زاد الاردن الاخباري -
خالد قطاطشة - لم تعد الأزمة التي تعيشها البترا مجرد تراجع موسمي في أعداد الزوار أو تحدياً عابراً يمكن تجاوزه ببيانات التفاؤل والتصريحات الرسمية. فالمدينة الوردية، التي شكلت لعقود طويلة واجهة الأردن السياحية الأبرز ومصدر رزق لآلاف الأسر، تقف اليوم أمام اختبار حقيقي يهدد مستقبلها الاقتصادي والاجتماعي.
خلال الأشهر الماضية، تصاعدت أصوات المستثمرين وأصحاب الفنادق والمطاعم والمنشآت السياحية في وادي موسى والبترا، محذرين من واقع وصفه كثيرون بأنه الأقسى منذ سنوات طويلة. وبينما تتحدث بعض الجهات عن أرقام للزوار خلال العطل والمناسبات، يؤكد العاملون في الميدان أن المؤشر الحقيقي لأي نشاط سياحي لا يقاس بعدد الداخلين إلى الموقع الأثري فقط، بل بحجم الأثر الاقتصادي الذي ينعكس على الفنادق والمطاعم والأسواق ووسائل النقل والعاملين في القطاع.
الحقيقة التي لا يمكن تجاهلها أن عشرات المنشآت السياحية تعاني اليوم من انخفاض حاد في نسب الإشغال، فيما تواجه أخرى صعوبات متزايدة في دفع الرواتب والالتزامات التشغيلية. كما أن العديد من العاملين في القطاع باتوا يعيشون حالة من القلق المستمر على مصادر رزقهم، في ظل تراجع الطلب وإلغاء الحجوزات وانخفاض الحركة السياحية الأجنبية التي كانت تمثل العمود الفقري للاقتصاد المحلي في المنطقة.
الأخطر من ذلك أن استمرار الأزمة لا يهدد المستثمرين وحدهم، بل ينعكس على مجتمع كامل يعتمد بصورة مباشرة أو غير مباشرة على السياحة. فكل غرفة فندقية فارغة تعني دخلاً مفقوداً، وكل مطعم يخلو من الزوار يعني فرصة عمل مهددة، وكل تراجع في الحركة السياحية ينعكس على عشرات المهن والخدمات المرتبطة بهذا القطاع الحيوي.
ورغم الحديث المتكرر عن برامج الدعم والمساعدات المخصصة للقطاع السياحي، فإن كثيراً من أصحاب المنشآت يؤكدون أن آثار هذه البرامج لم تظهر بالشكل المأمول على أرض الواقع، وأن حجم التحديات يفوق بكثير ما تم تقديمه حتى الآن. كما يطالبون بحلول عاجلة تتجاوز التصريحات إلى إجراءات عملية تشمل تخفيف الأعباء المالية، وتقديم حوافز حقيقية، وإطلاق حملات ترويج دولية فعالة تعيد البترا إلى خارطة السياحة العالمية.
وفي الوقت ذاته، تبرز قضية المنشآت غير المرخصة كواحدة من الملفات التي تحتاج إلى معالجة جادة، لما تشكله من منافسة غير عادلة للمنشآت النظامية الملتزمة بالقوانين والضرائب والرسوم، الأمر الذي يزيد من الضغوط الواقعة على المستثمرين الشرعيين.
إن البترا ليست مجرد موقع أثري أو مقصد سياحي، بل هي قصة وطن وهوية اقتصادية وثقافية للأردن أمام العالم. ولذلك فإن إنقاذها لا يجب أن يكون مطلباً لفئة محددة أو منطقة بعينها، بل مسؤولية وطنية تستدعي تضافر جهود الحكومة والقطاع الخاص والمؤسسات المعنية كافة.
اليوم، تقف المدينة الوردية بين خيارين؛ إما الانتقال إلى مرحلة إنعاش حقيقية تعيد الحياة إلى قطاعها السياحي وتحافظ على استدامة الاستثمار وفرص العمل، أو ترك الأزمة تتفاقم حتى تصل إلى مستويات أكثر خطورة يصعب تدارك آثارها مستقبلاً.
وإذا كانت البترا تمثل القلب النابض للسياحة الأردنية، فإن إنقاذ هذا القلب لم يعد ترفاً أو خياراً مؤجلاً، بل ضرورة وطنية واقتصادية ملحة تستوجب التحرك قبل فوات الأوان.
المصدر:
زاد الأردن