سرايا - ً أعادت الجريمة التي شهدتها منطقة حسبان فتح نقاش واسع حول فعالية إجراءات التفتيش والرقابة الأمنية داخل المؤسسات والمرافق العامة، وسط تساؤلات متزايدة حول مدى التزام الجهات المعنية بتطبيق التعليمات الأمنية على أرض الواقع، وليس الاكتفاء بوجودها على الورق.
ويرى الكاتب والمحلل الأمني الدكتور بشير الدعجة أن الجريمة بحد ذاتها ليست الاستثناء، إذ إن الجرائم تقع في مختلف دول العالم مهما بلغت مستويات الأمن والتقدم، إلا أن الإشكالية الحقيقية تكمن عندما تنجح جريمة في اختراق منظومة يفترض أنها محصنة بإجراءات وقائية وأمنية متعددة.
ويؤكد الدعجة أن السؤال الأهم بعد أي حادثة أمنية لا يجب أن يقتصر على أسباب وقوع الجريمة، بل يجب أن يمتد إلى الكيفية التي تمكن بها الجاني من تجاوز طبقات الحماية والتفتيش والرقابة المفترض وجودها لمنع مثل هذه الحوادث أو الحد من فرص وقوعها.
وأشار إلى أن المؤسسات والمرافق العامة تضم في العادة أقواس تفتيش إلكترونية وأجهزة كشف وأشعة وكاميرات مراقبة ونقاط حراسة، إلا أن وجود هذه الوسائل وحده لا يكفي ما لم تقترن برقابة فعلية وتطبيق صارم للتعليمات الأمنية.
وأضاف أن الأمن لا يقاس بعدد الأجهزة أو حجم الإنفاق عليها، وإنما بمدى فاعلية استخدامها والتأكد المستمر من جاهزيتها وكفاءة القائمين عليها، محذراً من أن التراخي البشري والاعتياد على الروتين الأمني يمثلان أحد أخطر التهديدات للمنظومة الأمنية.
ولفت إلى أن العديد من الجرائم الخطيرة حول العالم لم تكن نتيجة قدرات استثنائية للمجرمين، بقدر ما كانت نتيجة ثغرات ناجمة عن ضعف الرقابة وتحول بعض الإجراءات الأمنية إلى ممارسات شكلية لا تحقق أهدافها الحقيقية.
وشدد الدعجة على أن تحميل الأجهزة الأمنية مسؤولية كل جريمة تقع داخل المؤسسات لا يعكس بدقة طبيعة العمل الأمني، موضحاً أن جرائم “الذئاب المنفردة” يصعب التنبؤ بها في كثير من الأحيان، وأن مسؤولية الأمن العام تتركز في حفظ الأمن وكشف الجرائم وملاحقة مرتكبيها وتعزيز البيئة الوقائية.
وبيّن أن مسؤولية تطبيق إجراءات التفتيش اليومية تقع بالدرجة الأولى على الجهات المشغلة للمواقع والمنشآت المختلفة، وعلى القائمين على الحراسة والأمن الداخلي، إضافة إلى الجهات الرقابية المكلفة بمتابعة الالتزام بالتعليمات المعتمدة.
ودعا إلى إجراء مراجعات دورية ومفاجئة لفاعلية أنظمة التفتيش والأجهزة الأمنية، واختبار جاهزية العاملين ميدانياً، والتأكد من تطبيق الإجراءات على الجميع دون استثناء، معتبراً أن المؤسسات بحاجة إلى تعزيز ثقافة المساءلة والرقابة أكثر من حاجتها إلى المزيد من الأجهزة أو التعليمات.
وختم الدعجة بالتأكيد على أن الأمن الحقيقي يبدأ قبل وقوع الجريمة، عند البوابات ونقاط التفتيش ومواقع الحراسة، وأن التحدي الأكبر لا يكمن في وجود التعليمات فقط، بل في ضمان تطبيقها بشكل فعلي ومستمر، لأن الفارق بين الأمن الحقيقي و”الأمن الورقي” هو الفارق بين منظومة تحمي الناس ومنظومة تكتفي بالمظاهر والإجراءات.
المصدر:
سرايا