آخر الأخبار

"الناقل الوطني" يدخل مرحلة التنفيذ الفعلي

شارك

سرايا - لم يعد مشروع الناقل الوطني مجرد خطة إستراتيجية مؤجلة على رفوف الدراسات، بل بدأ يتحول تدريجيا إلى واقع تنفيذي تتشكل ملامحه على الأرض، مع توقيع اتفاقية الشراكة الأردنية – الأميركية لتهيئة البنية التحتية لاستقبال مياه المشروع، كأول مشروع ضمن برنامج جاهزية الناقل الوطني، في خطوة تحمل أبعادا تتجاوز البنية التحتية إلى إعادة رسم مستقبل الأمن المائي في الأردن.


وفي ظل التحديات المائية المتفاقمة، تبدو هذه الخطوة أقرب إلى إعلان فعلي بأن الأردن بدأ بناء المرحلة التشغيلية لمشروع الناقل الوطني، ليس فقط كمشروع لتحلية المياه، بل كمشروع لإعادة تشكيل منظومة الأمن المائي الوطنية لعقود مقبلة.


فالاتفاقية التي وقعت بين سلطة المياه والحكومة الأميركية بقيمة 78.2 مليون دولار، منها 69 مليون دولار بتمويل أميركي، لا ينظر إليها كمشروع فني منفصل، بل كبداية عملية لبناء المنظومة التشغيلية التي ستستقبل وتنقل وتوزع المياه المحلاة القادمة من مشروع الناقل الوطني، الذي يعد أكبر مشروع مائي في تاريخ المملكة، والمتوقع أن يغطي نحو 40 % من احتياجات مياه الشرب في الأردن.


ترجمة الاستثمارات
في هذا السياق، أكد أمين عام سلطة المياه م. سفيان البطاينة، في تصريحاته الأخيرة، أن الاتفاقية "تمثل خطوة محورية في تجهيز البنية التحتية الوطنية لاستقبال وتوزيع كميات مياه إضافية من مشروع الناقل الوطني"، مشيرا إلى أنها تعكس التزام الحكومة المستمر بتعزيز الأمن المائي وتحسين استمرارية التزويد، بما يضمن ترجمة الاستثمارات الكبرى إلى أثر ملموس على خدمات المياه المقدمة للمواطنين.


وتكشف الخطوة بوضوح أن الأردن بدأ فعليا الانتقال من مرحلة التخطيط النظري إلى مسار التنفيذ العملي، خاصة أن المشروع لا يتعلق فقط بإنتاج المياه، بل بقدرة القطاع المائي على استيعاب هذه الكميات وضمان وصولها بكفاءة واستدامة إلى المواطنين.


وفي هذا الإطار، تبدو أهمية مشروع الجاهزية مضاعفة، باعتباره الحلقة التي تربط مشروع التحلية بالشبكات الوطنية، من خلال إنشاء خزانات إستراتيجية وخطوط ناقلة وتوسعة البنية التحتية في عمان والزرقاء، بما يسمح بدمج كميات المياه الجديدة ضمن منظومة التزويد القائمة دون إرباك أو ضغط إضافي على الشبكات.


كما تعكس الاتفاقية وجود رؤية متكاملة لإعادة هيكلة منظومة التزويد المائي في المملكة، تقوم على رفع كفاءة الشبكات وتحسين قدرة النظام على النقل والتوزيع، بالتوازي مع تقليل الاعتماد على المصادر التقليدية، وفي مقدمتها المياه الجوفية التي تعرضت خلال السنوات الماضية لاستنزاف متزايد بفعل الطلب المرتفع وشح الموارد.


وتحمل الشراكة الأردنية – الأميركية في هذا التوقيت دلالات سياسية وتنموية مهمة، إذ تعكس تنامي ثقة المجتمع الدولي بقدرة الأردن على إدارة وتنفيذ مشاريع بنية تحتية مائية معقدة، كما تمنح المشروع بعدا دوليا يعزز فرص استكماله ضمن الأطر الزمنية المخطط لها، خاصة مع ارتباطه المباشر بإستراتيجية الأمن المائي الوطنية ورؤية التحديث الاقتصادي.


وتؤشر الاتفاقية أيضا إلى تحول في طريقة التعامل مع أزمة المياه، من إدارة العجز الموسمي إلى بناء منظومة طويلة الأمد أكثر قدرة على مواجهة الضغوط المناخية والنمو السكاني والتحديات الإقليمية، في بلد يصنف ضمن أفقر دول العالم مائيا.


