خبرني - كتب أ. د. ليث كمال نصراوين:
لا تكاد تمر فترة زمنية حتى يطل علينا مسؤول حالي أو سابق عبر شاشات التلفاز أو وسائل الإعلام بتصريحات غير موفقة وغير مدروسة، سرعان ما تشعل الرأي العام، وتثير ضجة شعبية وسياسية واسعة، وقد تمتد آثارها إلى التشكيك بأداء المؤسسات الرسمية. وما يزيد من حدة هذه الظاهرة أن المسؤولين المعنيين غالبا ما يلجأون، في بياناتهم التوضيحية، إلى التأكيد أن حديثهم "أُخرج من سياقه" أو أن "التصريح قد تم اجتزاؤه"، حتى أصبحت هذه العبارات تتكرر بصورة لافتة كلما ثار جدل حول تصريح إعلامي.
إن تكرار هذه الحوادث الإعلامية يكشف عن خلل في منظومة التواصل بين المسؤولين ووسائل الإعلام، ويؤكد الحاجة إلى تنظيم العلاقة بين الطرفين بما يحقق الغاية من ظهور المسؤولين الحاليين والسابقين أمام الرأي العام. فإذا كانت الدولة تحيط الوظيفة العامة بمنظومة من الواجبات المتعلقة بالنزاهة والحياد والمحافظة على أسرار العمل، فمن الأولى أن يمتد هذا التنظيم إلى التصريحات الإعلامية التي قد تكون آثارها أخطر من كثير من القرارات الإدارية.
ومن منظور قانوني، فإن الموظف العام أو المسؤول الحكومي لا يفقد صفته الوظيفية بمجرد ظهوره أمام وسائل الإعلام. فتصريحاته المتعلقة بالشأن العام تعد امتدادا لعمله الرسمي، بما يوجب عليه تحري الدقة والموضوعية، وعدم الإدلاء بمعلومات غير موثقة أو مضللة. ومن ثم، فإن الإخلال بهذه الواجبات ينبغي أن يرتب مساءلة تأديبية متى ثبت أن تلك التصريحات أضرت بالمصلحة العامة أو أسهمت في تقويض الثقة بالمؤسسات.
ولا يقل أهمية عن ذلك تنظيم ظهور المسؤولين السابقين أمام وسائل الإعلام، إذ إن المناصب التي شغلوها تمنح تصريحاتهم مصداقية خاصة لدى المواطنين، الأمر الذي يقتضي استمرار التزامهم بالمحافظة على سرية المعلومات التي اطلعوا عليها أثناء توليهم مناصببهم، وعدم استغلالها لإثارة الرأي العام أو الإضرار بالمصلحة العامة.
ولهذا، فإن تنظيم ظهور المسؤولين، الحاليين والسابقين، أمام وسائل الإعلام لم يعد خيارا إداريا ولا ترفا تشريعيا، بل أصبح ضرورة وطنية تفرضها متطلبات الإدارة الرشيدة وحماية المصلحة العامة. ويتطلب ذلك وضع قواعد قانونية واضحة تضمن أن يكون ظهور المسؤول أمام وسائل الإعلام فرصة لتعزيز الثقة بين الدولة والمجتمع، وأن تبقى الكلمة الرسمية دقيقة ومسؤولة ومنسجمة مع مقتضيات الوظيفة العامة، بما يحافظ على هيبة الدولة، ويعزز ثقة المواطنين بمؤسساتها.
* أستاذ القانون الدستوري في كلية الحقوق في الجامعة الأردنية
[email protected]
المصدر:
خبرني