الوكيل الإخباري- خطوة لافتة ومختلفة، تلك التي أقدمت عليها الحكومة الأردنية بإطلاق «فرح»، الناطق الرقمي الحكومي المطوّر باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، في تجربة وصفتها الحكومة بأنها الأولى من نوعها في المنطقة والعالم، بهدف توظيف التكنولوجيا في إيصال المعلومات والقرارات والسياسات الحكومية للمواطنين بطريقة أكثر بساطة وسرعة.
والحقيقة أن الفكرة بحد ذاتها تستحق الإشادة؛ فالحكومة لا تكتفي بالحديث عن الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي، وإنما تحاول إدخاله فعلياً في واحدة من أكثر المجالات حساسية: الاتصال مع المواطن.
وخلال الأيام الماضية، أخذت «فرح» طريقها سريعاً إلى الترند الأردني. ظهرت النكات، والصور المعدلة والمولدة بالذكاء الاصطناعي، بل ووصل الأمر إلى استخدام شكل الشخصية في منشورات تروّج لمحال أو أنشطة تجارية، وكأن «فرح» زارت هذا المكان أو ذاك.
وهذا الجزء يمكن التعامل معه باعتباره حالة طبيعية ومؤقتة ترافق أي شخصية جديدة تثير اهتمام الناس.
لكن بعد انتهاء موجة المزاح والترند، هناك سؤال أكثر جدية يجب أن تطرحه الحكومة:
ليس المطلوب منع المواطنين من صناعة الصور أو المحتوى، فهذا جزء من حرية التعبير والتفاعل الطبيعي مع أي شخصية عامة. لكن المشكلة تبدأ عندما يتم استخدام «فرح» بطريقة تجعل المواطن العادي غير قادر على التمييز بين المحتوى الحقيقي والمحتوى المفبرك.
وهنا تكمن الخطورة الحقيقية.
فـ«فرح» ليست شخصية تجارية أو مؤثرة على مواقع التواصل الاجتماعي. الحكومة قدمتها للمواطن باعتبارها أداة اتصال حكومية رسمية، وأعلنت أنها ستستخدمها لنقل المعلومات المتعلقة بالمشاريع الحكومية، والقرارات، والسياسات، والقضايا التي تمس حياة المواطنين. كما أطلقت الحكومة لاحقاً حساباً رسمياً لها على إنستغرام، وأعلنت النسخة الإنجليزية منها للاستخدام في المحتوى الموجه للإعلام الناطق بالإنجليزية والمؤتمرات الاستثمارية العالمية.
وهذا يجعل مسألة حماية هويتها الرقمية أكثر أهمية.
تخيلوا مثلاً أن يستيقظ الأردنيون يوماً على فيديو لـ«فرح» تقول فيه إن الحكومة قررت رفع سعر سلعة، أو إلغاء عطلة رسمية، أو تعديل ضريبة، أو اتخاذ قرار يتعلق بالتعليم أو الرواتب.
الفيديو قد يكون مفبركاً بالكامل.
لكن لأن الشخصية نفسها مرتبطة في أذهان الناس بالحكومة، فإن نسبة من الجمهور قد تتعامل معه باعتباره خبراً رسمياً، خصوصاً إذا كان الفيديو متقناً إلى درجة يصعب معها اكتشاف التزييف.
وهنا نحن أمام واحدة من أخطر مشكلات عصر الذكاء الاصطناعي: لم تعد المشكلة في صناعة الخبر الكاذب فقط، وإنما في صناعة مصدر رسمي مزيف للخبر الكاذب.
لذلك، ربما تحتاج الحكومة إلى خطوة مرافقة لإطلاق «فرح»: وضع إطار واضح لهويتها الرقمية، يتضمن مثلاً اعتماد الحسابات الرسمية الوحيدة التي تظهر من خلالها، ووضع علامة تعريف رقمية ثابتة على إنتاجها، والتنبيه بشكل واضح إلى أن أي محتوى لا يصدر عن تلك الحسابات لا يمثل الحكومة.
بل يمكن الذهاب أبعد من ذلك، عبر توعية المواطنين بأن «فرح» لا تتحدث باسم الحكومة إلا عندما تظهر عبر قنواتها الرسمية، واعطاءها صفة قانونية تحميها من التزوير. وهذا ليس ترفاً تقنياً.
العالم يدخل بسرعة إلى مرحلة يصبح فيها إنتاج فيديو واقعي لشخصية تتحدث بصوت طبيعي أمراً سهلاً ورخيصاً. وإذا كانت الشخصيات العامة معرضة أصلاً للتزييف، فإن الشخصيات الافتراضية التي صُممت من الأساس لتبدو حقيقية ستكون أكثر عرضة للاستخدام في التضليل.
ومن هنا، فإن نجاح تجربة «فرح» لن يقاس فقط بعدد المشاهدات أو التفاعل معها، ولا بمدى إعجاب الناس بشكلها وطريقة حديثها.
النجاح الحقيقي سيكون في قدرتها على بناء ثقة رقمية.
الحكومة فتحت باباً جديداً في الاتصال مع الأردنيين، وهذا أمر مهم ويستحق التجربة. لكن كل باب جديد في عالم الذكاء الاصطناعي يحتاج إلى قواعد تحميه من إساءة الاستخدام.
وبينما كانت صور «فرح» خلال الأيام الماضية مادة للضحك والترند، يجب أن نبدأ من الآن بالتفكير في اليوم الذي قد لا يكون فيه الموضوع مضحكاً على الإطلاق.
فقد تكون «فرح» غداً واحدة من أهم أدوات الاتصال الحكومي، ولذلك يجب أن يعرف الأردنيون بوضوح: متى تكون «فرح» هي الحكومة، ومتى تكون مجرد صورة صنعتها خوارزمية.
وهذه مسؤولية الحكومة قبل أن تكون مسؤولية المواطن.
المصدر:
الوكيل