خبرني - كتب محرر نبض الشارع
ليس كل غياب عن الشاشة غياباً عن الناس، وليس كل حضور على الشاشة يعني أن صاحبه حاضر في وجدانهم. وبين الحالتين، ظل الفنان الأردني القدير موسى حجازين، بشخصيته الأشهر «سمعة»، واحداً من الأصوات القليلة التي احتفظت بمكانها في ذاكرة الأردنيين ووجدانهم، حتى في سنوات ابتعاده عن الكوميديا السياسية التي عرفه الجمهور من خلالها.
واليوم، يعود «سمعة» إلى المشهد من الباب الذي يعرفه الأردنيون جيداً: حكايات الناس وهمومهم، والسياسة حين تنعكس على تفاصيل حياتهم اليومية.
الإطلالة الجديدة التي بدأ الجمهور يتداولها ليست مجرد عودة عابرة أو مشهد منفرد، بل تبدو بداية مسلسل يعيد «سمعة» إلى مساحته الطبيعية؛ تلك المساحة الواقعة بين المواطن والمسؤول، وبين القرار ونتيجته، وبين الخطاب الرسمي وما يراه الناس ويعيشونه فعلياً على الأرض.
العمل من إنتاج إياد الخزوز، وكتابة الكاتب الساخر أحمد حسن الزعبي، في لقاء يجمع شخصية يعرفها الشارع جيداً مع قلم عرف كيف يقرأ تناقضات الحياة الأردنية ويحوّلها إلى سخرية تحمل موقفاً ومعنى.
ولعل سر موسى حجازين أنه، وسط موجات من الكوميديا التي انجرفت أحياناً نحو السخافة والتهريج بحثاً عن الضحكة السريعة، بقي متمسكاً بخط مختلف. لم تكن ضحكته هدفاً بحد ذاتها، بل كانت دائماً مدخلاً إلى سؤال أكبر، وانتقاد أعمق، ورسالة سياسية أو اجتماعية تصل إلى الناس من دون خطابة.
لهذا لم يكن «سمعة» مجرد شخصية كوميدية بل كان في مراحل كثيرة، وجداناً شعبياً يتكلم على الشاشة.
يقول بطريقة ساخرة ما يقوله الأردني في بيته، وفي المقهى، وفي سيارة الأجرة، وفي جلساته الخاصة؛ يقترب من البطالة وغلاء المعيشة والبيروقراطية والقرارات الحكومية وهموم المواطن وعلاقته بالمؤسسات، لكنه يفعل ذلك من داخل شخصية تشبه الناس ولا تتعالى عليهم.
وهنا تحديداً تكمن القيمة السياسية لعودة «سمعة».
ففي زمن تتسع فيه المسافة أحياناً بين لغة المؤسسات ولغة الشارع، تصبح السخرية الجادة أكثر من مجرد ترفيه. تتحول إلى مساحة يستطيع المجتمع من خلالها أن يرى نفسه، وأن ينتقد واقعه، وأن يضحك على أزماته من دون أن ينكرها.
وما إن بدأت المشاهد الجديدة بالوصول إلى الجمهور حتى بدا واضحاً أن صوت «سمعة» ما زال قادراً على تحريك ذاكرة الشارع الأردني. فالشخصية لم تحتج إلى إعادة تعريف، ولم يحتج موسى حجازين إلى تقديم نفسه من جديد؛ يكفي أن يتكلم «سمعة» حتى يعرف الأردنيون من يتحدث، ولماذا يتحدث، ولمن يوجه كلامه.
وهذه علاقة لا تصنعها حملة إعلامية ولا تحققها المشاهدات وحدها، بل تبنيها سنوات طويلة من الثقة بين الفنان وجمهوره.
موسى حجازين لم يقدم الأردني بوصفه رقماً أو مادة للنكتة، بل قدمه إنساناً له غضبه وكرامته ومخاوفه وأحلامه. ولذلك وصلت كلمته مراراً إلى وجدان الأردنيين، لأنهم كانوا يجدون شيئاً من أنفسهم داخل «سمعة».
«سمعة» يعود اليوم، لكن القضية ليست عودة شخصية تلفزيونية فقط. إنها عودة صوت افتقده الشارع الأردني؛ صوت يعرف كيف يضحك مع الناس، وفي الوقت نفسه يقول ما يريدون قوله.
وبين أداء موسى حجازين وقلم أحمد حسن الزعبي وإنتاج إياد الخزوز، تبدو المساحة مفتوحة أمام مسلسل يعيد للكوميديا السياسية والاجتماعية الأردنية شيئاً افتقدته طويلاً: أن تضحك الناس من واقعهم، لا أن تضحك عليهم.
سمعة الذي لا يغيب…
غاب عن الشاشة فترة، لكنه لم يغب عن الأردنيين.
عاد موسى حجازين وحين عاد صوته، بدا كأن الشارع يتذكر صوته هو.
المصدر:
خبرني