الوكيل الإخباري- كتب اللواء الدكتور عادل الوهادنة استشاري المناعة والحساسية وامراض الروماتيزم ومدير عام الخدمات الطبية الاسبق مقالاً قال فيه :
نموذج التدقيق الذكي للمستشفيات الخاصة في الأردن
هل بدأت مرحلة سقوط “سطوة الإعلان” أمام “حقيقة الأداء”؟
في السنوات الأخيرة، تضخم المشهد التسويقي الصحي بصورة غير مسبوقة، حتى أصبح المواطن في كثير من الأحيان عاجزًا عن التفريق بين المستشفى الذي يملك “أفضل إعلان”، والمستشفى الذي يملك “أفضل أداء حقيقي”.
صور لامعة، حملات رقمية كثيفة، محتوى مدفوع، مؤثرون، تقييمات مكررة، وصفحات ترويجية ضخمة… كلها صنعت واقعًا جديدًا أصبح فيه “الحضور الإعلامي” أحيانًا أعلى صوتًا من “مؤشرات الجودة الطبية”.
لكن السؤال الأخطر الذي بدأ يفرض نفسه اليوم:
هل ما نراه على الشاشات يعكس فعلًا جودة الرعاية الصحية؟
أم أننا أمام اقتصاد صحي بدأ يتحول تدريجيًا من “طب قائم على النتائج” إلى “طب قائم على الصورة الذهنية”؟
انطلاقًا من هذه الفكرة، ظهر مفهوم “التدقيق الذكي للمستشفيات” باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات، ليس بهدف التشهير أو التصنيف العدائي، بل لمحاولة بناء نموذج أكثر عدالة وموضوعية لقياس الأداء الحقيقي بعيدًا عن الضجيج الدعائي.
الفكرة الجوهرية للنموذج تقوم على إزالة أو تخفيض تأثير:
الإعلانات الممولة
المحتوى الدعائي
التقييمات المتكررة أو الوهمية
المراجعات التسويقية
الحسابات غير الموثوقة
الظهور الإعلامي الموجه
وإعادة توجيه التركيز نحو مؤشرات أداء قابلة للقياس الحقيقي.
النموذج المقترح يعتمد على اثني عشر مؤشر أداء رئيسيًا تشمل:
سلامة المرضى
مكافحة العدوى
كفاءة أقسام الطوارئ
نتائج العمليات الجراحية
أداء العناية الحثيثة
جودة التوثيق الطبي
كفاءة الكوادر البشرية
معدلات إعادة الإدخال
التحول الرقمي
الشفافية المالية
رضا المرضى الحقيقي
الاعتماد والجودة المؤسسية
المثير للاهتمام أن النماذج التحليلية الحديثة بدأت تكشف شيئًا مهمًا للغاية:
ليست كل المؤسسات ذات الضجيج الإعلامي الأعلى هي الأفضل أداءً بالضرورة.
بل إن بعض المؤسسات متوسطة الحجم، الأقل ضجيجًا، قد تحقق أحيانًا توازنًا أفضل بين:
سرعة الوصول للطبيب
مرونة القرار الطبي
الاستقرار الإداري
العلاقة المباشرة مع المريض
استمرارية المتابعة
انخفاض البيروقراطية
وتماسك الفريق الطبي
وفي بعض الحالات، تظهر هذه المؤسسات نتائج أكثر استقرارًا في رضا المرضى والتواصل الإنساني وسرعة الاستجابة مقارنة بمؤسسات ضخمة تعاني من تضخم إداري أو تسويقي.
كما أن الذكاء الاصطناعي بدأ يكشف أن جزءًا من التقييمات الإلكترونية الصحية عالميًا قد لا يعكس دائمًا التجربة الواقعية، بسبب:
الحملات الدعائية المنظمة
التقييمات الانفعالية غير المتوازنة
الحسابات الوهمية
والمحتوى التسويقي المقنع
لذلك فإن المستقبل الحقيقي لتقييم المستشفيات قد لا يكون بعدد الإعلانات، بل بقدرتها على إثبات:
انخفاض العدوى
ارتفاع السلامة
تحسن النتائج السريرية
وضوح الفواتير
الاستجابة للشكاوى
استقرار الكوادر
والاحتفاظ بثقة المرضى على المدى الطويل
الأردن يمتلك قطاعًا صحيًا خاصًا مهمًا ومؤثرًا إقليميًا، لكن الحفاظ على هذه السمعة لن يتحقق فقط عبر التسويق، بل عبر الانتقال التدريجي إلى ثقافة “الشفافية الرقمية الصحية”، حيث تصبح البيانات والجودة والنتائج هي اللغة الأقوى.
ربما نحن أمام بداية مرحلة جديدة في الطب الخاص…
مرحلة لا يسأل فيها المريض:
من أعلن أكثر؟
بل:
من قدّم رعاية أفضل فعلًا؟
المصدر:
الوكيل