سرايا - أكد النائب السابق الدكتور طارق خوري أن الإصلاح الحقيقي لا يقتصر على تغيير الحكومات أو تطوير أدائها، بل يبدأ بإصلاح المجتمع وسلوك أفراده، معتبرًا أن إصلاح الشعب يشكل الأساس الذي تُبنى عليه أي عملية إصلاح وطنية شاملة.
وقال خوري، في منشور عبر صفحته، إن المطالبة بإصلاح الحكومات مطلب مشروع، إلا أن الحكومة في نهاية المطاف هي جزء من المجتمع، وأفرادها خرجوا من أبناء هذا الشعب، مشيرًا إلى أن المجتمع المنضبط ينتج مؤسسات منضبطة، بينما يعيد المجتمع الذي يتسامح مع الفوضى إنتاجها في مختلف المواقع.
وأشار إلى أن الإصلاح يبدأ بمراجعة السلوكيات اليومية، مستشهدًا بعدد من الممارسات التي وصفها بالسلبية، مثل الوقوف المزدوج للمركبات، وإلقاء النفايات في الشوارع، وعدم الالتزام بقواعد السير، وغياب احترام النظام والوقت، إلى جانب ضعف الالتزام بالإخلاص في العمل وخدمة المواطنين.
وأضاف أن هذه التصرفات، وإن بدت بسيطة، فإنها تشكل في مجموعها ثقافة مجتمعية تؤثر بشكل مباشر في قدرة الدولة على التقدم، مؤكدًا أن نهضة الدول لا تتحقق بالقوانين وحدها، وإنما باحترام المواطنين لها، والمحافظة على الممتلكات العامة، وأداء الواجبات بروح المسؤولية.
وشدد خوري على أن المدرسة والأسرة تمثلان نقطة الانطلاق في أي مشروع إصلاحي، داعيًا إلى تطوير المناهج التربوية بما يسهم في ترسيخ قيم الانتماء، واحترام القانون، وحب الوطن، والنظافة، والانضباط، والعمل الجاد، واحترام حقوق الآخرين.
ولفت إلى أن نجاح أي حكومة في تنفيذ برامجها الإصلاحية يرتبط بوجود مجتمع يتبنى ثقافة المسؤولية ويشارك في عملية الإصلاح، محذرًا من أن استمرار الفوضى واللامبالاة سيحد من قدرة أي حكومة، مهما بلغت كفاءتها، على تحقيق تطلعات المواطنين.
وختم خوري بالتأكيد أن الدعوة إلى إصلاح المجتمع لا تمثل انتقاصًا من المواطنين، وإنما تعكس الثقة بقدرتهم على التغيير، معتبرًا أن بناء المواطن الملتزم والمحترم للنظام سيجعل إصلاح الحكومات نتيجة طبيعية لمجتمع أكثر وعيًا ومسؤولية.
وتاليًا نص ما كتبه خوري:-
إصلاح الشعب قبل إصلاح الحكومة.
كثيرون يطالبون بإصلاح الحكومات، وهذا مطلب مشروع، لكن الحقيقة التي قد لا تعجب البعض هي أن إصلاح الشعب لا يقل أهمية، بل هو الأساس الذي يقوم عليه أي إصلاح حقيقي.
فالحكومة في النهاية ليست كيانًا هبط من السماء، وإنما هي جزء من المجتمع، وأفرادها خرجوا من هذا الشعب. لذلك، فإن المجتمع المنضبط ينتج مؤسسات منضبطة، والمجتمع الذي يتسامح مع الفوضى يعيد إنتاجها في كل موقع.
نحن بحاجة إلى مراجعة سلوكياتنا اليومية قبل أن نطالب الآخرين بالتغيير. فما زلنا نشاهد من يقف بسيارته وقوفًا مزدوجًا ويغلق الطريق على الناس، ومن يلقي النفايات والأوراق في الشوارع وكأن النظافة مسؤولية الآخرين، ومن يقطع الطريق من أي مكان دون احترام لقواعد السير، أو يسير في منتصف الشارع وكأنه ملكٌ خاص له، ثم يغضب إذا نبهه أحد أو استخدم منبه السيارة.
ونرى من يريد أن يوقف سيارته أمام باب المكان الذي يقصده تمامًا، وكأن المشي عشرين أو ثلاثين مترًا أصبح عبئًا لا يحتمل. كما نرى من لا يؤدي عمله بإخلاص، ولا يعتبر خدمة الناس واجبًا، ولا يؤمن بقيمة الإنتاج والانضباط واحترام الوقت.
هذه السلوكيات قد تبدو بسيطة، لكنها في مجموعها تصنع ثقافة مجتمع كاملة. فالدول لا تتقدم بالقوانين وحدها، بل باحترام الناس لهذه القوانين، ولا تنهض بالمشاريع فقط، بل بعقلية المواطن الذي يحافظ على الممتلكات العامة، ويحترم النظام، ويؤدي عمله بضمير.
ولهذا فإن الإصلاح الحقيقي يبدأ من المدرسة والأسرة. نحن بحاجة إلى مناهج تربوية تعيد بناء شخصية الإنسان، وتغرس قيم الانتماء، وحب الوطن، واحترام القانون، والمحافظة على النظافة، والعمل الجاد، والانضباط، واحترام حقوق الآخرين. فهذه القيم لا تُولد مع الإنسان، بل تُكتسب بالتربية والتعليم والقدوة.
إن إصلاح الحكومة مهمة مهمة، لكنه يصبح أسهل بكثير عندما يكون المجتمع نفسه شريكًا في الإصلاح، لا عائقًا أمامه. أما إذا بقيت ثقافة الفوضى واللامبالاة والاستهتار سائدة، فلن تنجح أي حكومة، مهما كانت كفاءتها، في تحقيق ما يطمح إليه الناس.
إصلاح الشعب ليس انتقاصًا منه، بل احترام له وإيمان بقدرته على التغيير. وعندما ننجح في بناء مواطن يحترم النظام، ويحب وطنه، ويؤدي واجبه قبل أن يطالب بحقوقه، سنجد أن إصلاح الحكومات أصبح نتيجة طبيعية، لأن الحكومات في النهاية ليست إلا صورةً عن المجتمع الذي تنتمي إليه.
د. طـارق سـامي خـوري
المصدر:
سرايا