سرايا - عممت وزارة الأوقاف والشؤون والمقدسات الإسلامية، على أئمة وخطباء المساجد كافة، عنوان ونص الخطبة الموحدة والملزمة لصلاة الجمعة المقبلة.
وجاءت الخطبة تحت عنوان "إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ"، معززة بالشواهد من الكتاب والسنة بالإضافة إلى المادة العلمية المساندة والمساعدة.
وتاليا نص الخطبة:
الْحَمْدَ لِلَّهِ الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله ، نحمده ونستعينه ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، شهادة حق تنجينا من عذاب أليم ، عليها نحيا وعليها نموت ، ونشهد أن محمداً عبده ورسوله وصفيه من خلقه وخليله ، أدى الأمانة وبلغ الرسالة ونصح الأمة وكشف الغمة ، وجاهد في الله حق جهاده وترك أمته على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك ، اللهم صلّ على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين .
عباد الله : اعلموا أن من أصناف المؤمنين الذين يحبهم الله تعالى هم المتقون، يقول الله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ) التوبة: 4، ويقول سبحانه وتعالى: (بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ) آل عمران: 76.
فما هي التقوى التي يحبها الله تعالى، وكيف يصل المسلم لها، وما هي آثارها؟
عباد الله: إن تقوى الله عز وجل معناها اتقاء سخط الله وعقابه، واتقاء كلِّ أمرٍ لا يحبّه الله تعالى ولا يرضاه، فيجعل المسلم بينه وبين المعاصي وقاية، وبينه وبين الشبهات حاجزاً، ويحرص على الامتثال إلى أوامر الله تعالى وعلى كلّ ما يحبه ويرضاه، وحقيقة التقوى: أن لا يراك مولاك حيث نهاك، ولا يفقدك حيث أمرك.
وسبب محبة الله تعالى للمتقين، لأنها أصل كمال الإيمان في قلوب المؤمنين، التي تملأ النفس إيماناً ويقيناً، وتستكمل أركان الإخلاص في العلاقة بين العبد وربّه سبحانه وتعالى، وقد ورد عن الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه فسرها بقوله: " الخوف من الجليل، والعمل بالتنزيل، والرضا بالقليل، والاستعداد ليوم الرحيل".
والتقوى محلها القلب لأنه محطّ نظر الربّ جلّ جلاله، قال رسول الله ﷺ : "التَّقْوَى هَاهُنَا، وَيُشِيرُ إِلَى صَدْرِهِ ثَلَاثَ مَرَّات" رواه مسلم، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله لا ينظر إلى أجسادكم، ولا إلى صوركم، ولكن ينظر إلى قلوبكم» صحيح مسلم، فكلما ازدادت التقوى في القلوب أزدادت معها كرامة المسلم على ربّه سبحانه وتعالى، فتقوى الله هي معيار التفاضل بين الناس، يقول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ) الحجرات:13، وتقوى الله تعالى هي أصل الأصول كلّها لأنها وصية الله رب العالمين للأولين والآخرين، يقول الله تعالى: (وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ) النساء: 131، ووصيّة رسول الله ﷺ في قوله: «اتَّقِ اللَّهِ حَيْثُمَا كُنْتَ، وَأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الحَسَنَةَ تَمْحُهَا، وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ» سنن الترمذي، وهي ميزان التفاضل بين الناس عند الله تعالى،
يقول الإمام الغزالي: "ولو كانت في العالم خصلة هي أصلح للعبد، وأجمع للخير وأعظم للأجر، وأجل في العبودية وأعظم في القَدر، وأولى بالحال، وأنجح للآمال من هذه الخصلة التي هي التقوى، لكان الله تعالى أمر بها عباده، وأوصى بها خواصّه".
وأما تحصيل التقوى في القلوب فله طرق ووسائل:
أولها: أن يصلح الإنسان سريرته، بتعظيم الله تعالى في قلبه والمداومة على ذكره، ومراقبته في السرّ والعلن، فإن هذا أهم أسباب حصول التقوى في النفس، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَا كَرِهَ اللَّهُ مِنْكَ شَيْئًا، فَلَا تَفْعَلْهُ إِذَا خَلَوْتَ» صحيح ابن حبان.
وثانيها: أن يمنع المسلم نفسه عن كلّ معصية وتحصين النفس عن اتباع الشهوات، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 102].
وقال ابن مسعود في قوله: حَقَّ تُقَاتِهِ.: قال: أن يُطاع فلا يُعْصَى، وأن يُذْكَر فلا يُنْسَى، وأن يُشْكَر فلا يُكْفَر".
وثالثاً: أن يتحلى المسلم بِخلق الورع عن الوقوع في الشبهات، قال رسول الله ﷺ: "إِنَّ الْحَلَالَ بَيِّنٌ، والْحَرَامَ بَيِّنٌ، وبَيْنَهُمَا مُشْتَبِهَاتٌ لَا يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ فَقَدِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ، وعِرْضِهِ، ومَنْ وقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وقَعَ فِي الْحَرَامِ، كَالرَّاعِي يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى، يُوشِكُ أَنْ يَقَعَ فِيهِ، أَلَا وإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى، أَلَا وإِنَّ حِمَى اللَّهِ مَحَارِمُهُ، أَلَا وإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وهِيَ الْقَلْبُ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
قَالَ أَبُو بكر الصّديق رَضِي الله عَنهُ: "اتَّقِ الله بِطَاعَتِهِ وأطع الله بتقواه ولتخف يداك من دِمَاء الْمُسلمين وبطنك من أَمْوَالهم وَلِسَانك من أعراضهم، وحاسب نَفسك فِي كل خطرة".