هيكلة التزويد المائي
وفي قراءة تعكس أهمية هذه الخطوة على مسار تنفيذ مشروع الناقل الوطني، يرى الأمين العام الأسبق لوزارة المياه والري م. إياد الدحيات، في تصريحات لـ"الغد"، أن توقيع اتفاقية الشراكة الأردنية – الأميركية لتهيئة البنية التحتية لاستقبال مياه مشروع الناقل الوطني، وباعتبارها أول مشروع ضمن برنامج جاهزية الناقل الوطني، يمثل خطوة إستراتيجية تعكس انتقال الأردن فعليا من مرحلة التخطيط والدراسات إلى مرحلة التنفيذ العملي لأحد أهم المشاريع المائية في تاريخ المملكة.
ويقول الدحيات إن "البدء بتنفيذ مشاريع الجاهزية الخاصة بالبنية التحتية لاستقبال المياه، يعني أن الدولة الأردنية دخلت مرحلة التحضير الفعلي للتعامل مع كميات المياه المحلاة المتوقع ضخها مستقبلا من مشروع الناقل الوطني".
ويؤكد الدحيات أن أهمية هذه الاتفاقية لا تقتصر على الجانب الإنشائي فقط، بل تعكس أيضا وجود رؤية متكاملة لإعادة هيكلة منظومة التزويد المائي ورفع كفاءتها، بما يضمن الاستفادة القصوى من المياه المحلاة، وتقليل الضغوط المتزايدة على المصادر التقليدية، خاصة المياه الجوفية التي تعرضت خلال السنوات الماضية لاستنزاف كبير، لافتا إلى أن "تأمين شبكات وخزانات ومحطات قادرة على استقبال ونقل وتوزيع المياه الجديدة بكفاءة هو جزء لا يقل أهمية عن مشروع التحلية نفسه، لأن أي ضعف في جاهزية الشبكات سيؤثر على كفاءة التزويد والاستفادة من المياه المنتجة".
ويشير إلى أن الاتفاقية تعكس مستوى متقدما من الجدية في تنفيذ المشروع، خاصة مع وجود دعم وشراكة أميركية في هذه المرحلة، ما يمنح المشروع بعدا دوليا وثقة أكبر بقدرة الأردن على تنفيذ المشروع ضمن الأطر الزمنية المخطط لها، مؤكدا أن هذه الخطوة تمثل مؤشرا واضحا على انتقال المشروع من الإطار النظري إلى مسار التنفيذ الفعلي على الأرض.


انعكاسات متوقعة
ويبين الدحيات أن الانعكاسات المتوقعة لهذه الخطوة على الأمن المائي، ستكون كبيرة خلال السنوات المقبلة، في ظل مواجهة الأردن واحدا من أدنى معدلات حصة الفرد من المياه عالميا، الأمر الذي يجعل أي تقدم في مشروع الناقل الوطني استثمارا مباشرا في الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي والبيئي.


وأوضح أن "تهيئة البنية التحتية من الآن، ستسهم مستقبلا في تعزيز استدامة التزويد المائي وتقليل الانقطاعات وتحسين عدالة التوزيع بين المحافظات، إلى جانب رفع مرونة قطاع المياه في مواجهة التغيرات المناخية وفترات الجفاف".


كما يؤكد أن تطوير الشبكات المرتبطة بالمشروع، سيلعب دورا مهما في خفض نسب الفاقد المائي، سواء الفاقد الفني الناتج عن اهتراء الشبكات أو الفاقد الإداري، لافتا إلى أن "تحديث البنية التحتية وربطها بأنظمة تشغيل أكثر كفاءة سيؤدي إلى تحسين إدارة المياه وتقليل الهدر".


ويضيف أن الأردن "بحاجة ماسة إلى مشاريع موازية لمشروع التحلية تشمل تحديث الشبكات وتحسين كفاءة النقل والتوزيع، لأن نجاح أي مشروع مائي إستراتيجي لا يقاس فقط بحجم المياه المنتجة، بل بقدرة القطاع على إيصال هذه المياه للمواطنين بكفاءة واستدامة".


ويشدد الدحيات على أهمية إطلاق أول مشروع ضمن برنامج جاهزية الناقل الوطني، باعتباره يمثل رسالة واضحة بأن الأردن بدأ فعليا ببناء المنظومة التشغيلية المستقبلية لمشروع الناقل الوطني، بما يعزز قدرة المملكة على مواجهة تحديات العجز المائي المتفاقم ويؤسس لمرحلة جديدة أكثر استقرارا في إدارة الموارد المائية.

الغد

إقرأ ايضاَ
سرايا المصدر: سرايا
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا