن يفتح أمام البنوك أدوات ومنتجات جديدة، تشمل القروض الخضراء والسندات الخضراء وتمويل مشاريع كفاءة الطاقة والنقل النظيف والمباني المستدامة ومشاريع المياه.
كما يسمح هذا التوجه بإعادة قراءة بعض التحديات الأردنية من زاوية اقتصادية مختلفة؛ فشح المياه يمكن أن يتحول إلى سوق لتقنيات التحلية وإعادة الاستخدام وكفاءة الاستهلاك، وارتفاع كلفة الطاقة يمكن أن يدفع مزيداً من الاستثمارات إلى مصادر الطاقة المتجددة، فيما يمكن أن تتحول إدارة النفايات من عبء خدمي إلى نشاط اقتصادي وصناعي.
ويرتبط نجاح التمويل المناخي كذلك بمدى دمجه مع رؤية التحديث الاقتصادي، بحيث لا يبقى الاقتصاد الأخضر مساراً منفصلاً عن السياسات الاقتصادية العامة، بل يصبح جزءاً من خطط النمو والاستثمار والشراكة بين القطاعين العام والخاص.
وفي ظل توجه عالمي متسارع نحو تمويل مشاريع التحول الأخضر، تبدو المنافسة على هذه الأموال مرشحة للاشتداد خلال السنوات المقبلة، ما يضع الدول أمام سباق في إعداد المشاريع وتطوير التشريعات وبناء المؤسسات القادرة على التعامل مع المستثمرين ومؤسسات التمويل الدولية.
وبذلك، فإن الرهان الأردني في المرحلة المقبلة لن يكون على وجود التمويل المناخي في العالم، بل على قدرة المملكة على الوصول إليه وتحويله إلى مشاريع ذات أثر اقتصادي وتنموي مباشر.
المصدر:
زاد الأردن