فإذا حصلت التقوى في القلوب نال المؤمن ثمراتها العظيمة، وهي:
أولاً: يكون المسلم في معية الله تعالى أي محصناً بحفظ الله ورعايته، يقول الله تعالى: (وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ) البقرة: 194، ويقول سبحانه: (وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ) الجاثية: 19.
ثانياً: أن يصبح من أولياء الله الصالحين الذين يؤمّنهم الله تعالى من الخوف والفزع، يقول الله تعالى: (أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ، الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ) يونس: 62-63.
ثالثاً: يجعل الله تعالى لهم من كل ضيق فرجاً ومخرجاً ، ويكرمهم بالرزق الطيب المبارك، يقول الله تعالى: (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) الأعراف: 96، ويقول سبحانه: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا، وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ) الطلاق: 2-3.
رابعاً: التوفيق إلى كل خير والهداية إلى طرق الرشاد، يقول الله تعالى: (وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) البقرة: 282، ويقول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا، يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا) الأحزاب: 71.
خامساً: يحفظ الله تعالى الأمة من الأعداء إن تحققت في أبنائها التقوى. يقول الله عز وجل: (وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ) آل عمران/120، فمن يتصف بتقوى الله في أقواله وأعماله لا يضره مكر الأعداء وكيدهم.
سادساً: قبول العمل، يقول الله تعالى: (إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ) المائدة/27، فمن اتقى الله ربه وأخلص نيته تقبل الله عمله.
سابعاً: النجاة من النار، يقول الله تعالى: (ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا) مريم: 72، ثم الفوز بدخول جنات النعيم: يقول الله تعالى: (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ، فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ) القمر: 54-55، وسُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ أَكْثَرِ مَا يُدْخِلُ النَّاسَ الجَنَّةَ، فَقَالَ: «تَقْوَى اللَّهِ وَحُسْنُ الخُلُقِ» سنن الترمذي.
اللهم إنا نتوجه إليك في غزة والضفة وأهل فلسطين أن تداوي جراحهم، وتشافي مصابهم، وترحم شهداءهم، وأن تذيقهم حلاوة الجبر، بعد مرارة الصبر.
الخطبة الثانية :
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على من لا نبيّ بعده، سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، وبعد: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ آل عمران:102.
واعلموا عباد الله أن الله قد أمركم بأمر عظيم بدأ به بنفسه وثنى بملائكة قدسه، فيقول الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ سورة الأحزاب: الآية 56. عن أُبي بن كعب رضي الله عنه: "أنّ من واظبَ عليها يكفي همه ويُغفر ذنبه". واعلموا أن من صلى على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاةً، صلى الله تعالى بها عليه عشراً، فعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أنّ رسول الله ﷺ قال: "مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا". وصلاة الله على المؤمن تخرجه من الظلمات إلى النور. يقول الله تعالى:﴿ هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ۚ﴾ سورة الأحزاب: الآية43. وهذا يتطلب التخلق بأخلاقه ﷺ والاقتداء بسنته في البأساء والضراء وحين البأس.
واعلموا أن من دعا بدعاء سيدنا يونس عليه السلام: ﴿ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ استجاب الله له. ومن قالها أربعين مرة فإن كان في مرض فمات منه فهو شهيد وإن برأ برأ وغفر له جميع ذنوبه. ومن قال: "سبحان الله وبحمده في اليوم مائة مرة، حُطَّتْ خطاياه وإن كانت مثل زَبَد البحر". وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " كَلِمَتَانِ خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ، ثَقِيلَتَانِ فِي المِيزَانِ، حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَنِ: سُبْحَانَ اللَّهِ العَظِيمِ، سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ".
واعلموا أن المواظبة على قراءة سورة المُلك كل ليلة تشفع لصاحبها حتى يغفر الله تعالى له، وهي المانعة المُنجية التي تُنجي قارئها من عذاب القبر، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن سورة في القرآن ثلاثون آية شفعت لصاحبها حتى غفر له: تبارك الذي بيده الملك" رواه الإمام أحمد والنسائي، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هِيَ المَانِعَةُ، هِيَ المُنْجِيَةُ، تُنْجِيهِ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ» رواه الإمام الترمذي.
سائلين الله تعالى أن يحفظ الملك عبد الله الثاني ابن الحسين وولي عهده الأمين الحسين بن عبد الله، وأن يوفقهما لما فيه خير البلاد والعباد، إنه قريب مجيب.
يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ النحل: 90. ويقول الله عز وجل: ﴿وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ تَنهَىٰ عَنِ ٱلفَحشَاءِ وَٱلمُنكَرِ وَلَذِكرُ ٱللَّهِ أَكبَرُ وَٱللَّهُ يَعلَمُ مَا تَصنَعُونَ﴾ العنكبوت: 45.
وأقيموا الصلاة.
والحمد لله رب العالمين
المصدر:
سرايا