الوكيل الإخباري- كتبت: أماني عودات
لم تكن الرواية الأردنية يومًا مجرد سجل لتحولات مجتمع أو انعكاسًا لمرحلة تاريخية محددة، بل كانت منذ بواكيرها محاولةً لاستنطاق الواقع وسبر أغوار التجربة الإنسانية، فمنذ إرهاصاتها الأولى، حملت الرواية الأردنية سؤال الهوية: من نكون؟ وكيف يمكن للإنسان أن يكتشف ذاته في خضم التحولات الاجتماعية والسياسية والثقافية المتسارعة؟
لقد تطورت الرواية الأردنية عبر تاريخ طويل صنعته أجيال متعاقبة من الكتاب، لم ينظروا إلى الرواية بوصفها مجرد سردٍ حكائي، وإنما تعاملوا معها بوصفها فضاءً معرفيًا وفنيًا خصبًا، يتيح للإنسان أن يطل على العالم وأسئلته الوجودية المتواصلة عن الدلالات المضمرة خلف الأحداث اليومية.
ولعل أبرز ما يميز هذه الرواية هو قدرتها على تحويل المكان إلى شخصية حيّة؛ فالأردن في الرواية لا يظهر بوصفه مكانًا جغرافيًا فحسب، إنما يتجاوز تلك الحدود ليغدو ذاكرة جمعية، وتجربة إنسانية حاضرة، يتبدَّى من خلالها الوعي.
فالمدينة بما تعكسه من تحولات عميقة، والقرية بما تنطوي عليه من جذور متأصلة في الذاكرة، والبادية بما تمثله من قيم وتاريخ، كلها تحولت إلى فضاءات روائية تحتضن أصوات الناس وأحلامهم وصراعاتهم.
لقد استطاع الروائي الأردني أن يمنح المكان روحًا إنسانية؛ فلم تعد إربد أو عمّان أو السلط أو مأدبا أو الكرك مجرد أسماء، بل غدت عوالمَ سردية، تتجلى فيها علاقة الإنسان بذاكرته وتكشف جدلية انتمائه للماضي وتفاعله مع الحاضر، ومن هنا تتشكل فرادة الرواية الأردنية: انطلقت من تفاصيل الحياة المحلية، لكنها لم تنغلق عليها، بل جعلت من التجربة الخاصة بوابةً عبرت منها إلى الأسئلة الإنسانية الكبرى.
بدايات التأسيس وصناعة الصوت الروائي
لم تتبلور الرواية الأردنية دفعة واحدة، بل مرت بمراحل متعاقبة من البحث والتجريب حتى اكتسبت هويتها الفنية الخاصة.
وفي مرحلة التأسيس أخذ السرد الأردني يشق طريقه إلى فضاءات سردية أرحب وأكثر عمقًا وثراءً، بفضل أسماء أسهمت في الارتقاء بالسرد من الحكاية التقليدية إلى رؤية سردية أكثر وعيًا.
كان تيسير السبول من الأصوات الروائية الفارقة بوصفه منعطفًا مهمًا أسهم في إعادة تشكيل مسار الرواية الأردنية، إذ حملت تجربته الروائية هواجس فكرية ورؤية تتجاوز المألوف نحو أسئلة الوجود والإنسان، وجعل الرواية مرآة لتأمل الإنسان العربي في وجوده وواقعه ومصيره، وقد ارتقت أعماله من حدود تصوير الواقع، إلى بناء نصوص سردية تنفتح على رؤى فكرية وتأملات إنسانية عميقة.
أما مؤنس الرزاز فقد أضفى على الرواية الأردنية بعدًا فكريًا وسياسيًا واضحًا، حيث اتخذ من قضايا الحرية والسلطة منطلقًا لرؤيته الروائية، ورصد التحولات الكبرى التي تعيد تشكيل الإنسان والمجتمع.
وتميزت أعماله بتلاحم السؤال الفكري مع البناء الروائي، فجعلت من الإنسان بؤرةً للصراع والتجربة، ومحورًا تتقاطع عنده هموم الإنسان وأسئلة العصر.
أجيال النضج وتنوع التجربة
شهدت التجربة الروائية الأردنية مع تطورها، بروز أصوات جديدة أسهمت في تجديد أساليب الكتابة، وتوسيع آفاقها الموضوعية، وإثراء رؤاها الفنية، وأثبتت أن الرواية الأردنية تجاوزت أحادية الاتجاه، لتغدو فضاءً متعدد الأصوات، ومتنوع التجارب.
قدم جمال ناجي تجربة روائية تنبض بواقع المجتمع وتحولاته، فتوغل في تفاصيل العلاقات الإنسانية، وكشف عن التغيرات التي تصيب القيم والمفاهيم داخل الواقع الاجتماعي، وقد نجح في تحويل الواقع المألوف إلى مادة روائية خصبة، تكشف ما تنطوي عليه الحياة اليومية، من أبعاد إنسانية واجتماعية.
أما إلياس فركوح فقد منح الرواية الأردنية حساسية جمالية فريدة، إذ لم يتعامل مع اللغة بوصفها وسيلة للتعبير فحسب، بل تعامل معها بوصفها طاقة جمالية تشارك في تشييد العالم الروائي وتشكيل رؤيته الفنية، كما كانت أعماله رحلةً في أعماق الذاكرة والوجود الإنساني، جمعت بين التأمل العميق ورهافة الحس الشعري.
وفي الرواية التاريخية والاجتماعية، قدمت سميحة خريس تجربة روائية مغايرة أعادت فيها النظر إلى التاريخ من خلال الإنسان، متجاوزةً الاكتفاء برصد الوقائع الكبرى إلى استحضار أثرها في حياة الشخصيات ومصائرها، فقد أولت اهتمامًا خاصًا بالشخصيات المهمشة ورصدت التحولات الاجتماعية بذكاء روائي، كما منحت المرأة مساحة سردية واسعة بوصفها شخصية فاعلة ذات أبعاد إنسانية، لا مجرد حضور هامشي كما درجت القوالب التقليدية على تصويرها.
كما أغنى هاشم غرايبة التجربة الروائية الأردنية من خلال انفتاحه على قضايا الإنسان والمجتمع، ومعالجته لأسئلة الحرية والتحولات السياسية والفكرية، وقد اتخذت رواياته من الواقع المتحوّل منطلقًا لاستكشاف الإنسان، من خلال شخصيات تجسّد أزماتها الذاتية وصراعها مع إكراهات الواقع وتحولاته.
وفي المسار الذي يحتفي بالمكان بوصفه ذاكرةً وهوية، برز هزاع البراري بوصفه أحد الأصوات الروائية التي أولت البيئة الأردنية عنايةً خاصة، فاستلهم تفاصيلها وتحولاتها، وصاغ منها عالمًا روائيًا يفيض بحكايات الناس، ويستنطق المكان بكل ما يحمله من دلالات إنسانية، فلم يكن المكان في رواياته مجرد مسرح للأحداث، وإنما تعامل معه باعتباره حاملًا للهوية والتاريخ، لتغدو التفاصيل المحلية نافذةً على الإنسان، وما يعتمل في داخله من تساؤلات حول الانتماء والهوية، وعلاقته العميقة بأرضه.
إبراهيم نصر الله... حين تتجاوز الرواية حدود المكان
يمثل إبراهيم نصر الله علامة فارقة ومرحلة مهمة في تطور الرواية العربية، إذ أسهم مشروعه السردي في ترسيخ حضور الرواية الأردنية والفلسطينية في المشهد الروائي العربي، ولا سيما بعد تتويجه بالجائزة العالمية للرواية العربية عام 2018 عن روايته "حرب الكلب الثانية"، الأمر الذي عزّز حضور أعماله في الترجمة وفتح لها آفاقًا أوسع من الانتشار العالمي، فقد نجح في بناء مشروع روائي ممتد، إذ اتخذ من التاريخ والمنفى والهوية والذاكرة محاور أساسية في مشروعه الروائي، وجعل من الرواية وسيلة لاستعادة الأصوات والتجارب الإنسانية التي لا تجد دائمًا مكانها في السرد الرسمي للأحداث.
تكمن أهمية تجربة نصر الله في أنه يجعل من التاريخ فضاءً إنسانيًا حيًا، لا ماضيًا جامدًا، فيعيد صياغة التاريخ روائيًا عبر أصوات البشر ومصائرهم، كاشفًا ما تحمله الشخصيات من مشاعر وأسئلة إنسانية لا تنتهي بانتهاء الحدث التاريخي، ولهذا حظيت أعماله بحضور لدى قرّاء خارج حدود المكان، مؤكدة أن الرواية الأردنية قادرة على بناء تجارب سردية تحمل صوتها الخاص وقيمتها الفنية، إذ تنطلق من المحلي لتلامس أفقًا عالميًا برؤية إنسانية خالصة تتجاوز حدود المكان والجغرافيا.
جلال برجس... بوابة جديدة نحو العالمية
في السنوات الأخيرة، لمع اسم جلال برجس كواحد من الأصوات الأكثر حضورًا وتأثيرًا، بوصفه أحد أبرز وجوه التحول في الرواية الأردنية المعاصرة، إذ أسهمت تجربته في نقل السرد الأردني من فضائه المحلي إلى حضور عربي وعالمي رحب، من خلال أعماله التي تميزت بمزجها بين خصوصية المكان الأردني واتساع الأسئلة الإنسانية التي تتصل بالهوية، والحرية، والفقد، والبحث عن المعنى، إذ زاوج في أعماله بين الحس الفني الرفيع والبناء الروائي المتماسك، ما أضفى على رواياته لغة إنسانية وجمالية قادرة على ملامسة القارئ العربي والعالمي، وقد أتاح هذا التداخل بين المحلي والإنساني لرواياته أن تجد طريقها إلى قراء من خلفيات وثقافات مختلفة.
وقد شكّل فوزه بـ الجائزة العالمية للرواية العربية عام 2021 عن رواية "دفاتر الوراق" محطة مضيئة في تاريخ الرواية الأردنية، إذ منحت تجربته الروائية حضورًا أوسع، وجاء حصوله على جائزة كتارا للرواية العربية عام 2015 عن "أفاعي النار: حكاية العاشق علي بن محمود القصاد" ليؤكد فرادة مشروعه السردي ومكانته المتنامية في المشهد الروائي العربي، وامتد حضور تجربته الروائية إلى قوائم جوائز أدبية مرموقة، من بينها الجائزة العالمية للرواية العربية وجائزة الشيخ زايد للكتاب، وقد عزز هذا الحضور النقدي والجوائزي موقع جلال برجس ضمن أبرز الأصوات الروائية الأردنية المعاصرة، إذ أسهمت ترجمة أعماله إلى لغات أجنبية في توسيع دائرة حضور تجربته الروائية خارج العالم العربي، كما شكل اعتماد روايتي "دفاتر الوراق" و"نشيج الدودوك" ضمن مقررات البكالوريا الفرنسية الدولية، علامة مهمة على اتساع حضور الرواية الأردنية في الفضاء الثقافي العالمي، في دلالة على انتقالها من خصوصية البيئة المحلية إلى رحابة التلقي العالمي.
الرواية الأردنية... من خصوصية المكان إلى رحابة الإنسان
في المحصلة، تكمن قوة الرواية الأردنية في قدرتها على الجمع بين خصوصية المكان واتساع السؤال الإنساني، وهو ما منحها حضورًا يتخطى الحدود، ويصل بها إلى القارئ في مختلف الثقافات؛ فهي رواية تستفيد من التاريخ دون أن تنغلق في حدوده، وتلامس حياة الناس وتفاصيلهم، مستمدة من الواقع مادتها الروائية، وتمنح الخيال مجالًا أوسع للتجريب، مستفيدة من إمكانات السرد الحديثة دون أن تفقد هويتها الخاصة.
لقد استطاعت الرواية الأردنية أن تقطع مسارًا مهمًا، انتقلت فيه من مرحلة البحث عن صوتها وهويتها إلى مرحلة تثبيت حضورها، منطلقة من خصوصية المكان نحو الانفتاح على أفق إنساني وعالمي أوسع، ولم يكن هذا التحول نتاج تجربة فردية أو جائزة واحدة، بل ثمرة رحلة طويلة من التراكم الإبداعي، أسهمت أجيال متعاقبة من الكتّاب في بنائها وترسيخ ملامحها.
ومن تيسير السبول ومؤنس الرزاز، مرورًا بجمال ناجي وإلياس فركوح وسميحة خريس وهاشم غرايبة وهزاع البراري، وصولًا إلى إبراهيم نصر الله وجلال برجس، تتشكل ملامح رواية أردنية حملت ذاكرة المكان، وأصغت إلى الإنسان، وامتلكت صوتها السردي الخاص.
إن مستقبل الرواية الأردنية يبدو واعدًا بمزيد من الحضور والتأثير، لأنها تمتلك مقومات الأدب الإنساني الحي؛ صدق التجربة، وثراء المكان، وإنسانًا يواصل البحث عن ذاته ومعنى وجوده وموقعه في هذا العالم.
المصدر:
الوكيل