زاد الاردن الاخباري -
خاص - أن يصل الأمر إلى تعميم على مركبة بسبب أجرة موقف، فهنا لا يعود السؤال عن قيمة المبلغ، بل عن الطريقة التي تفكر بها الإدارة العامة في التعامل مع المواطن.
المبلغ قد يكون بضعة دنانير، لكن القصة أكبر بكثير من الدنانير.
المواطن دخل موقفاً تابعاً لأمانة عمّان، وخرج منه، ثم فوجئ بأن عدم تسديد أجرة الموقف انتهى إلى إجراء إداري بحقه، مع مطالبته بمراجعة الأمانة لتسوية المبلغ.
مراجعة الأمانة؟
من أجل أجرة موقف!
هنا تصبح السخرية سوداء فعلاً.
ففي الوقت الذي تتحدث فيه المؤسسات الرسمية عن التحول الرقمي، وتبسيط الإجراءات، وتقليل المراجعات، وتوفير الخدمات إلكترونياً، يجد المواطن نفسه أمام مشهد من زمن آخر:
تعال إلى المبنى، راجعنا، ادفع المبلغ، وأنهِ معاملتك.
والسؤال البسيط الذي لا يحتاج إلى اجتماع لجنة هو:
أين كان موظف الأمانة عندما دخلت السيارة إلى الموقف؟
وأين كان عند خروجها؟
ولماذا لم يكن هناك نظام واضح يمنع المركبة من الخروج قبل تسديد الأجرة؟
وإذا كان الخلل في نظام الموقف نفسه، فلماذا يدفع المواطن ثمن خلل لم يصنعه؟
ثم، إذا كان المطلوب تحصيل مبلغ مستحق، لماذا لا تصل رسالة إلى صاحب المركبة تعلمه بالمبلغ وتتيح له تسديده إلكترونياً؟
لماذا المراجعة الشخصية؟
ولماذا لا يكون هناك رابط دفع أو وسيلة إلكترونية بسيطة؟
هل يعقل أن تكون التكنولوجيا حاضرة في كل شيء، إلا عندما يريد المواطن دفع بضعة دنانير للأمانة؟
الأغرب أن ترك مداخل ومخارج بعض المواقف مفتوحة ثم اكتشاف عدم تسديد الأجرة لاحقاً، قبل الانتقال إلى إجراء بحق المركبة، يجعل المواطن يتساءل: هل نحن أمام نظام لتحصيل الرسوم، أم نظام لصناعة المخالفات؟
فالمنطق الإداري الطبيعي يقول:
امنَع الخطأ قبل وقوعه.
وإذا لم تستطع منعه، أبلغ المواطن به أولاً.
وإذا بقي المبلغ مستحقاً، وفّر له طريقة سهلة للدفع.
أما أن تترك الباب مفتوحاً، ثم تنتظر، ثم تنتقل مباشرة إلى إجراء يجعل صاحب المركبة مضطراً للمراجعة، فهذه ليست الطريقة التي يفترض أن تُبنى عليها علاقة مؤسسة عامة بمواطنيها.
المشكلة هنا ليست في حق الأمانة بتحصيل أجرة موقف.
من حقها أن تحصلها، ومن واجب المواطن أن يدفعها.
لكن للمواطن أيضاً حق في أن يعرف كيف نشأ المبلغ، وأن يُبلّغ به، وأن تتاح له وسيلة دفع ميسرة، وألا يتحول مبلغ صغير إلى رحلة مراجعات وإجراءات.
والأمانة، باعتبارها مؤسسة يفترض أن تكون في قلب مشروع المدينة الحديثة، مطالبة بأن تقدم نموذجاً مختلفاً.
فالمدينة الذكية ليست كاميرات وشاشات وتطبيقات.
المدينة الذكية هي التي لا تجعل مواطنها يراجع مبنى حكومياً من أجل دفع أجرة موقف.
أما أن تصبح المراجعة هي الحل الأول، فهذه ليست رقمنة.
هذه إعادة تدوير للبيروقراطية بواجهة جديدة.
والفخ الأخطر في القصة هو أن المواطن قد يشعر بأن ترك مداخل ومخارج الموقف مفتوحة، ثم تحميله لاحقاً تبعات عدم الدفع، يشبه في نتيجته أسلوباً لا يليق بمؤسسة عامة.
الأمانة ليست بحاجة إلى أن تجعل المواطن يشعر بأنه وقع في فخ.
هي بحاجة إلى أن تجعل عملية الدفع أسهل من نسيان الدفع.
وهنا سؤال يستحق إجابة واضحة من أمانة عمّان:
إذا كانت الأمانة تستطيع أن تصل إلى مركبة وتعمّم عليها بسبب أجرة موقف، فلماذا لا تستطيع أن تصل إلى صاحبها برسالة إلكترونية تقول له: عليك مبلغ كذا.. ادفعه من هنا؟
هذا هو السؤال.
ليس لأن أجرة الموقف لا تستحق الدفع.
بل لأن كرامة المواطن ووقته يستحقان أن تكون طريقة التحصيل أكثر ذكاءً من ذلك.
المصدر:
زاد الأردن